مكان يتقاسم الأقدار

حجم الخط
2

 

عن قناعة أو عن واجب، ينبهر السائح الذي يجرؤ على دخول قلب منطقة القبائل بمواقع يجدها بديعة وبمناظر تبدو له شاعرية، كما أنه يشعر بتعاطف غامر تجاه عادات سكانها.
يمكن تصديقه بلا مشكلات طالما يجد في كل مكان المواقع البديعة ذاتها، الشاعرية ذاتها، ويشعر بنفس التعاطف. لا يوجد سبب قد لا يجعلك ترى في منطقة القبائل ما تراه أيضاً في كل مكان.
أتقدم بألف اعتذار لكل السائحين. لأنكم تمرون كسائحين تكتشفون المواقع البديعة والشعرية، يتوقف حلمكم عند عودتكم إلى دياركم، وتنتظركم على الأعتاب السطحية.
نحن سكان منطقة القبائل نتفهم عندما يُثنى على بلادنا، كما نحب أن يُخفى قبحها تحت مسميات مُطرية. على الرغم من ذلك نحن نتخيل الانطباع غير المؤثر الذي يتركه على السائح الأكثر تعاطفاً منظرُ قرانا الفقيرة.
تعدّ تيزي تجمعاً سكانياً لألفي ساكن، تتلاصق منازلها الواحد تلو الآخر على قمة مرتفع وكأنها هيكل عظمي ضخم لوحش ينتمي إلى عصر ما قبل التاريخ؛ على طول مائتي متر، يقع الشارع الرئيسي وما هو إلا جزء من طريق قبيلة يربط عدة قرى ويؤدي إلى طريق ممهد ومنه إلى المدن.
يحتفظ هذا الشارع الرئيسي بعرضه الأصلي في المناطق التي يحدّه فيها حائط من جانب واحد: ستة أذرع على الأقل؛ لأن ما تمّ بناؤه على جانبيها غالباً ما تآكل، كما أنه يثير الشفقة في محبسه الحجري. قد تحتنق إذا لم تُعط الحياة بين مسافة وأخرى، تارة في اتجاه اليمين وتارة في اتجاه الشمال لأذرع صغيرة عشوائية، على شكل حواري تضيق على الجانبين وتمتد حتى الحقول.
إذا اتبعنا منطقاً سديداً، كيف يقتضي معاملة شارع ما إلا جزء من طريق بشكل مختلف عن الطريق، لم يوجب رصفه إذا لم يكن الطريق كذلك؟ كلاهما تربى في الصيف، غير أنه في الشتاء تتراكم فيه الأوحال أكثر، حيث أنه يتم ارتياده بشكل أكثر. لهذا السبب يظل الشارع قذراً. هذا هو الاختلاف الوحيد. أما الحواري، فهي تشبهه لأنها خرجت من رحمه.
لنتخيل في نقطة ما حارتين متقابلتين اتجاه إحداهما إلى اليمين، والأخرى إلى الشمال، في هذا المكان يتسع الشارع. هل السبب في ذلك صدفة غامضة أم قرار حجته غير معروفة في الوقت الحالي؟ لم يقم أسلافنا بالبناء في الزوايا الأربع لمفترق الطرق؛ فانتم في الساحة الكبرى بالقرية، ساحة الموسيقيين، حيث يوجد مجلس الشيوخ، تعدّ هذه الساحة فريدة من نوعها حتى إن سكان الحي الواقع بالأعلى يحسدون سكان الحي الأدنى. تُشكل ألواح كبيرة من الصخر الزيتي ـ وُضعت على مساحة خمسين سنتمتراً من البناء غير المستقر والذي يتكئ على جملوني المنازل ـ مقاعد التدجاميت (المصنوعة من الحجر) ويجلس عليها الرجال والأطفال. أرادت ظروف خاصة أن يحظى أحد المقاعد بسقف يظلله، إنه المقعد المفضل نظراً لطراوته في الصيف ولأنه يأوي في الشتاء. عندما تدخل مجلس الشيوخ من جهة الشمال، يقع هذا المقعد جهة الشمال، تحديداً، أمام حارة سد، يقطعها على بعد عشرين متراً مدخل مسكن، يزين هذا المقعد بالتحديد أفضل لوح، لوح من الرخام، رخام أصلي ولونه عسلي لامع وقد جلاه الوقت والاستعمال.
تضم القرية ثلاثة أحياء وبالتالي ثلاثة مجالس شيوخ. كل مجلس يضم مقاعد من الحجر وألواح لامعة. نجد في كل مكان مربعات ثابتة محفورة بداخل الألواح حيث نلعب بالحصى. غير أن أحداً لا يستطيع الادعاء بأن المجالس الأخرى تضاهي «ساحة الموسيقيين».
يوجد أيضاً مسجدان، إلا أن المساجد لا تظفر بمثل أهمية المجالس. إذا نظرت إليها من الخارج، فهي تشبه المنازل الأخرى المجاورة لها. بالداخل، الأرض إسمنتية والجدران يكسوها اللون الأبيض، كما أن المكان فارغ وحزين لبساطته، يبدو العجائز الذين يذهبون للصلاة فيه وكأنهم ينتمون إلى عصر قد ولى. يقع المقهى الغربي خارج القرية، على من يهتمون لأمره البحث عنه والخروج من التجمع السكاني.
بعض المساكن الشاهقة أقيمت مؤخراً بفضل المال الذي أحضر من فرنسا. تزهو هذه المنازل بواجهاتها على غير استحياء وبأسطحها من القرميد شديد الحمرة وسط القبح العام، فتشعر أن هذا الترف ليس في موضعه في مثل هذا الإطار، علاوة على ذلك، لا نشعر بالفخر حياله. على بعد، تبدو تلك المنازل وكأنها بقع بيضاء لا تنسجم مع الشكل العام والذي صبغه لون الأرض. نحن نعلم أنها من الداخل تشبه باقي المنازل، حتى أنها ينطبق عليها بحقّ المثل الذي يحقّر من شأنها: إسطبل منيل، الواجهة لامعة أما الداخل يملأه الروث والدواب.
الغرور هو أكثر العيوب التي تثير سخريتنا؛ ربما لأننا جميعاً أقارب وأصهار.
تجمع أسلافنا ـ على ما يبدو ـ بدافع الضرورة.
فقد عانوا طويلاً من العزلة حتى أنهم فقدوا حقاً ميزة أن يعيشوا متحدين، فتغمرنا السعادة لان الجيران يقدمون خدمات، يساعدون، يقرضون، يغيثون، يتعاطفون أو على الأقل يتقاسمون قدرنا! نحن نخشى العزلة مثل الموت، غير أن هذا لا يمنع المشاجرات والمشاحنات العابرة، والتي تعقبها المصالحة حول احتفال ما أو مصيبة ما. «نحن جيران لننعم بالجنة وليس للمشاجرة»، هذا أحد ألطف أمثالنا. فجنّتنا هي جنة على الأرض، ولكنها ليست بالتأكيد جهنم.
لا يهم إذا كان لكل حي سلفه، فقد احتفلنا منذ أزل بزيجات عدة بين العائلات حتى صار تاريخ القرية، في الوقت الحالي، مثل تاريخ شخص. لا تنفرد عائلة بمركز اجتماعي أو حتى بألقاب نبلاء. ولدينا حتى الآن أشعار تتغنى بأمجاد أبطالنا، أبطالاً ماكرين مثل يوليسيس، فخورين مثل ترتارين، وفي نحافة دون كيشوت. علاوة على الأصل الواحد، نحن نعيش الظروف ذاتها، لأن كل سكان منطقة قبائل الجبال يعيشون بالطريقة ذاتها فلا يوجد غني ولا فقير.
بالتأكيد هناك نوعان من البشر: من يؤمّنون احتياجاتهم بشكل منتظم، ومن يمرون بأيام عسيرة وأخرى يسيرة، فينتقلون من الفقر المدقع إلى العيشة الرغدة لمن أعزتهم السماء. لكن يصعب التصنيف بشكل قاطع أو حتى التمييز بين نوعية الحياة ما بين السكان.
تملك الأسر الثرية عدة حقول تين، وبعض حقول الزيتون، وهكتار أرض للزراعة وأحياناً بئر ماء في أحد حقولهم. عندما نقيم في مجلس الشيوخ مكاسب فلاح خلال شهر من العمل، نقرأ الإعجاب والحسد في العيون. إن يوماً من العمل على أراضينا الوعرة، والمنحدرة بجاموستين تكاد تكون في حجم الخراف، لا يسمح بسوى حرث ألف متر مربع، فلا يملك إذن أكبر الملاك من سكان القبائل مساحة تتعدى الستة هكتارات. في مجلس القرية تسمع صوته عالياً، وهو سيد بلا منازع، على الأقل نتركه يعتقد ذلك.
من «ابن الفقير»، 1940. الترجمة العربية: نسرين شكري، 2014

بلزاك الرواية الجزائرية

كان الروائي الجزائري (1913 ـ 1962) في عداد أبكر شهداء الثورة الجزائرية من الكتّاب والأدباء، إذْ اغتالته زمرة من المجموعة الإرهابية الفرنسية التي عُرفت باسم OAS، وكان يعقد اجتماعاً تعليمياً في أحد مدارس الجزائر العاصمة. ورغم أنّ خمسة من زملائه استُشهدوا معه يومذاك، فإنّ المستهدف الأوّل كان فرعون: الكاتب والروائي المنافح عن استقلال البلاد من الاستعمار الفرنسي، وصاحب المقولة الشهيرة بصدد المقاومة الثقافية الوطنية: «أكتب باللغة الفرنسية، وأتكلم بها، ولكن لكي أقول للفرنسيين إنني لست فرنسياً».
الجانب الآخر في أدب فرعون كان التقاط الملامح الأعمق، الاجتماعية والبشرية والطبيعية، للحياة الأمازيغية التي ولد في كنفها وترعرع على عاداتها وإرثها؛ الأمر الذي لم يحجب عنه إبصار الصورة الأعرض للجزائر المتعددة، والتعددية، فأبدع في تصوير مشهدية متنوعة وزاخرة، وامتلك تقنيات وصف مذهلة، متأنية ومتفحصة، تذكّر بمزيج من أساليب بلزاك وبروست معاً. وفي مراسلاته مع ألبير كامو، وإلى جانب استعراض خلافاتهما حول مواقف الأخير من استقلال الجزائر وتغييب شخصية الجزائري في روايته الأشهر «الغريب»؛ أبدى فرعون سلسلة آراء حول الأدب الفرنسي، والأبعاد الاستعمارية التي ظلت تتسلل إلى أعمال تبدو للوهلة الأولى بريئة من حسّ التعصّب للاستعمار.
وإلى جانب عشرات المقالات، خلّف فرعون مؤلفات عديدة في الرواية والأدب والمذكرات، بينها: «ابن الفقير»، «الأرض الدم»، «أيام قبائلية»، «الدروب الوعرة»، «أشعار سي محند» وهو ترجمة لقصائد الشاعر الأمازيغي ومناقشة لفكرة المقاومة في الشعر الأمازيغي، رسائل إلى الأصدقاء وتضمن بعض مراسلاته مع كامو وسواه، «الذكرى»، «مدينة الورود»، و»اليوميات».

مكان يتقاسم الأقدار

مولود فرعون

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية