باريس ـ «القدس العربي»: في ظل إحياءِ الذكرى الثامنة والستين لنكبة فلسطين عام 1948، صدر في باريس في العاشر من أيار/مايو 2016 الجزء الثاني من دراسة نقدية في اللغة الفرنسية لرابعة حَمو بعنوان «ملحمة المهزومين: محمود درويش مقابل هوميروس» عن دار النشر ليه فوايليه دو مي. الكتاب من الحجم المتوسط ويحتوي على 190 صفحة. وكان قد صدر الجزء الأول لحمّو عام 2014 بعنوان «المشهد الأندلسي للشاعر محمود درويش».
وتأتي هذه الدراسة في الوقت الذي يستعد فيه الشعب الفلسطيني ليحـيي ذكرى النكبة التي أتت على كلّ أرض فلسطين وتشرد على إثرها أكثر من مليون لاجئ فلسطيني في عدة دول عربية وأجنبية. انقسمت هذه الدراسة إلى فصلين رئيسين. الأول حمل عُنوان «الهوية كوسيلة للتعبير عن الهوية الوطنية». والثاني حمل عنوان «مميزات الهوية الفلسطينية عبر العصور».
وما يلفتُ النظر في هذا الكتاب هو الفكرة الجديدة التي طرحتها هذه الدراسة، حيث اعتمدت على مُواجهة ملحمية بين شاعر فلسطين محمّود درويش وهوميروس شاعر اليونان الأكبر. وجعلت من الشعر الملحمي الأرض التي يقف عليها كلا الشاعرين. درويش يكتب ملحمةَ شعبه الذي أاحتلت أرضه وطُرد منها عام 48. وهوميروس يكتب ملحمة الإلياذة التي انتصر فيها الإغريق على الطرواديين. شاعر فلسطين يُعلي صوت المهزومين الخافت وهوميروس يكتب صوت المنتصرين وصخبهم.
وقد حاولت حمو توضيحَ سبب اختيار محمّود درويش لفن الملحمة كتعبير عن الهوية الوطنية، خاصة في فترة دواوينه الصادرة منذ عام 1986 حتى عام 1991: «هي أغنية، ورد أقل، أرى ما أريد، وأحد عشر كوكباً»، حيث اعتبرت هذه الدراسة أنّ هذه الدواوين تحملُ نفساً ملحمياً سعى محمّود درويش إلى تحقيقه، حيث ينفتح الشعر على أفق التاريخ. يكون الأول رافداً للثاني والثاني داعماً للأول، لأنّ هذه السنوات حملت تغيرات كبيرة عاصفة في الوطن العربي، فقد خرجت المقاومة الفلسطينية من بيروت وتوزعت منظمة التحرير الفلسطينية في البلاد العربية، ثم شهدت بداية حرب العراق 1990 وبداية مؤتمر السلام بين الدول العربية وإسرائيل عام 1991. وتعتبر هذه الأحداث الخلفية التراجيدية للملحمة التي أراد أن يكتبها محمّود درويش في ملحمته الشعرية. وهكذا أصبحت الملحمة وسيلة للتعبير عن التغيرات الكبيرة عند الفلسطينيين في الماضي والحاضر والمستقبل. فمن خلالها سيطرح أسئلة سياسية معاصرة تغوص في التاريخ الماضي والحاضر والمستقبل.
وقد حددت رابعة حمّو ثلاثة أسباب دعت الشاعر محمود درويش لاتخاذ هذا المنحى الفني من الشعر. أولها وهو افتتان شاعر فلسطين بقدر المهزومين، فقد أراد من خلال قصائده أن يشهد على الهزيمة، خصوصاً في فترة الطوفان العظيم عام 1948 اليوم الذي اختفت فلسطين وامتصتها الدولة الجديدة إسرائيل. فباستخدام الشعر والصور الشعرية يستطيع أن يكتب ملحمة وطنية للشعب الفلسطيني تنقش مأساة وطنه في أرشيف التاريخ وتترك بصمة شعرية تكون بجمال وأناقة الإلياذة والأوديسة.
ثانيها وهو إرادة محمود درويش أن يجمعَ المنتصرين والمنهزمين على أرض قصائده حتى لا يُسجل في تاريخ الجمعي لفلسطين وذاكرتها فقط صوت المنتصرين، وتتبخر أصوات المهزومين ودموعهم في الهواء، ولذلك فإنه حاول أن يعيد التوازن في أرض قصيدته بعد أن تعذر في أرض الواقع، عن جمع الأخوة الأعداء، وهو بذلك يحمي قوة الضعيف ضد قوة القوي.
ثالثها وهو أن محمود درويش سُمـِيَ من قبل كثير من النقاد خلال حياته بشاعر فلسطين، لكن كانت لديه رغبة كبيرة بأن يكون ابنا من ابناء مدينة الملك بريام ملك طروادة، ولذلك كان يحب أن يُسمى شاعر طروادي وليس شاعر طروادة، كما قال له صديقه الشاعر اليوناني ريستوس في بيت الشعر اليوناني: أنت يا درويش ابن بريام، أنت شاعر طروادي. وهذه الرغبة سكنت محمود درويش لمواجهة أبو الشعر هوميروس في كتابه «الوجه الآخر للالياذة» ملحمة تجسد مأساة الفلسطينيين لأنه اعتقد دوما أن عدم وجود شعر عند أي شعب هو سبب كاف لهزيمته.
كما تطرقت حمو في دراستها إلى الخصائص التي استدعتها لاعتبار الدواوين الأربعة السابقة دواوين شعر ملحمية، حيث عزت ذلك إلى أن فن الملحمة له خصائص تميزه عن باقي فنون الأدب الأخرى، وأولها التاريخ. فقد عاد درويش في هذه الدواوين إلى أحداث التاريخ في الماضي للبحث عن مفتاح للحاضر والتنبؤ بالمستقبل. الميـزة الثانية هي الحرب وهي تعتبر المصدر الأساسي للشعر الملحمي، حيث قامت أغلب الملاحم على مواجهات حربية، أو على التحدث عن أبطال حربيين. وقد اتبع درويش هذا الأسلوب لفن الملحمة بكل ديكوراته وقسم أرض الحرب إلى قسمين. الأول معسكر الأقوياء والثاني معسكر الضعفاء. ولذلك تنوعت المعارك وأسلحتها وأبطالها في كل العصور، كما لو أننا في المتحف الحربي، فمن خوذات من البرونز من العصر البرونزي إلى الخيول في العصور الوسطى مرورا بالبنادق والدبابات وحاملات الطائرات في عصرنا الحالي. أما الميزة الثالثة فهي النبوءة والتاريخ في المستقبل، حيث تطرقت الدراسة إلى صورة النبي الشاعر ويظهر محمود درويش كنبي لوطنه حامل هويته ومتحدثاً باسمه في انتصاراته كما في هزائمه. وقد اعتبر نفسه النبي يوسف، وما تثير قصة النبي يوسف من قضية الرؤية والتنبؤ في المستقبل وكشفه، حيث لعبت قضية الرؤية دوراً مهماً في ديواني «أرى ما أريد» و»أحد عشر كوكبا». وتثير هذه الرؤية هي التبصر نحو المستقبل. وقد رأى درويش مستقبلاً مظلماً أمام شعبه يُشبه إلى حدٍ بعيد سلوك الأمم الغاربة في التاريخ كالعرب المسلمين في إسبانيا الذين سقطت حضارتهم وأصبحت في طي النسيان، والهنود الحمر في الأمريكتين الذين اختفوا من أرضهم ومن بقي منهم يعيش في محميات طبيعية. وقد وظف درويش كل هذه المآسي كخلفية شعرية لفلسطين بعد مؤتمر السلام عام 1991، وما ستؤول إليه فلسطين بعد أوسلو ومدريد عام 1991، وكيف سيؤدي بهم هذا السلام إلى النهاية وانتهاء وجودهم على أرضهم وعيشهم في مخيمات أو محميات طبيعية تحيط بها المستوطنات من كل مكان ويفصل أبناء الارض الواحدة بجدار فصل عنصري.