القاهرة – إسلام أنور: على مدار العامين الماضيين يحاول الفنان التشكيلي المصري هاني راشد خلق فضاءات بديلة. يتعاون مع مجموعة من الشباب والفتيات في ورش عمل تستمر لشهر واحد، ليستقبل دفعات جديدة. تعتمد فكرتها الرئيسية على ترسيخ الدور الاجتماعي للفن، وفي مواجهته الديكتاتور ومنظومته السلطوية. اضافة إلى خلق حالة من التواصل بين الفنان وبيئته بصورة مغايرة، لا تجمل الواقع ولا تعكسه كما هو، ولكن تعيد تقديمه بأساليب مدهشة تدفع الجمهور إلى التفكير في مدى هشاشة وقبح وعبثية المنظومة السياسية والأمنية والاجتماعية والثقافية الحاكمة للعالم.
في إحدى قاعات مؤسسة «مدرار للفن» المعاصر في حي «غاردن سيتي»، وعلى بعد خطوات من ميدان التحرير، يجلس هاني راشد في دائرة يتحاور عبرها مع 20 شابة وصبية لا تتجاوز أعمارهم 25 عاماً. يتحدثون حول رؤيتهم للتغيرات الاجتماعية والسياسية والثقافية، وكيف يمكن التفاعل معها من خلال فنون التصوير والكولاج. وسط هذه الاستدارة تتناثر عشرات الصحف والمجلات العربية والأجنبية القديمة وعبوات بلاستيكية ممتلئة بالألوان زهيدة الثمن بالإضافة إلى كمية كبيرة من الورق المقوى.
يقول هاني لـ «القدس العربي» إن الورشة «تعتمد على مواد بسيطة مثل المتواجدة على الطاولة، ويتم إعادة تدويرها من خلال فن الكولاج عن طريق القص واللزق والرسم والتشكيل من أجل تكوين معنى جديد يعبر عن أفكار الفنان ورؤيته للواقع»، ويضيف: «عقب ثورة 25 يناير/كانون الثاني من العام 2011 عاد الفن التشكيلي بقوة إلى الشارع المصري من جديد وتحرر الفنانون، خاصة الشباب من سجن قاعات العرض المغلقة، وتصدرت الصورة المشهد المجتمعي العام عبر الغرافيتي والتصوير. لكن تدريجيًا تراجع هذا الحضور، وفي ظل حصار الثورة ومطاردة صانعيها، قُتل العديد من الفنانين واعتقل آخرون، وغرقت المجموعة المتبقية في متاهة الحياة. ومع خروج جيل جديد من المبدعين في السنوات الماضية كان صغيرًأ حين قامت الثورة، لكنه تشبع بروحها، شعرت أن الأمل يولد من جديد لذلك قررت أن أقيم ورشة تحاول خلق فضاءات جديدة».
تنقسم الورشة إلى ثمان جلسات، في كل جلسة يناقش موضوع محدد ويتم التدريب على التعبير عنه فنيًا. وتعتمد الورشة على آلية ديمقراطية في وضع برنامج العمل حيث يختار المتدربون بشكل حر أربع موضوعات، في حين يحدد هاني راشد الأربعة موضوعات الأخرى، وتتضمن الورشة أيضًا استضافة عدد من الفنانين المحترفين للمشاركة. وفي هذا السياق تقول منى عصام، إحدى المشاركات في الورشة: «درست الفن التشكيلي بصورة أكاديمية في كلية تربية فنية، وكان أغلب شغلي مرتبطاً بالتشكيل والأعمال التقليدية، وكان لدي شغف كبير بالفن المعاصر ومساحة الحرية والتجريب التي يوفرها للفنان، والورشة فرصة مهمة لإعادة اكتشاف ذاتي»، وتشير إلى أن «الفن المعاصر يعتمد على محورين رئيسيين هما الصورة التي أصبحت مكونا رئيسيا لحياتنا، والمحور الثاني هو كيفية إعادة صياغة هذه الصورة والتعامل معها بشكل مغاير، وفن الكولاج ساعدنا جدًا على توظيف التعبير عن أفكارنا».
واحدة من الأهداف الرئيسية للمشروع هو إعادة ثقافة اقتناء الأعمال الفنية من جديد. فالفن ملك للجمهور بقدر ما هو ملك لصانعيه، لذلك يتم عرض جميع منتجات الورشة في معرض بعنوان «مكتب نعيمة ينزف» بأسعار رمزية للجمهور لا تتجاوز 400 جنيه ما يعادل 50 دولارا، وعن سر اختيار هذا المسمى ودلالته يقول الفنان أحمد ليسي، أحد المشاركين في الورشة: «اختيار أسم المعرض يبدو غريبا، لكنه معبر عن روح الورشة وعن طريقة عمل فن الكولاج، فكما نفعل مع الصور من قص ولزق وإعادة تشكيل من جديد، قررنا أن نمارس هذه الآلية لكن مع الكلمات، فأحد الزملاء كان يعمل على مشروع عن الفنانة نعيمة عاكف، فمن هنا جاءت كلمة نعيمة وزميلة أخرى كانت تحتاج لمكتب محدد لكي تنجز عليه شغلها فجاءت فكرة مكتب، والأحداث التي نعيشها، بالإضافة إلى الألوان التي كانت تسقط منا على الأرض كانت تشعرنا بحالة من النزيف، فجمعنا هذه الكلمات فخرج عنوان المعرض مكتب نعيمة ينزف».
يشير الليسي إلى أن العمل الجماعي مع أكثر من 20 فنانا وفنانة فتح آفاقا متعددة للتعلم وتبادل الخبرات وخاصة في ظل تنوع الخلفيات المعرفية للمشاركين، فشروط الالتحاق بالورشة لم تقتصر على الدارسين للفن بصورة أكاديمية، ولكنها فتحت الباب لكل محبي وعشاق الفن، والمعيار هو جودة العمل والقدرة على التفكير المغاير، ويضيف الليثي: «خلال الورشة ناقشنا أكثر من فكرة منها لعب الأطفال، والصور المشوهة، والبورتريهات، والثورة، وكادرات من الأفلام واشتغلنا على كيفية ربط هذه الأفكار بالواقع المعاش والحياة المعاصرة».