ظواهر اللجوء الانساني والسياسي، وتصاعد الإسلاموفوبيا وتوسع القلق من وصول العنف إلى العالم الغربي، كل ذلك من ظواهر الحقبة الحالية من التاريخ الانساني، ومن معالم مرحلة ما بعد «الربيع العربي». فلو نجحت ثورات تلك الحراكات الشعبية العربية لربما كان للتاريخ مسار بمنحى آخر، ولما تحول الشرق الاوسط إلى ما وصل اليه الآن من اضطراب لا ينتهي وصراعات في ما بين مكوناته وبين بعضها والعالم.
وهنا يمكن ملاحظة ان نصف قرن تقريبا تفصل بين انطلاق ظاهرة الصحوة الإسلامية وبداية افولها. فاذا كانت مرحلة ما بعد حرب 67 قد آذنت بفجر تلك الصحوة، بعد ان ربطت تلك الهزيمة بالتوجهات اليسارية والليبرالية واعتبرت احدى نتائج الابتعاد عن الدين الذي يمثل هوية الامة، يمكن اعتبار المرحلة الحالية عكسا لذلك المنحى من النقاش الفكري وما سيتبعه من تطورات ايديولوجية. فصعود ظاهرة التطرف والإرهاب المرتبطة باسم الدين بداية تداعي «المشروع الإسلامي»، وما يترتب عليه من عزوف الباحثين عن الحقيقة عن اعتناق دين الله. وقد شهدت العقود الخمسة الاخيرة اقبالا على الإسلام من قبل اتباعه التقليديين والباحثين عن الحقيقة من الغربيين الذين يشعرون بالفراغ الروحي والفكري بعد ان فشلت الليبرالية في ملء الفراغ الداخلي لديهم. جيل الصحوة من العلماء انقرض تدريجيا، ولم يبق منه إلا العدد القليل، فقد رحل قادة الحركات الإسلامية «المعتدلة» ومنظروها، وآخرهم الدكتور حسن الترابي.
اما النخبة «الإسلامية» التي ترعرعت على فكر اولئك المنظرين فقد لحقت بالعوام وانجرفت باتجاه النهاية المرسومة لها من قبل اعداء المشروع الإسلامي. لقد تم استدراجهم على مستويين: الايديولوجي بحيث انقادوا لدعاة التشطير والفتنة بدلا من ان يتصدوا لهم ويتشبثوا بمشروع الصحوة الإسلامية التي اتسمت بالاعتدال والعقل والمنطق والحوار والوحدة. كما استدرجوا نحو المال النفطي وما وفره من مؤسسات تارة بعنوان الإعلام واخرى البحث وثالثة الدعوة. وجميعها مؤدلج وموجه لضرب مشروع «الإسلام السياسي» الذي كانوا جزاء منه وترعرعوا في احضان منظريه، وساهموا في التقعيد له حقبة من حياتهم.
وهنا يمكن الاشارة إلى ظاهرتين تبدوان مرتبطتين عضويا، ولكنهما منفصلتان تماما. الاولى ظاهرة الثورات السلمية الهادفة للتغيير الايجابي ضمن المسار الانساني نحو التكامل، وهي ظاهرة فتحت آفاق الفكر والبحث العلمي والسجال الهادئ والسعي للتقارب مع الآخرين من اصحاب الديانات والافكار الاخرى. تميزت الحقبة التي تتجه نحو التصرم، بالعطاء الفكري المتواصل الذي قفز بالفكر الإسلامي من وضعه التقليدي الجامد إلى الحالة الحركية التي تتفاعل مع التطورات وتطرح الإسلام مشروعا متكاملا لاقامة الدولة المدنية الحديثة المحكمة بالقانون والباحثة في فضاءات العلم والمؤسسة على الابعاد الانسانية من الإسلام. فالجميع متساوون امام القانون، وحق الاختلاف الفكري او الديني او الانتماء السياسي مكفول، وحكم القانون هو السائد.
هذه هي الآمال التي طالما اختلجت في نفوس جيل الصحوة منذ مطلع السبعينات. وكانت لتلك الحقبة نتائج ملموسة عديدة: اولها تعميق روح الحرية في نفوس الكثيرين، ودفعهم لتحدي الاستبداد والتخلف وترويج قيم وحدة الامة واصالتها وقدرتها على اقامة المجتمع العادل المحكوم بقيم السماء.
ثانيها: التأصيل لمشروع التحرير ورفض الاحتلال، وكان من نتائج التحول الفكري والنفسي في هذا المجال قدرة فصائل المقاومة في لبنان وفلسطين على التصدي للعدوان الاسرائيلي مرارا، وتحقيق الانتصارات التي عجزت عن تحقيقها جيوش الدول العربية مجتمعة، نظرا لافتقارها للايديولوجيا والدفع الذاتي للدفاع عن الامة وسيادتها واراضيها ومقدساتها.
ثالثها: تعمق افكار الوحدة بين مكونات الامة وفصائلها المذهبية، فكان الإعلام «الإسلامي» منبرا لبث الافكار الايجابية وخلق التواصل بين مكونات الامة وترويج القيم الرفيعة ومنها الحرية واحترام الانسان وحقوقه واستقلال قرار الأمة والتوجه نحو العلم والتكنولوجيا، والاعتماد على مبدأ الشورى وولاية الأمة ومحاربة الفساد. لقد بحث غير المسلمين كثيرا عن هذا الدين خلال هذه العقود وانتشر الإسلام إلى البلدان النائية، وكتبت الكتب من قبل المفكرين الإسلاميين وكذلك الغربيين للبحث في الإسلام ونظامه العقيدي والسياسي. وقد ساهم انتصار الثورة الإسلامية في إيران، بنمطها السلمي، في دفع الكثيرين للبحث والكتابة حول الإسلام، برغم الدعاية المضادة لها باعتبارها التجسيد العملي لظاهرتي الصحوة والمشروع الإسلاميين.
والثانية: ظاهرة العنف المنظم باسم الدين، التي ارتبطت بالاقصاء والتكفير والانطلاق على اسس مقولة ان الدين انما انتشر بحد السيف.
هذه الظاهرة ستؤدي إلى نتائج متناقضة تماما مع الاولى. فهي تعبير عن العودة إلى ما قبل مرحلة الصحوة: جمود على النص، اسقاط الماضي السحيق بخصوصياته على الواقع الجديد بدون مراعاة للتغيرات، تجميد العقل وابعاده عن السجال الحضاري او الديني او الفقهي، تشيد جدران المفاصلة مع المختلفين فكرا ودينا ومذهبا وموقفا، استخدام العنف كخيار اول عند الاختلاف والخلاف، الاقصاء الذي يؤدي للتمزيق والفرقة وفق اسس التمايز العرقي او الديني او المذهبي او السياسي، تسطيح الفكر الإسلامي بشكل يتناقض مع ظاهرة تعميقه في حقبة الصحوة. فكان من نتائج هذا التوجه ما يلي:
اولا: انهاء حقبة الصحوة الإسلامية بخصوصياتها المذكورة، تمزيق الامة وكسر وحدتها، اشاعة روح الانتقام والفوضى في المجتمعات بدلا من اقامة حكم القانون، تخويف الآخرين من الإسلام لأن هذه الظاهرة ارتبطت باسمه، فاصبح دين الله مقترنا بالذبح والتصفيات الجماعية والصلب وقمع الحريات العامة خصوصا الخاصة بالمرأة، توفير دعاية مضادة ضد مشروع التغيير الذي رفعته الجماهير العربية في حقبة الربيع العربي، لأن انظمة الاستبداد تقاربت من اجل حماية نفسها، واصبح مشروع التغيير والتحول الديمقراطي مستحيلا على التحقق في هذه الظروف. كما أن الاقبال على الدين يشهد تراجعا على صعيدين: ففي العالم الإسلامي برزت ظاهرة الالحاد بوتيرة تشبه ظاهرة الاقبال على الدين عند انطلاق الصحوة الإسلامية، وتضاءل الالتزام الديني، وتحولت المظاهر الدينية في اغلبها إلى طقوس فارغة من المحتوى الروحي والاخلاقي، واصبح عامة الناس اكثر اهتماما بجوانبهم المعيشي وامنهم في ظل انتشار العنف الاعمى الذي لا يميز بين الناس.
جاء انتشار ظاهرة العنف هذه المرة شاملا، فقد تجاوز خطوط الدين والانتماء والجغرافيا، فاذا به يمتد من اقصى شرق العالم إلى اقصى غربه. واذا ببلد كالبرازيل التي تستعد للدورة المقبلة من اولمبياد العالم هذا العام، تعيش قلقا امنيا كبيرا من احتمال استهدافها باعمال عنف خصوصا خلال الالعاب.
لماذا؟ وما الهدف النبيل من استهداف الدورة الرياضية والمشاركين فيها؟ لماذا تستهدف بلدان المسلمين بينما يستثنى الاحتلال والاستبداد من هذه الاعمال؟ وهل من الممكن اقامة منظومة سياسية مؤسسة على مبادىء مرعبة كالقتل ومصادرة الحريات واشاعة اجواء القتل والموت والفوضى؟
لا شك ان ذلك يمثل ازمة اخلاقية عميقة تضرب القيم الانسانية والإسلامية لأنها مؤسسة على القتل وسفك الدماء بدون حق، الامر الذي يمقته الله ويمنعه القرآن الكريم. فمن يدفع ضريبة هذا التطرف والإرهاب؟
لا شك ان المتضرر الاول هو الانسان وكرامته التي اكدها القرآن الكريم «ولقد كرمنا بني آدم». اما ثاني المتضررين فهو الإسلام الذي ارتبط بشخص رسول الله عليه افضل الصلاة والسلام الذي حدد القرآن طبيعة رسالته السمحاء: «وما ارسلناك إلا رحمة للعالمين».
ويمكن القول ان اللاجئين واغلبهم من المسلمين، هم المتضرر الثالث من هذه التوجهات. فهم اولا اجبروا على مغادرة بلدانهم هربا بحياتهم من فتك الانتحاريين، وفقدوا بذلك معنى الامن والاستقرار والممتلكات، وثانيا ان البلدان التي يتوجهون اليها خصوصا في اوروبا اضطرت في احيان كثيرة لغلق باب الهجرة ورفضت استقبال اولئك اللاجئين الذين يزحفون بآلافهم من العنف المنظم خصوصا في الشرق الاوسط وشمال افريقيا. ويتزامن مع ذلك تنامي صعود اليمين المتطرف الذي يقتات على الدعاية الموجهة للاجئين المسلمين، الامر الذي يهدد امن العالم من جهة وقيم التعايش والتفاهم والحوار على كافة الصعدان من جهة اخرى. فما هذا «العطاء» الذي تقدمه قوى التطرف والإرهاب لامتي العرب والمسلمين؟
ومن الذي يقف وراء هذا المشروع المرعب الذي أقض مضاجع الآمنين وشوه صورة الإسلام والمسلمين واصبح وبالا على الجميع؟ من المسؤول عن حرمان اللاجئين المسلمين من حقهم في اللجوء؟ من المسؤول عن فقدان الامر والاستقرار في بلدان المسلمين كذلك؟
انها مسؤولية كبيرة يجدر بذوي العلم النهوض باعبائها الدينية والمفكرية، وعدم التخلي عن مسؤولية اعادة المسار الإسلامي الصحيح الذي رسمه القرآن الكريم وجسده الرسول الكريم بسيرته الكريمة.
فالبديل عن ذلك السماح للتطرف والإرهاب بديلا عن الإسلام المعتدل وما ينطوي عليه من مشروع سياسي ـ ثقافي بديل يحترم الانسان ويقدم له بديلا أروع ليسعد في دنياه وآخرته.
٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن
د. سعيد الشهابي