ملامح الذاكرة البصرية في منحوتات السعودي عصام جميل

من بداية التسعينيات بدأ النحات السعودي متئدا ينحت على الرمال، يستعمل فرشاته ويديه، تطاوعه الرمال الذهبية في ذلك بسلاسة فيحولها إلى مجسمات ممتعة تحمل رؤاه التشكيلية، وحتى يخلد إبداعاته، ارتأى الاشتغال على الصخر ناحتا ناقشا مستعملا ما يقتضي جهدا ووقتا ليس بالقليل.
عاشقا ولج عالم الإبداع، يرى فيه مجالا للتعبير عن خلجاته، عن أحلامه، وعما يستلهمه من خامات يقولبها وفق حسه الإبداعي الموصول بذاكرته البصرية، وبمخيلته المفعمة بكل ما رآه ويراه جميلا وجديرا بأن يظهر في أعماله المتنوعة.
دفعت به موهبته وحبه للتشكيل بصفة عامة والنحت خاصة لينخرط كغيره من القلة الذين نحتوا على الصخر تحفا فنية تشهد برفعة أذواقهم، وبصبرهم الفريد في التصارع مع الخامات قصد تحويلها من الجمود إلى الحركة، ومن الموت إلى الحياة. هكذا الفن التشكيلي بكل أنواعه وأصنافه، يشكل من الأشياء الميتة الصماء البكماء ما يمتعك، وما يحملك لتقدر الفن والفنان. يبدأ عمله، يواجه الكتلة، يرى فيها ما لا نراه، يتنبأ بصورتها الثاوية في صلبها، يتقرب إليها، ينشئ علاقة حميمية معها، وشيئا فشيئا يطل علينا بالسر الجمالي الكامن والممكن في جسمها.
في الطرقات، في الحدائق، في الصحراء في كل مكان، يلفته الحجر كما البشر.. في الحجر مفاجآت، في الحجر أشكال مغرية بجمال كامن ينتظر العارفين به. هكذا يجذبه الحجر، ينتظره كي يحول شيخوخته إلى ولادة جديدة تأسر عشاق البهاء، وما الإبداع سوى تحويل المهمش إلى المركزي، وتحويل الصامت إلى موسيقى، وتحويل المتروك المنسي إلى مقتدر محبوب يحتفى به. من أجل هذا الإخراج، يتحدى النحات قسوة الجلاميد، يتحدى منعرجات الكتل وسمكها، يتحدى بحب الواثق من الخواتم السعيدة، فينسى المصاعب، وينسى المجهود والمتاعب التي تنتظره. فالنحت يتطلب رؤية، يتطلب وسائل خاصة، يتطلب قوة بدنية، ووقتا ليس بالقصير.
اختار عصام جميل الصعب في التشكيل، حيث مواجهة الحجر من أجل شكل مختلف سيمتلك كينونة خاصة بعد أن يلمسه إزميل ومنقاش النحات الخبير بأدواته وأساليب ترويض هذا الحجر. هذا الأخير الساكن ذاكرة النحات، يوقظ فيه سحر الجمال، يشغله ويثير فتنة الصراع معه لينتصر تشكيل الجمال في الأخير.
تتداعى رؤية جميل الإبداعية المرتبطة بمؤثثات ذاكرته البصرية لتنسجم وتتماهى مع أشكال الكتل التي تواجهه ويواجهها في أي مكان لتخرج الكامن المتوارى في مخيلته.
يتخذ عصام جميل من الخامات الصلبة منحوتاته المتميزة، وأغلب أعماله من الصخور بدل الجبس والخشب، مع ما يتطلبه ذلك من رسم الزوايا الضيقة وما إلى ذلك، وقد شاهدته قبل أن أحاوره ـ في الملتقى الدولي لقصبة الفنان هذا العام ـ وهو بصدد انجاز إحدى منحوتاته، فأدركت للتوِّ مدى المجهود الكبير الذي تقتضيه منحوتة واحدة تقويما وصياغة مع الحرص على الجمالية الكافية التي تتطلبها واجهاتها.
على الحجر نفسه ينحت هامتين بهندسة خاصة، ليجسد بهما التوافق والتناقض الذي يعد من سمات الواقع الاجتماعي . تناقضات في الفكرة، تناقضات في الاتجاه، وتناقض في المسار وكل ذلك بالقاعدة ذاتها.
من بين منحوتاته الكثيرة تجد ما يشبه نباتات ينحني جدع بعضها على بعض بشكل هندسي منجز بعناية المبدع الذي لا يحب العشوائية في الشكل أو النقصان في الجمالية.
عصام جميل يحرص في كل منجزه النحتي الإبداعي كل الحرص على الانسجام والتراتبية في النسب صعودا وهبوطا مما يحيل على مجهوده المبذول، وفكرته المتميزة في الابتكارية التي تخرج بها مجسماته المتنوعة موضوعا وتجسيدا وفق نوعية الخامة. إنه يحسن الانتقاء لهذه الأخيرة وفق ما تمليه الفكرة التي يروم تجسيدها.
بتجسيدات بسيطة، واعتمادا على تكرار المفردة بأحجام مختلفة اختلافا تراتبيا وفق جمالية محددة، يضعك أمام منحوتات تختزل أشياء مختزنة في الذاكرة، مثلثات متجاورة تحيل على سفينة في سفر خالد، شكلان منحنيان متعانقان ممتدان يحيلان على قرنين أو غصنين أو آدميين تجمعهما مودة التوافق والتقارب في الفكرة والتوجه.
في منحوتات عصام جميل تجد العناية والاهتمام باقتباس الأفكار من المعمار بتاريخه العريق، يستلهم أفكاره من الأبواب والأبراج والمسامير التزيينية مضيفا إلى ذلك لمساته الفنية الشاعرية التي تجعلك قريبا مستمالا إلى هذه الجمالية الرائقة التي تنبع من التراث حين تجد أنامل تستطيع الفرز بين العناصر كي تنتقي منها الملائم المطواع للأفكار الإبداعية المنبثقة من خبرة وتجربة المبدع.
منجز جميل الفني يدل على غنى ذاكرته البصرية بأفكار الابتكار للمجسدات وفق منظورات متعددة ومتنوعة. ولا يمكن للمبدع أن يبلغ ذلك إلا بإلمامه بفنون التشكيل الأخرى، ففن النحت له علاقة وطيدة بالتخطيطات، والرسم، والخبرة بالأبعاد وهندسة الأشكال.. علاوة على القدرة على رسم الأشياء بنسبها الخاصة، لهذا نلاحظ بساطة في التكوين وعمق في التعبيراعتماد على الإيحاء والتلميح إلى أشياء بجمالية خاصة، وبملامح تستحق المشاهدة والتأمل.

ملامح الذاكرة البصرية في منحوتات السعودي عصام جميل

لحسن ملواني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية