لم يفقد الرئيس السيسي قدرته على إثارة دهشتي بعد في كل المناسبات التي يتكلم فيها، خاصةً حين يرتجل، ويتعين علي في هذا السياق أن أعترف بأنني أنتظر متشوقاً تلك الفرص وأتابعها بشغف. آخرها كان في مؤتمر الشباب في الإسماعيلية، تلك الحلقة الثالثة من ذلك المسلسل/التقليد الجديد الذي لا نعرف إلى متى سيمتد.
ما لم أصل إلى فهمه حتى الآن هو ولع الرئيس بتلك الاستفاضات في شرح رؤاه حيث ينتهز كل فرصةٍ سانحة ليقلبها إلى مكلمة، وإذ يذكرني في ذلك بالمرحوم الرئيس السادات الذي دأب بدوره في آخر أيامه على التعامل مع مقابلاته التلفزيونية كأحاديث مصاطب، فإنه يؤكد تلك القناعة المتنامية التي خلُصتُ إليها بأن الكثير من الظواهر سواءً في السلوك الشخصي أو الجماعي في بلداننا، خاصةً في ما يتعلق بسلوك الرؤساء لا يمكن تحليله وفهمه سوى على أرضية علم النفس، ولعل الصلة تتوثق حين نتذكر أن الرئيس السيسي تسلم سيفاً من السادات في المنام…ما لم يوضحه من طعن به.
أمران يشغلانني في مؤتمرات الشباب تلك، أولهما الغرض منها والثاني ما يمكن قراءته مما جاء فيها.
وقد ذهب البعض إلى كونها مفيدة معتبراً إياها نوعاً من بادرة الانفتاح السياسي على الشباب وفرصةً للتنفيس للتقارب معهم، إلا أنني أرى في ذلك الكثير من حسن النية وإن لم يخل من وجاهة.
أولاً، نحن لا نعلم ما هي المعايير أو المقاييس التي تراعى في اختيار هؤلاء الشباب. عن نفسي لا أرى لدى النظام أي نية للانفتاح السياسي بمعنى التعددية ومشاركة السلطة وتداولها، ولعل من اللازم هنا التذكير بشهادة حازم عبد العظيم التي صرح فيها بوضوح لا يحتمل اللبس أن قائمة حب مصر اتفق عليها داخل جهاز المخابرات. الأقرب إلى ذهني هو أن أحداً ما في النظام قد فطن إلى وأدرك أنه يعاني فراغاً تنظيمياً. في صعوده للرئاسة اعتمد الرئيس السيسي وتلك التركيبة الحاكمة التي تشكل نظامه على القوات المسلحة والمنظومة الأمنية – الاستخبارية فأطاح بجماعة الإخوان وانطلق يطاردهم في ما بات يمكن تشبيهه ب»مطاردة ساحرات» وزج بمعارضيه في السجون ضارباً عرض الحائط بأي سقفٍ أو موانع أو تحفظاتٍ على العنف، لكنه يكتشف الآن أن ذلك لا يكفي. يجوز أن ثمة أحزاباً على الساحة، المعارض منها والمساند، غير أنها في المجمل لا تمثل النظام تماماً ولا تنطق باسمه ولا ينتمي الرئيس لأيٍ منها كما كان الحال مع كل التنظيمات السابقة والأطر التي ولدت في أحضان السلطة بدءاً من هيئة التحرير ووصولاً إلى الحزب الوطني، وبالتالي فإن الحكومة الحالية لا تعدو كونها مجموعة من التكنوقراط نعلم بطبيعة الحال ولاءهم للنظام إلا أنهم في الظاهر لا ينتظمون في صفوف حزبٍ يضم الرئيس.
من الوارد جداً أن يكون الهدف من تلك الاجتماعات هو جس النبض ومحاولة التخفيف من حدة الاحتقان المتنامي جراء السياسات الاقتصادية المجحفة في حق السواد الأعظم، أي الظهور بمظهر الانفتاح السياسي والتواصل الجماهيري.
من ناحيةٍ أخرى، قد تشكل نواة حشدٍ للشباب في إطارٍ تنظيميٍ مستقبلي لم تختمر فكرته بعد يكون وسطاً أو خليطاً بين التنظيم الطليعي وجمعية جيل المستقبل.
أما في ما يتعلق بما يمكن قراءته، فلا يعنيني شكوى الرئيس من التلكؤ وعدم الكفاءة، فهو بذلك يكرر ما قاله مراتٍ عدة من قبل من كون مصر لم تعد سوى شبه دولة. ما لفت انتباهي شخصياً هو ما قاله عن «فهمه» هو للتحديات، وهذا بالتحديد ما يخيفني: فهمه.
فقد تحدث عن الجيش الذي يقوم بدورٍ تنموي موازٍ للدولة وأنه وضعه تحت أقدام المصريين. حسب معلوماتي فالمؤسسة العسكرية جزءٌ تابعٌ للدولة تتلقى مخصصاتها المالية منها ومن المفترض أن تخضع ميزانيتها للرقابة العامة ممثلة في نواب الشعب والإعلام الخ بشفافية.
ليس من المفترض أن تقوم بدورٍ اقتصادي «يوازي» دور الدولة، كما أنه لما كان الجيش المصري يعتمد على المجندين فمن غير المقبول أن يمن علينا بوضعه تحت أقدامنا، وهو ما لم يفعله في حقيقة الأمر، وإنما يتم استغلالهم في امبراطورية الجيش الاقتصادية الأضخم والمتشعبة في ظروف سخرة بهدف التربح أولاً.
مزعجٌ جداً أيضاً أن نرى رئيساً مفاهيمه عن معنى كلمة الدولة وأدواتها ملتبسة إلى هذا الحد كما يخلط بين النمو والتنمية. أجل، فهمه ذاك هو ما يقلقني ويخيفني، وفي غيبة أي حزبٍ حقيقي، أصبح هو الدولة والدولة هو، وعلى ذلك فهذا البلد الذي تحدق به كل تلك الكوارث (باعترافه وإلحاحه ) يقوده هو بفهمه ذاك!
وكعادته، لم يفته أن ينهر الحاضرين ويخوفهم من التحرك ضد الدولة والنظام لأن في ذلك مجلبةً للخراب، وبالتالي فهو سيمضي في طريقه وانحيازاته محملاً مسؤولية أي خرابٍ مقبل على تذمرٍ محتمل.
أليس من الممكن أن يحتوي الناس مثلاً وينحاز لهم، أن يقدم بعض التنازلات ما دام خائفاً إلى هذه الدرجة من الانتفاضات أو الثورات؟!
فهم الرئيس هو المشكلة. فهمٌ تقليدي متشرب من الثقافة الدارجة التي وصلتنا عبر عقود وقرون الانحطاط المديد تضاف إليها ثقافة عسكرية محدودة وشحيحة المصادر.
لست ممن يراهنون على توقيت سقوط النظام أو ثورةٍ وشيكة، فأنا أدرك أن هناك بديلاً للثورة: التوحش والتفسخ المجتمعي، كما أنني ما زلت أرى أن أحد أكبر أزماتنا الملحة هو غياب التنظيمات ذات الشعبية التي تطرح نفسها كبديل (عدا الإخوان بالطبع) إلا أن كل ذلك لا ينفي ولا يتعارض مع ما خرجت به من اللقاء: الأزمة الاقتصادية – الاجتماعية المتفاقمة والإفلاس السياسي مع المحاولات اليائسة لملئه.
د.يحيى مصطفى كامل