■ تضارب التصريحات في مصر بشأن الطائرة المنكوبة (MS 804) يحمل جملة من الدلالات المهمة، التي لا ينبغي أن تغيب عن أي متابع لهذه الكارثة. فالحكومة حاولت مراراً أن تتريث وتتأخر قبل أن تتبنى رواية أو فرضية أنها سقطت بفعل «عمل إرهابي»، بينما سارع الجيش إلى تبني هذه الرواية وسرعان ما أجبر الحكومة على ذلك، وخلال ساعات قليلة فقط، وبطبيعة الحال قبل العثور على حطام الطائرة أو الوصول إلى صندوقها الأسود، بل قبل بدء التحقيقات أصلاً.
فرضية «العمل الإرهابي المدبر» واردة جداً في الحادث المأساوي والمرعب، خاصة أن مقاتلي تنظيم «الدولة الإسلامية» نجحوا قبل ذلك في اختراق الإجراءات الأمنية في مطار شرم الشيخ ونسفوا طائرة روسية أواخر العام الماضي، كما أن مقاتلي تنظيم الدولة نفذوا عمليات أيضا في فرنسا، ما يعني أن لدى التنظيم مقاتلي بلد انطلاق الرحلة وبلد الوصول، وكلاهما مستهدف من التنظيم الذي أصبح قوة لا يُستهان بها.
ليس مهماً من هو المنفذ بقدر ما أننا أمام 66 بريئاً قضوا في هذا الحادث، وأمام 66 عائلة منكوبة، وأمام حادث مأساوي بكل المعايير الإنسانية، لكنَّ تعاطي الحكومة والجيش في مصر مع هذه الحادثة الإنسانية يدفع إلى التوقف عند جملة من الملاحظات توجب التوقف عندها:
أولاً: سارع الجيش إلى تبني فرضية «العمل الإرهابي» بسرعة مبالغ بها وغير منطقية تدفع الى الاعتقاد بأنه – أي الجيش- يريد الاستفادة من الحادث سياسياً وأمنياً ومالياً، مندون أي اكتراث بالضحايا ولا بمشاعر ذويهم، ومن دون أي حرص على الوصول إلى الحقيقة لتجنب تكرار مثل هذه الكارثة. فعلى الصعيد السياسي وجد الجيش في هذه الحادثة فرصة بالغة الأهمية لتأكيد أنه يخوض حرباً مع غول كبير ومتوحش اسمه «الارهاب»، وأن هذا «الإرهاب» الذي تتم محاربته في مصر يمكن أن يودي بحياة أبرياء غربيين (على متن الطائرة 15 فرنسيا وبريطاني واحد وآخر أمريكي)، وبالتالي يستفيد الجيش على الصعيد الداخلي بالالتفاف حوله من قبل «الغلابة»، الذين يخشون من أن تطالهم يد الارهاب، ويستفيد على المستوى الدولي بأن يُسكت الغاضبين من انتهاكات حقوق الانسان، والغاضبين من مقتل روجيني وغيره تحت التعذيب بأن يقوم بتسويق فكرة أنه يحارب الإرهاب وأن أي عملية محاربة للارهاب ستمس بطبيعة الحال حقوق وحريات بعض الأفراد!
تتوسع استفادة الجيش أيضاً الى المستوى المالي عندما يُسوق نظرية أن «الارهاب» هو الذي أسقط الطائرة، وأن الجيش بقيادة الجنرال عبد الفتاح السيسي هو الذي يحارب هذا الإرهاب، حيث يحصل على مساعدات غربية على غرار تلك التي حصلت عليها تركيا من الاتحاد الأوروبي.. وهنا فإن الجيش وجد في حادث الطائرة «سبوبة» جديدة ينبغي عدم تضييعها!
ثانياً: خلافاً لمصالح الجيش؛ سارعت الحكومة الى التلكؤ في تبني نظرية «العمل الإرهابي المدبر» وحاولت أن تتـــــأخر في ذلك (طبعاً لا تستطيع في النهاية رفض أوامر الجيش الحاكم)، أما سبب التلكؤ الحكومي فهو أنها لا تريد أن تتحمل عبء فشل أمني جديد، وفشل استخباراتي جـــــديد، فضلاً عن أنها ضربة قاســــية يمكن أن تــــؤدي إلى انهيار الحكومة أصلاً أو اجبارها على الاستقالة. أضف الى ذلك أن الحكومة عادة ما تسلك مساراً مهنياً وطبيعياً في مثل هذه الأحداث، أي أنها تريد -كالعادة- أن تنتظر إجراء تحقيقات أولية والعثور على حطام الطائرة، ومن ثم الصندوق الأسود، وخلال هذا وذلك تستمع الى التسجيلات التي وردت من الطائرة خلال الرحلة، ومن ثم تُقرر أسباب السقوط… لكن هذا كله لم يحدث عندما ظهر من يريد الاستفادة سياسياً وأمنياً من هذه الحادثة.
ثالثاً: أسوأ ما انتهى إليه حادث الطائرة المصرية، هو أنه توجد حالة من عدم الاكتراث على صعيدين، أو في ملفين، الأول: المستوى الإنساني، إذ لم تنشغل الحكومة ولا الجيش في مصر بالضحايا، أما فرنسا ففتحت مركزاً للدعم النفسي، واستنفرت السفارة البريطانية في كل من القاهرة وباريس من أجل بريطاني واحد كان على متن الطائرة، بينما كان المصريون في القاهرة يتلوون على أرصفة «مصر للطيران» بحثاً عن أي معلومة، وكان التلفزيون الحكومي الرسمي يبث دراما كوميدية لمشاهديه!
أما المستوى الثاني في حالة عدم الاكتراث، فهو الآثار الكارثية لهذه المأساة على القطاع السياحي، وهو القطاع الذي يعاني أصلاً من متاعب كبيرة منذ تفجير الطائرة الروسية في نوفمبر من العام الماضي، في الوقت الذي تُشكل فيه السياحة القطاع الأهم لاقتصاد مصر، لأنها تشكل مصدراً لــ14٪ من إيرادات النقد الأجنبي، وتشكل نحو 11٪ من قيمة الناتج المحلي الإجمالي، وقد تراجعت منذ بداية العام الحالي الى نحو النصف، وباتت بعد الحادث الأخير مرشحة لمزيد من التراجع والانهيار.. ولا أحد يكترث بذلك.
٭ كاتب فلسطيني
محمد عايش