لا تكاد مدونة شعرية قديمة أو حديثة تخلو من التفاتة الشاعر إلى عالمه الشعري، فتتحول الذات الشاعرة وكونها إلى محور للقول الشعري، وينشأ داخل العمل الشعري خطاب يتخذ الشعر والشاعر موضوعا، وهو ما عد خطابا واصفا أو ميتاشعريا وما من شك أن تتبع هذه الظاهرة يحتاج الكثير مساحات، فالمدونة الميتاشعرية مدخل شاسع إلى عوالم الشعر والشعراء ولعلها تحتل مكانها من جديد وبنوع من الكثافة في الأعمال الشعرية التونسية الجديدة، مع أنها ظلت كامنة في مختلف التجارب الشعرية القديمة، ولا يمكن اعتبارها ظاهرة حديثة… ولعل كتاب جميل عمامي «وحيدا في العالم كشجرة» أحد هذه الأعمال التي يغلب عليها المناخ الميتاشعري، وهو ما يمكن أن نقف عليه في العتبات والنصوص الشعرية وما نلتمس منه خطابا ومواقف شعرية خاصة حاول الشاعر تسجيلها في هذا العمل.
الخطاب الواصف في العتبات:
لا يخفى أن العتبات النصية تعتبر مدخلا مهما لدراسة الأعمال الأدبية، وهي مدار جدل وبحث متواصل، وهي عبارة عن نصوص موازية موجزة ومكثفة وضعها الكاتب كي توازي المتون وتقدمها للقارئ فهي تتضمن إشارات عميقة إلى ما يود لفت الانتباه إليه، ولعل عتبات هذا الكتاب تحمل الشحنة الكافية التي توجهنا وتدفعنا نحو تقصي الخطاب الميتاشعري، والاطمئنان إلى احتفاء الشاعر بالشعر بواسطة الشعر، وكثافة الخطاب الواصف، فعتبات هذا الكتاب تلمح إلى انشغال الشاعر بالحديث عن الشعر والشعراء، فالخطاب الواصف يحضر في مختلف عناصرها ونلحظه في العناوين والإهداءات والتصدير والتذييلات، وغيرها مما نعتبره من عتبات هذا الكــتاب، وسنتوقف عند بعض تمظهراته وتحديدا ما ورد في العناوين والإهداءات وتجنيس العمل الأدبي.
العناوين الداخلية
إذا تأملنا العناوين الداخلية نتبين بيسر طائفة مهمة من العناوين الميتالغوية وهي بدورها تنقسم إلى نوعين: نوع أول فيه نزوع إلى تصنيف النص الشعري وتسمية النوع الفني، الذي يود الشاعر إضفاءه عليه فهو أغنية أو يوميات أو سيرة أو مشاهد، وهذه العناوين تحمل في طياتها موقفا نقديا داخليا يحلم الشاعر بإطلاقه على نصه، وهو ما نلمسه في «أغنية لجنوب غربتها» و«من يوميات البيت النابلي المعلق» و«سيرة» و«عدسة» و«شاهد» فهذه العناوين تتميز بتواتر التصنيفات وما تحيل عليه من انفتاح الشعر على الموسيقى والرسم والسرد، وغير ذلك من فنون وأشكال الخطابة… أما النوع الثاني فعناوين يحضر الشعر أو الشاعر في مفرداتها من ذلك «ثلاثة شعراء في الليل/شاعر/شاعران لقصيدة واحدة»، فالشاعر ينتصب بالتأكيد محورا مهما في هذه القصائد التي لا بد لها أن تلامس عالم الشعراء وهواجسهم…
الإهداءات
من المظاهر الأخرى للميتاشعري ما نتبينه من الإهداءات، حيث يحضر الشعراء في الإهداء الرئيسي وفي إهداءات القصائد الداخلية، فالإهداء الرئيسي يكشف نوعا من الالتزام الشعري ومحاولة لمخاطبة شعراء العالم وشعراء جيله ممن يشاركونه الحلم الشعري، وهو ما جعل جانبا منه يأخذ صيغة البيان الشعري ويكشف الانتماء الفني والأدبي للشاعر.
«إلى أمي وآبي وإخوتي إلى زوجتي الرائعة
إلى كل شعراء الأرض
إلى كل شهداء الحرية وكل مناضلي الكلمة
إلى جيلي الشعري من الشعراء الرائعين الذين حلمت معهم بشعرية تونسية أعلى.
كما تتواتر الإهداءات الموجهة داخل العمل إلى بعض الشعراء مثل السيد توي وحسن نجمي وديع سعادة وجعفر العلوي، وهي محاولة للتفاعل والتواصل والانفتاح على هذه التجارب الشعرية… وهي وظيفة المقاطع الشعرية نفسها لرسول حمزاتوف أو يانيس ريتسوس التي صدر بها الشاعر العمل، وهو ما يعني أن الشاعر كثف من الميتاشعري في عتبات عمله ورصف علامات شعرية كثيرة من شأنها أن تدفع بنا نحو تجربته الشعرية.
غير أني أخرت عمدا الحديث عن عتبة التصنيف، حيث نجد تصنيفين مختلفين، الأول على الغلاف وهو «شعر» والثاني على الصفحة الأولى وهو «كتاب شعر» والملاحظ أن منصف الوهايبي صاحب التقديم، انتصر لهذا التصنيف الثاني وألح عليه»… وكتابه هذا وأنا اشدد على هذه التسمية بدل ديوان أو مجموعة…». ولعل هذه النقطة تحيلنا إلى الجدل الدائر حول تصنيف الأعمال الشعرية، وهو جدل مرتبط بأنواع الشعر بين تسمية المكتوب الشعري النثري بقصــيدة أو نص، وبين ديوان أو كتاب ويبدو أن الشاعر يقر في النهاية بالتسمية الجديدة تسمية «كتاب شعري» … لعل عتبات هذا العمل تكشف عن خطاب شعري ينطلق من داخل مناخات قصيدة النثر والتجارب الشعرية الجديدة الحالمة، وهي لبنة أولى في خطاب ميتاشعري ينثره الشاعر في مختلف أرجاء عمله وهو ما سنتبينه بصورة أكثر دقة ووضوح عندما نتوغل داخل النصوص الشعرية.
٭ باحث تونسي
رياض خليف