الصور الرائعة التي تنشر على الإنترنت لحركة الحجاج إلى مكة لأداء فريضة الحج تخلق إحساسا جماعيا عظيما لروح الشراكة والتكافل الإسلامي. هذه صور نحو 2.5 مليون حاج يلبسون الأبيض، وهم يحيطون بالكعبة والحجر الأسود المغطاة بغطاء مميز يتم تغييره كل سنة. وترافق أفلام الفيديو السير الطويل إلى الأماكن العتيقة حيث يرجم إبليس بالحصى، وإلى بئر الماء المقدسة وإلى تلتي الصفا والمروة اللتين ركضت هاجر زوجة إبراهيم بينهما بحثا عن الماء لابنها إسماعيل.
قوافل السائرين على الأقدام نحو هذه المواقع إلى جانب صور آلاف الباصات المرتبة على نحو مثالي في الساحات، وآلاف أفراد الشرطة الذين يوجهون حركة السير، وصفوف الخيام البيضاء التي أقامتها الحكومة السعودية كي تستضيف فيها الحجاج إلى المواقع البعيدة عن مدينة مكة ـ تعرض مشهدا مميزا لعبادة تمثل تصميم المؤمنين المسلمين على الشعور بالانتماء إلى الأمة الإسلامية العظمى، التي تعد أكثر من 1.6 مليار نسمة.
يجري الحديث عن فريضة تكلف عبئا ماليا هائلا على المؤمنين، لدرجة أن الدين يعفي منها من لا يستطيع القيام بها لأسباب اقتصادية. واستثمرت المملكة السعودية على مدى السنين مليارات الدولارات كي تطور وتسهل شروط السفر المتعب هذا. فقد بنت خطوط قطارات من مكة إلى المدينة، وأقامت فنادق يصل عددها إلى نحو 1.200 في مدينة مكة وحدها، أقامت عيادات خاصة للحجاج، وفي السنتين الأخيرتين تزود كل حاج بإسورة إلكترونية تتضمن تفاصيله الشخصية لغرض العثور عليه أو العناية به في حالة وقوع ضرر أو مرض له. كما أن السعودية تمول تكلفة غطاء الكعبة، التي بلغت هذه السنة نحو 6 ملايين دولار ـ إذ أنها تتضمن خيوطا ذهبية بوزن عشرات الكيلو غرامات، وهي تمول ميزانية وزارة الحج بآلاف موظفيها وتشغل نحو 128 ألف عامل وشرطي في فترة الحج نفسه.
هذه السنة أدخلت السعودية أمرا جديدا حين نصبت أكثر من 60 ألف منطرة على طول الطرق التي يسير فيها الحجاج. وهذه ترش قطرات صغيرة من المياه الباردة لتخفف من الحر الشديد الذي بلغ أكثر من 40 درجة.
تخصص السعودية لكل دولة إسلامية عددا معينا من الحجاج وفقا لعدد المسلمين الذين يسكنون فيها. والمفتاح المعتاد هو تأشيرة واحدة لكل ألف مسلم، ولكن توجد أيضا تأشيرات للمشهورين وتأشيرات مجانية توزع وفقا لما تراه المملكة مناسبا. وبالإجماع من المتوقع للسعودية أن تكسب 4.2 مليار دولار من الرسوم والتأشيرات، إضافة إلى أرباح أصحاب الفنادق والأعمال التجارية الكثيرة ممن يجنون مالا طائلا في الفترة القصيرة التي يجري فيها الحج.
تبدأ رحلة الحج بالتوجه إلى إحدى شركات السفر في بلاده، التي كانت حصلت على تأشيرات السياحة للحج. وهذه تأشيرات محدودة الزمن ومجال الحركة التي يسمح فيها للحاج بالحركة في السعودية. ويشتري لنفسه مكانا في بعثة الحجاج التي تنظمها الشركة ويودع مبلغا عاليا يمكن أن يتراوح بين 3 آلاف و 25 ألف دولار، وهذا يتوقف على مستوى الرحلة التي يخطط لها. إذا كان من سكان مصر يمكنه أن يشارك في قرعة على التأشيرة من أصل العدد الذي تقرره الحكومة في إجمالي التأشيرات التي تحصل عليها. وفي هذه الحالة تكون التكلفة أقل، ولكن الحاج سيبقى مطالبا بأن يرتب أمور السفر مع شركة السياحة والسفر. الرحلة الأقل ثمنا تكون عن طريق البر، في فنادق ثلاثة نجوم أو في شقة مستأجرة، أما الرحلات الغالية فيمكن أن تصل إلى أكثر من 50 ألف دولار، وتتضمن هذه إضافة إلى الطيران، فنادق فاخرة، ترتيبات مواصلات خاصة وبعض الهدايا التي تمنحها شركات السفر ـ كسجاد الصلاة، حقائب سفر، محاضرات إعداد قبل الحج وتأمين صحي.
كل دولة تقرر بشكل مستقل السعر الأقصى التي يسمح لشركات السياحة أن تجبيها لقاء ترتيبات السفر. وحسب قائمة الأسعار، يبدو أن الكويت ستكون هذه السنة هي الدولة الأغلى على حجاجها، أما في مصر فسجل ارتفاع أعلى في الأسعار، بمعدل 50 ـ 150 من مئة أكثر من السنة الماضية، بسبب التقلبات في سعر الجنيه المصري. كما أن كل دولة تمول وفدا من الموظفين مهمتهم العناية برفاه حجاجهم على مدى أيام إقامتهم في السعودية. فيفحص الوفد مستوى الفنادق مقارنة بالطلبات التي أرسلت ويتأكد من فحوص خدمات صحية للحجاج ويشرف على الباصات التي ستوضع على تصرف المجموعة ويحصل بالتالي على نسبة دسمة لقاء هذه الخدمات.
وليست الدفعات المباشرة لشركات السفر ولقاء تأشيرة الحج هي نهاية القصة. فالحجاج الذين يسافرون في البرامج الرخيصة يحتاجون لأن يحرصوا على أنفسهم من حيث توفير الغذاء، وكبش الأضحية للذبح، وبالطبع الهدايا التي سيحملونها معهم عائدين إلى ديارهم. ووفقا لبحث أجراه معهد بحوث سعودي، فإن الحجاج ينفقون نحو 10 مليارات دولار على الغذاء في فترة الحج، و 14 من مئة من عموم نفقاتهم مخصصة لشراء الهدايا. وتتطلع السعودية إلى زيادة عدد الحجاج كي تصل إلى دخل 5.7 مليار دولار بعد خمس سنوات، ولهذا الغرض تفكر بإشراك القطاع الخاص في أعمال الحج التي تسيطر عليها اليوم الحكومة على نحو شبه حصري.
هذا المشروع العظيم الذي يجتذب أيضا على مدى السنة العديد من الحجاج الذين يصلون إلى مكة لزيارة الأماكن المقدسة في خارج موسم الحج الرسمي، يدعو إسرائيل أيضا إلى الحلم بالإمكانات الاقتصادية الكامنة في السياحة الدينية للمسلمين. فالحرم الذي يعتبر المكان الثالث في أهميته للاسلام يمكنه أن يجني أرباحا طيبة للدولة ـ لو كان أحد ما مستعدا فقط لأن يوقع الاتفاق اللّازم.
هآرتس/ذي ماركر 7/9/2017
تسفي برئيل