ملاحقة أمنية لنحو 30 ألف مسلم ونفي تام لحكمة «الصواب السياسي»: تداعيات «غير أخلاقية» لمجزرة أورلاندو في الحرب ضد الإرهاب وتنظيم «الدولة»

حجم الخط
4

واشنطن ـ «القدس العربي»: هل تعلم صناع السياسة في الولايات المتحدة الدروس الصحيحة من مجزرة أورلاندو التي ذهب ضحيتها 49 قتيلا في أشهر ملهى ليلي في ولاية فلوريدا؟ وهل هناك محاولة جدية لإعادة النظر في سياسة مكافحة الإرهاب؟ ما الذي يقترحه الخبراء لمواجهة خطر تنظيم «الدولة» داخل الأراضي الأمريكية؟ ما هي استراتيجية إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما لمنع تصاعد ظاهرة التشدد العنيف التي تغذيها الجماعات المتطرفة عبر الانترنت لدى الشباب الغربي؟ والأهم من ذلك، ما هي الاستراتيجية الأمريكية المقبلة في فترة ما بعد أوباما الذي يقترب من وداع مرحلة مثيرة للجدل؟
اتفق المسؤولون والخبراء على رأي واحد في هذا الشأن، مسح تنظيم «الدولة» من الأرض في سوريا والعراق. وعلى الرغم من الدور القليل الذي لعبه التنظيم مباشرة في التخطيط والإعداد لهذه المجزرة وغيرها من الهجمات الإرهابية داخل البلاد، إلا ان دور التنظيم خطر للغاية. فهو يلهم الشبان الساخطين ويدعوهم لتــنفيذ عمــليات إرهـــابية فردية مع توجيهات تهدف إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الأضرار والدمار.
هذا الاجماع التقليدي امتد بعد مجزرة أورلاندو لمناقشة فترة ما بعد تنظيم «الدولة» حيث برزت دعوة للقيادة الأمريكية بعمل ما في وسعها لمنع الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران أو الجماعات الجهادية السنية من ملء الفراغ، وبالتالي العودة لمشكلة الإرهاب مرة أخرى تحت مسميات مختلفة. النقاش الثاني الذي برز بعد المجزرة تمحور حول مسألة لم تخطر على بال الشعب الأمريكي منذ سنوات غير بعيدة، وهي ضرورة التخلي عن بعض الحريات التي تقدم بعض الراحة من أجل مواجهة التهديدات الإرهابية في الداخل كما فعلت العديد من البلدان الأخرى. مثلا، لا يخطر على بال أحد هذه الأيام افتتاح المزيد من النوادي الليلية دون اتخاذ إجراءات أمنية صارمة، وفي المستقبل المنظور، هناك توجهات في واشنطن لأخذ زمام المبادرة للمزيد من الإجراءات الأمنية في المطارات المحلية.
والأنكى من ذلك كله، هو ظهور حالة من التقبل في الأوساط السياسية والإعلامية والشعبية الأمريكية لممارسة سياسة تنميط المسلمين بشكل يتجاوز الجمهور العنصري المؤيد للمرشح الجمهوري دونالد ترامب. في الصحافة الليبرالية مثلا، ظهرت عبارات غير معقولة تنص بالحرف على ان هناك ضرورة لفحص رواد النوادي الليلية إذا كانوا من أصول باكستانية أو دول إسلامية أخرى، وأقوال تطالب بتجاهل عناصر مشتركة للمؤسسة الثقافية والسياسية الأمريكية بشأن عدم التنميط، وقد لجأ دعاة هذه السياسة غير الأخلاقية إلى التعلم من التجربة الفرنسية في هذا المجال، حيث تعرض العديد من الموظفين المسلمين في مطار شارل ديغول لعمليات فحص خاصة مثل مراقبة «السلوكيات غير اللائقة» وفقا للمفهوم الغربي مثل عدم مصافحة زميلات العمل أو الإشادة بمرتكبي الهجمات الإرهابية في السنوات الماضية. وقال هؤلاء ان من الحماقة عدم التدقيق في الموظفين المسلمين في الوظائف الحساسة حتى لو كانت الخطوة غير عادلة أو نمطية.
وظهرت مطالبات بعد مجزرة أورلاندو بالتوقف عن التظاهر بانه يمكن تجنب المفاضلة بين الحريات المدنية والأمن والبدء في اتخاذ القرارات الصعبة مثل السيطرة باحكام على الحدود من أجل مواجهة تهديد «الإرهاب الإسلامي» وفقا لتسمية الخطاب الإعلامي الأمريكي هذه الأيام. وعلى حد تعبــــير العديد من المحللين فان «البرابرة داخل الحصن» في إشارة إلى ان الإرهابيين قد ولدوا أو ترعرعوا داخل الولايات المتحدة مثل عمر متين أو رضوان فاروق.
ومن التداعيات الخطيرة لمجزرة أورلاندو عودة الحديث عن ضرورة مراقبة المساجد والمراكز الإسلامية مراقبة وثيقة وجميع أفراد المجتمع الإسلامي الذين تبدو عليهم علامات تطرف أو تشدد مراقبتهم بشكل روتيني وليس فقط أولئك الذين تظهر عليهم نوايا عنيفة صريحة. وعلى الرغم من اهتمام السلطات الفيدرالية الأمريكية بمراقبة واستجواب أشخاص لديهم ميول مع الجماعات الجهادية بدون جدوى إلا ان الدعوة الجديدة طالبت بمنح مكتب التحقيقات الفيدرالية والسلطات المعنية الأخرى سقفا أعلى في إجراءات المراقبة. أما الحجة التي عثر عليها دعاة المراقبة ضد الانتقادات التي تفيد بالتكلفة الهائلة لبرنامج المراقبة المحتمل ضد الجالية المسلمة، فقد كان ان البرنامج سيستهدف واحدا فقط في المئة من العدد الإجمالي للمسلمين في الولايات المتحدة والذي يتجاوز3 ملايين، أي ما مجموعه 30 ألفا فقط، والأنكى من ذلك كله، يطالب هؤلاء، أيضا، بنبذ المؤسسات الأمريكية ـ الإسلامية مثل مجلس العلاقات الأمريكية ـ الإسلامية بحجة انها تدعو للتعصب والعنف.
الاستراتيجية الأمريكية المقبلة، لمحاربة تأثير تنظيم «الدولة» تسير في إتجاه عدواني هجومي واضح، وهي بالتأكيد تبتعد عن حالة «الصواب السياسي» التي تنتهجها بشكل منفرد إدارة أوباما في الوقت الحاضر، هذه الاستراتيجية قد لا تولد في الأشهر الأخيرة من عهد أوباما، ولكنها انتقلت بالتأكيد من حالة عدم الاقرار بوجود تهديد للتنظيم داخل الولايات المتحدة إلى الاقرار بان الجماعة المتشددة قد تشكل تهديدا مباشرا للبلاد إذا تركت بدون رادع، وهذا دليل على تقييم جديد لتهديدات تنظيم الدولة يصل إلى حد الفارق بين السلبية والتدخل.
ينظر 90 في المئة من الأمريكيين إلى تنظيم «الدولة» كتهديد خطير على الأمن القومي. كما خفت حالة الالتباس حول مدى تهديد الجماعة في الأراضي الأمريكية بعد مجزرة أورلاندو، الأمر الذي يتطلب من الإدارة الأمريكية عمل المزيد في استراتيجية مكافحة الجماعة داخل الولايات المتحدة. وعلى الرغم من عدم اقرار البيت الأبيض حتى الآن لإجراءات جديدة لمحاربة الجماعة، إلا ان الإدارة الأمريكية قد طلبت على عجل من المؤسسات المختصة بما فيها الأمنية تعزيز الإجراءات المطلوبة في الاستراتيجية الحالية وهنالك توقعات باقرار تشريعات من قبل الكونغرس باتجاه منع المشتبه بارتباطهم بشكل ما بالإرهاب من حيازة الأسلحة.
ليست هناك وسيلة لمعرفة عدد أنصار تنظيم «الدولة» في الولايات المتحدة رغم ترجيحات مكتب التحقيقات الاتحادي ان العدد يتجاوز ألف شخص على الأقل. وليست هناك وسيلة لإدانة المشتبه في أمرهم فهم غالبا لا يقيمون اتصالات مباشرة مع التنظيم ولا تبدر عنهم خطوات تساعد السلطات على القبض عليهم، وغالبا ما تعود القصص الناجحة للسلطات الأمنية في الكشف عن مؤامرات إرهابية إلى إجراءات وقائية تتكأ على دس مخبر ما للتأكد من قابلية المتهم بالقيام بعمل إرهابي، والأدوات الوحيدة المتوفرة للسلطات الأمريكية لمواجهة الجماعة لا تتجاوز محاربتها على ساحة الانترنت عبر الترويج لدعاية مضادة لتحريضات تنظيم «الدولة» والتواصل مع المجتمعات المحلية عبر برامج حوار وتدريب تهدف إلى ملاحظة وملاحقة الإتجاه نحو التطرف ناهيك عن مطاردة المقاتلين الأجانب الذين يودون الانضمام لساحة الجهاد في سوريا، والمهمة الأصعب من ذلك كله، تعزيز القدرة على اكتشاف «الذئاب المنفردة» قبل قيامهم بهجمات إرهابية.

ملاحقة أمنية لنحو 30 ألف مسلم ونفي تام لحكمة «الصواب السياسي»: تداعيات «غير أخلاقية» لمجزرة أورلاندو في الحرب ضد الإرهاب وتنظيم «الدولة»

رائد صالحة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية