تاريخيا تعتبر بريطانيا الدولة الاكثر ارتباطا بمنطقة الخليج بما فيها إيران والعراق. وما تزال علاقاتها بهذه المنطقة متينة لاسباب عديدة. وبرغم انسحابها العسكري في 1971 فقد حافظت على التواصل مع دول مجلس التعاون بدون انقطاع.
وعملت انظمة الخليج الملكية خلال نصف القرن الماضي على تمتين الاواصر مع المؤسسة الملكية البريطانية. وبرغم الحضور الأمريكي الفاعل في هذه المنطقة خصوصا بعد حرب الكويت قبل ربع قرن، ما تزال بريطانيا هي القوة الاكثر تاثيرا في سياساتها. في شهر كانون الاول/ديسمبر الماضي، نشرت مجلة «ايكونوميست» مقالا مهما بعنوان «لقد رجعنا» وذلك بعد قرار الحكومة البريطانية بناء قاعدة عسكرية في البحرين. وجاء في المقال تصريح مهم لوزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند، ذو بعد استراتيجي مهم. فقد ذكر ان «الأمريكيين قرروا نقل ثقلهم العسكري إلى جنوب شرق آسيا والمحيط الهادىء، وتركت شؤون منطقة الخليج والشرق الاوسط لبريطانيا وحليفاتها الاوروبيات». ليس معلوما بعد ما إذا كان هذا التحول قد تحقق تماما.
اذ ما تزال أمريكا حاضرة في العراق وسوريا. ولكن في الاسبوع الماضي غادرت حاملة الطائرات الأمريكية (تيودور روزفلت) منطقة الخليج، وهو امر اثار التساؤلات. ولوحظ ايضا ان بريطانيا اصبحت اكثر حضورا في المنطقة. فقد تكثف حضور «الخبراء» البريطانيين في بعض دول مجلس التعاون كالبحرين والامارات، وسعت بريطانيا للحفاظ على دور عسكري في العراق بذريعة التصدي لداعش.
وفي اطار مجلس حقوق الانسان ساعدت بريطانيا النظام السعودي لضمان عضوية المجلس، وواصلت جهودها لمنع صدور قرارات ضد البحرين. وربما الجانب الاكثر اثارة تدخل بريطانيا عمليا في الحرب على اليمن. اكد ذلك وزير الدولة لشؤون الدفاع، ايرل هاو، قبل ثلاثة شهور، في جوابه على سؤال قدمه احد اعضاء مجلس اللوردات حول الدور البريطاني في حرب اليمن. الوزير اكد ان بريطانيا تتعاون مع السعودية في مجالات ثلاثة: امدادها بالصواريخ والقنابل الموجهة، وتزويدها بالمعلومات الاستخباراتية، ودعمها بالخبراء في مراكز القيادة والتحكم في العمليات. كما ان الاهتمام البريطاني بمؤتمر الأمن الاقليمي الذي يعقد سنويا في البحرين اضافة اخرى للبعد البريطاني. وفي مؤتمر العام الماضي خاطب السيد هاموند ممثلي دول الخليج قائلا: «أمنكم هو أمننا».
الى هنا تبدو الامور مفهومة في سياق الاستراتيجية الانكلو ـ أمريكية. غير ان تطورات حدثت في الشهور الاخيرة من شأنها التأثير على سياق هذه الاستراتيجية وفرض تغيير عليها. من هذه التطورات ما يلي:
أولها بروز التململ الأمريكي ازاء تطورات المنطقة وانعكاسات ذلك على امنها ومصالحها في العالم. فما تزال واشنطن مهووسة بالمسألة الامنية برغم الضربة شبه الماحقة لتنظيم «القاعدة» واستبداله بمجموعات مثل داعش والمجموعات الاخرى التي لم تعد تستهدف الغرب او «اسرائيل».
ثانيها: تصاعد النفوذ الصيني الاقتصادي وما يمثله ذلك من اعادة تموضع لقوة ناهضة استطاعت غزو الغرب بمنتجاتها واستثماراتها (مثلا تبلغ الاستثمارات الصينية في بريطانيا 105 مليارات جنيه استرليني. ومن المتوقع زيادة الاستثمارات بعد زيارة الرئيس الصيني بريطانيا هذه الايام). وجاء الموقف الصيني الاخير بالانحياز للمحور الروسي ـ الإيراني في سوريا ليؤكد مخاوف الأمريكيين من تنامي النفوذ الصيني على مصالحها الاقتصادية والسياسية. وتعتبر الصين ان كثافة الوجود الأمريكي بالقرب من حدودها امر مثير للقلق واستفزاز يتطلب منها سياسات ومواقف مختلفة.
ثالثها: الاتفاق النووي بين الدول الكبرى وإيران يعتبر حدثا ذا ابعاد استراتيجية من شأنه خلخلة التوازن القلق في العلاقات والسياسات الدولية والاقليمية. ولذلك كانت ردة فعل بعض دول مجلس التعاون غاضبة، حتى ان السعودية بدأت تنتهج سياسات مختلفة تارة بتوسيع نفوذها الاقليمي وأخرى باتخاذ انماط جديدة من المواقف والسياسات التي تظهر قوتها العسكرية والسياسية. ويعتبر تراجع الخطر الإيراني عامل تأثير قوي دفع الغربيين لاعادة رسم استراتيجياتهم بما يتيح لهم التعامل مع الواقع الجديد بشكل مختلف. ويلاحظ ان الغربيين لم يعودوا متحسسين كثيرا من الدور الإيراني في العراق او سوريا، وان كانوا لا يحبذونه. رابعها: التغيرات الفكرية والنفسية في الدول الاوروبية، وهذا تؤكده مواقف البرلمان الاوروبي وبياناته التي تساهم في توجيه الرأي العام الاوروبي. الملاحظ ان هناك اهتماما اوروبيا بقضايا حقوق الانسان في دول المنطقة، ودعما للتوجهات الديمقراطية، ومحاولات للضغط من اجل تحسين اوضاع حقوق الانسان. مع ذلك تستمر التوجهات الاوروبية التي تفصل بين حقوق الانسان والديمقراطية بما يجعل مواقفها ازاء حقوق الانسان غير ذي شأن.
خامسها: ان بريطانيا، التي هي الاكثر تشبثا بعلاقاتها التاريخية والاقل رغبة في ازعاج اصدقائها، شهدت في الفترة الاخيرة تحولات كبرى في المزاج العام، كان من نتائجه صعود السيد جيرمي كوربين لرئاسة حزب العمال.
وبرغم التنبؤات الخاطئة التي طرحتها شركات الاستطلاع بان نصيبه من النجاح لا يصل إلى واحد بالمائة، فقد فاز بشكل ساحق بدعم 60 في المائة من اعضاء حزبه.
ماذا يعني ذلك كله؟ ان صعود كوربين له تأثير كبير على السياسة البريطانية، خصوصا في بعدها الخارجي. فهو معروف بدعمه لقوى المعارضة في المنطقة بالاضافة لمواقفه الداعمة للفلسطينيين بشكل واضح.
كوربين استهل عهده بمواقف وسياسات تختلف جوهريا عن سياسات ديفيد كاميرون وفريقه، خصوصا تجاه بعض حكومات الخليج. حتى الآن يبدو كوربين ملتزما بسياساته تلك، وكثيرا ما يكررها في خطاباته وتصريحاته. فهو يرفض دعم بعض تلك الحكومات، ويدعو رئيس الوزراء لوقف تصدير السلاح اليها. وقد طالب علنا رئيس الوزراء بالتدخل لدى السعودية لوقف اعدام الشاب علي النمر، الامر الذي فعله كاميرون، في بادرة غير مسبوقة. فقد اعتادت الحكومات البريطانية المتعاقبة على رفض التصريح العلني ازاء اي من دول مجلس التعاون، بما يمكن اعتباره «شجبا» او «استنكارا».
واعتمدت الحكومات البريطانية المتعاقبة مقولة ان التواصل غير المعلن مع تلك الحكومات اكثر فاعلية من التصريحات العلنية. وقد فاجأ رئيس الوزراء الجميع الاسبوع الماضي باعلانه الغاء اتفاقية مع السعودية للتدريب على ادارة السجون. ولم يحدث في العقود الاخيرة صدور اعلان كهذا، لأن البريطانيين يتفادون دائما ازعاج الحكومة السعودية. فقد تدخل توني بلير في 2006 لوقف تحقيق رسمي في «العمولات» التي دفعتها شركة «بريتيش ايروسبيس» لاحد الامراء السعوديين في مقابل تمرير صفقة «اليمامة».
بلغت تلك العمولة، على مدى عشرين عاما، 2.4 مليار دولار (عشرة ملايين شهريا). وتعاونت بريطانيا مع السعودية لدعم ترشحها لرئاسة لجنة مهمة بمجلس حقوق الانسان، الامر الذي اثار قطاعا واسعا من المنظمات الحقوقية.
ربما من الصعب القول بان هناك تحولا جذريا في السياسة البريطانية تجاه السعودية او البحرين. غير ان المعارضة البحرانية تقول ان علاقاتها مع السيد جيرمي كوربين تعود للثمانينات بعد ان فاز للمرة الاولى في الانتخابات البرلمانية. وتواصلت تلك العلاقات، فحضر مؤتمراتها الصحافية بمجلس اللوردات، وتحدث في تظاهراتها وبادر للعديد من البيانات البرلمانية في الاعوام الاخيرة، التي وقعها عشرات البرلمانيين، وطرح الكثير من الاسئلة حول طبيعة علاقات بريطانيا مع حكام البحرين. ومع ان الجناح المحافظ في الحكومة البريطانية يرفض الانجرار لمواقف واضحة ازاء الاوضاع في بعض دول مجلس التعاون، إلا ان التغيرات المذكورة، خصوصا الحرب في اليمن وانتشار داعش، وتصاعد الاعدامات في السعودية، بالاضافة لتصاعد نفوذ المنظمات غير الحكومية المهتمة بتلك القضية، كل ذلك ساهم في اعادة صياغة الذهنية البريطانية ومعها رموز الدولة ورؤساء الاحزاب.
ان من السابق لاوانه الوصول إلى نتيجة تقول ان بريطانيا غيرت سياساتها تجاه دول مجلس التعاون المذكورة. فالانفاق على شركات العلاقات العامة وشركات الضغط والمؤسسات الإعلامية المرموقة، كل ذلك من شأنه التأثير على قيم الحرية وتكافؤ الفرص، والشفافية.
ولذلك ستستمر سياسة الانفاق على تلك الشركات لضمان شيء من النفوذ في الساحة البريطانية. اما الخارجية البريطانية فسوف تجد نفسها مضطرة لصياغة سياساتها ازاء دول مجلس التعاون، لتأخذ في الحسبان التطورات الجديدة سواء في المنطقة في المزاج العام الغربي، خصوصا البريطاني.
٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن
د. سعيد الشهابي