ملف اللاجئين المنفذ الروسي لتعويم النظام في دمشق

حجم الخط
0

يتقدم النظام على كافة الصعد في الحرب السورية المهولة، والتي دخلت عامها الثامن بعد العديد من التغييرات الدولية الجديدة التي صبت في صالحه، وإن لم يعد النظام بذات القوة المركزية العتيدة التي كان يتبجح بها قبل بدء الحرب.
عوامل خارجية وداخلية سيطرت على المشهد منذ ظهور ملامح انهيار النظام في الحرب على الأرض حينها رغم الدعم الإيراني له، ورغم دخول حزب الله والجماعات الشيعية المتعددة الجنسيات الحرب لصالحه. هذه العوامل المتعددة التي رافق حدوثها الكثير من الويلات للشعب السوري كانت في مجملها، عوامل مساعدة خارجية وان كانت جل مفاعليها على الأرض السورية، وكانت أكثر تلك العوامل إفادة هي الدخول المباشر العسكري والسياسي الروسي للحرب لصالحه، وانتشار المنظمات الإرهابية في المنطقة، وصعود التيارات المتطرفة ضمن صفوف المعارضة، والابتعاد الأمريكي عن المعارضة لذلك السبب وغيره من الأسباب، وظهور ملامح الإنهاك للأطراف جميعاً لمتغيرات دولية متعددة، وظهور تفضيل من الجهات الإقليمية للمصالح الداخلية لبلدانهم على مصالح الجهات المعارضة التي تدعمها في سوريا. بالإضافة إلى عامل يعد من أهم العوامل التي ساهمت في ميل الميزان، ولو مؤقتاً لصالح النظام، ومن ورائه موسكو، ولو كان هذا الميل إقليمياً منه أكثر منه دولياً، وهو ملف اللاجئين السوريين في دول الجوار والخارج، وملف النازحين السوريين في الداخل. هذا الملف الصاخب هو الذي سمح للنظام بقضم المزيد من الأراضي المتمردة عليه. تقدم فاقع في الوسط، وسيطرة واسعة في الجنوب، وسيطرة مشروطة في الجنوب الغربي، وسيطرة جزئية في الشرق، وسيطرة محدودة جداً حتى اللحظة في كل الشمال. هذه المستجدات المهمة سياسياً، وعسكرياً، واقتصادياً، خاصةً إن الحدود التي باتت تحت يدي نظام دمشق تمتد من شمال حلب دون الوصول إلى الحدود مع تركيا إلى الساحل السوري مروراً بكامل الحدود اللبنانية، وكامل الحدود الإسرائيلية مع وجود روسي للمراقبة، وكامل الجنوب السوري مع الأردن، والجزء المتوسط من الحدود العراقية، ونسبة لا بأس بها مع الحدود التركية ان اعتبرنا ان وجوده الرمزي في القامشلي حيث يديرها الأكراد وحلفائهم العرب هو جزء من التمثيل الشبه رسمي الشكلي هناك رغم أن المعبر الوحيد في المدينة مع تركيا وهو معبر نصيبين مغلق منذ سنوات لحساسيات الأتراك من الإدارات الكردية هناك.

المستجدات العامة

في المشهد السوري الحالي أصبحت القوى المتصارعة والمتنافسة على السيطرة أكثر وضوحاً، وأكثر مرسومة الحدود على اعتبار أن الداعمين لهذه الجهات هم أيضاً باتوا شبه مقتنعين بالوقائع الحالية، وبقوة القرار الروسي في تحديد مصير الملف السوري. ومع ان المناطق الوحيدة الباقية خارجة عن سيطرة النظام والتي تشمل بقعة في الشرق في التنف، وكامل شرق الفرات، ومنطقتي درع الفرات وعفرين، بالإضافة لمحافظة إدلب هي مناطق غير مستقرة المصير قانونياً على اعتبار أن الحديث المستمر عن صفقة بين موسكو وواشنطن في وجه إيران تتضمن إنهاء مصير الوجود الأمريكي في التنف ما زال مصدرا للأخبار بين الفينة والأخرى، وعلى اعتبار أن حديث ترامب المتغير عن انسحاب أمريكي قادم من شرق الفرات هو مصدر قلق لحلفائه من قوات سورية الديمقراطية هناك، ما يفتح الحديث من جديد عن بداية مفاوضات شاقة لتلك الجهة مع النظام في دمشق لتحديد مصير تلك المنطقة لصالح عودة رمزية للنظام هناك. في حين أن الحديث عن مصير منطقتي درع الفرات وعفرين لا يتعدى تخمينات غير واقعية على اعتبار أن المنطقتين ظهرتا نتيجة لصفقتين روسية تركية، وفيما يبدو أن الصفقتين لن تنتهيا إلا بقرار روسي حصري، ولا قدرة للنظام في التدخل بها. المنطقة الأخيرة التي تتوجه الأنظار إليها حالياً أي محافظة إدلب التي يتعايش فيها تنظيم القاعدة بتسميته المحدثة «هيئة تحرير الشام «مع التشكيلات المتعددة للمعارضة العسكرية الإسلاموية في مجملها، والمدعومة بالنقاط العسكرية الأثني عشر للجيش التركي هناك، تظهر المخاوف المشروعة حول مستقبلها لدى كل الأطراف المؤثرة في الملف السوري عالمياً.
إدلب المكتظة بالنازحين والمهجرين مثار جدل واسع من تداعيات مخيفة في حال بدأ النظام والروس أي عمليات عسكرية هناك. وبينما تتحدث الأمم المتحدة عن احتمالية نزوح أكثر من مليوني شخص باتجاه تركيا في حال بدأت الحرب هناك، تأتي الأخبار عن احتمال عقد صفقة بين روسيا وتركيا بعد أن أصبحت الأخيرة أقرب للروس منها للأمريكيين لقضايا متعددة تحد بموجبها من نفوذ الجماعات المتطرفة في المحافظة، وتوقف دخول قوات النظام إلى تلك المناطق حتى يتم وضع تسوية حل شامل للمحافظة، وهو ما يشكك فيه الكثيرون على اعتبار أن تركيا لا تملك تلك القوة لوقف جبهة النصرة وحلفائها المتمرسين في القتال في تلك المحافظة المهمة التضاريس، ولكون تركيا البعيدة عن الغرب حالياً لا تملك الكثير من الخيارات في وجه الرغبات الروسية، وهو ما يعيد مجدداً ملف التدخل العسكري للنظام هناك، ويفتح مخاوف الغربيين والدول الإقليمية من تجدد قضية اللاجئين السوريين لصالح حلها داخل سوريا، ولو كان ذلك الحل يعزز من قوة ونفوذ النظام الذي يكرهونه، ويضعف من وجود ما تبقى من المعارضة وغيرها من الجهات التي تناهض الأسد ودون اكتراث حقيقي بمصير اللاجئ نفسه.

الجنوب للنظام

في الفترة الوجيزة الماضية حقق النظام انتصارات سهلة في الجنوب والجنوب الغربي من البلاد، ووسع من مساحة سيطرته على المناطق المتمردة عليه، ورفع، وحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان مساحة سيطرته بعد عودته لكامل محافظة القنيطرة المحاذية لإسرائيل ودرعا المجاورة للأردن من خمسين في المئة إلى ستين في المئة من مساحة البلاد، وبتكلفة بشرية وعسكرية قليلة. كانت المعارضة تمني النفس بالحماية الطويلة لمنطقة وجودها في درعا بعد اتفاق لتشكيل منطقة خفض التصعيد هناك حيث اتفقت روسيا مع الولايات المتحدة والأردن في تموز/يوليو عام 2017 على وقف إطلاق النار هناك. لكن الضجيج في الأردن نتيجة الوضع الاقتصادي المنهك، والذي يحاول الكثير من الساسة تحميل اللاجئين السوريين المسؤولية الرئيسية عنه، وعدمية الجماعات المعارضة في الجنوب السوري لصالح عدم قدرتهم على إحداث التغيير الكبير ضد النظام، ولظهور ملف «داعش» في محيط نهر اليرموك، ولرغبة الإسرائيليين في رسم خط استقرار برعاية روسية على حدودها في الجولان وطرد إيران عن حدودها، ولتحويل الدول الخليجية اهتمامها إلى اليمن في صراعهم مع إيران، ولرغبة واشنطن في فك ارتباطها مع المعارضة السورية وتركيزها على الشمال الشرقي السوري فقط، بالإضافة لرغبتها مع إسرائيل في تسليم ملف سوريا لروسيا لتحجيم إيران، كل هذه العوامل السابقة سهلت وصول النظام للحدود الأردنية الإسرائيلية. الضغط على النظام الملكي في عمان من الداخل ورغبته في إنعاش اقتصاده من خلال الفتح الرسمي لمعبر نصيب المهم اقتصادياً سهل للنظام فتح قنوات من خلال موسكو لمنع الأردن من دعم المعارضة، ولفك ارتباطه باتفاق خفض التصعيد معه. المعارضة التي تلقت رسالة سلبية من الضامن الأمريكي استسلمت للوقائع، وسهلت وصول النظام من خلال اتفاقات تسليم منفصلة، ومن خلال الخروج للشمال السوري للرافضين منهم للبقاء تحت حكم نظام دمشق. وبعد عودة النظام لتلك المناطق تحدثت الأخبار عن عودة عشرات الآلاف من النازحين الحديثي الوصول للحدود مع إسرائيل والأردن. وبدأ يسطع الحديث من موسكو وعمان عن ضرورة تأمين تسهيل عودة اللاجئين السوريين الموجودين في الأردن للبلد، مقابل تطبيع الأردن المتحفظ حتى اللحظة على الصعيد الرسمي والمتقبل لفتح ملف عودة اللاجئين للبلاد للعلاقات الرسمية مع النظام حسب خطة الروس.

موسكو تستفيد

المخاوف والحساسية اللبنانية من اللاجئين، وزيادة العدائية الشعبية لوجودهم هناك، وتعب الغرب من التهديدات التركية لهم بفتح الحدود للاجئين السوريين لاجيتاحها، والإنهاك الاقتصادي للأردن، وانتشار حركات اليمين المتطرف في العالم الغربي، وخاصةً مع وصول اليمين السياسي للسلطة في دول مثل إيطاليا، والنمسا، ومعظم وسط أوروبا، وتوسعه في فرنسا وألمانيا، يفتح شهية الفاعل الروسي في سوريا لفتح ملف إعادة إعمار البلاد مع كل هؤلاء في مقابل تسهيل عودة اللاجئين، ولتخفيف مخاوف هؤلاء من ظهور سيول جديدة من اللاجئين السوريين والهاربين من الأوضاع السيئة في بلدهم الأصلي حسب الروس. وظل الغرب يمانع فتح ملف إعادة الإعمار لوجود الأسد على رأس السلطة حتى اللحظة رغم المطالبات الروسية المستمرة والساعية لإعادة تعويم النظام دون تسوية سياسية شاملة. ولكن، مع المستجدات، وصعود موجة العداء للاجئين في الدول الإقليمية المحيطة بسوريا، والغربية التي تعاني من مشاكل في الهوية، بدأت بعض الأصوات تظهر تقبلها للوقائع، وتفضل ترك مصير الحل السياسي بيد روسيا حتى أن بعض الأحزاب السياسية اليمينية تدعو لتطبيع العلاقات مع النظام السوري تحت يافطة محاربة الإرهاب وغلق ملف اللاجئين نهائياً. لبنان الذي يحاذي سوريا ويعاني من استقطابات سياسية عميقة حاول منذ اللحظة الأولى دفع اللاجئين للعودة رغم التحذيرات الأممية لمخاطر العودة تلك دون تسوية قانونية وسياسية لأوضاعهم، في حين ان تركيا التي قامت بالفعل بإعادة البعض القريب منها إلى منطقة درع الفرات تعمل حالياً على توطين غيرهم في عفرين بغية الوصول إلى تغيير التركيبة الديموغرافية للسكان هناك أي عودة بغية الاستثمار والنفوذ ليس إلا.
فيما يبدو ان ملف اللاجئين السوريين في الوقت الحالي والقريب سيكون هو المنفذ الذي ستسعى روسيا من خلاله الوصول إلى تعويم النظام من جديد، وهو الطريق الوحيد المتوفر حالياً الذي سيحاول من خلاله النظام وحليفه الروسي دفع الغرب الغاضب من روسيا بالمجمل لفتح ملف إعادة الإعمار، والعمل على تنشيط وضعه الاقتصادي، وهو مع كل تلك التفاصيل ينسى فيما يبدو وضع اللاجئين الصعب في مكان تواجدهم في دول الجوار السوري. وينسى أيضاً، حقيقة ان هؤلاء يستحقون بعد كل هذه السنوات الصعبة التي عاشوها تأمينا قانونيا وسياسيا لهم عند العودة، خاصةً، ان البازار السياسي على قضيتهم فيما يبدو تقبل كل شيء سوى النظر إلى احتياجاتهم المشروعة.

11HAD

ملف اللاجئين المنفذ الروسي لتعويم النظام في دمشق

براء صبري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية