من ينظر إلى رؤساء الدول من زاوية نظر نسميها هنا بالتعبير العمومي «قيمية»، يدهشون من أن الكثير من الناخبين في الولايات المتحدة لا يشخصون أن دونالد ترامب هو أزعر الترهات. فالاحتمال في أن يسيطر شخص ذو نزعة قوة مع فم كبير وقيم أخلاقية مشوهة على الديمقراطية الاقوى في العالم بدت حتى وقت أخير مضى غير معقولة. حدث يعزى أساسا للانظمة الدكتاتورية.
سطحيا يبدو أن معظم مؤيدي ترامب لم يعانوا من عمى أو من فقدان خلايا الدماغ. يبدو ان سبب تصويتهم له هو الملل حقا. فقد ملوا التلاعبات، الاكاذيب، الوعود العابثة، ويترجمون السلامة السياسية إلى فساد أو سكرة قوة. هكذا، وعلى نحو مفعم بالمفارقة سيصوتون لمن تعد سكرة القوة هي العامل الذي يحركه. «انه ليس سياسيا»، يكرر مؤيدوه، في محاولة لان يشرحوا ما الذي يدفعه لان يؤيدوه على خصمته.
نظريا، عندنا أيضا، يمكن ان ينهض صباح غد توأم ترامب ويجترف الانتخابات. احد ما ينجح في أن يقنع مواطني اسرائيل بان رئيس الوزراء «فقد هذا». بدلا من الانشغال بالامن وبالاقتصاد ينشغل بالإعلام وبالثأر الشخصي. فالتلاعبات السياسية التي يستخدمها رئيس الوزراء، كما سيقول ذاك المرشح، تعرض الدولة للخطر. وسيكشف مراسلات احد مساعدي المقربين الذي سيتبين لذهول مصوتي الليكود ليس كعاشقا للاطفال بل أسوأ من هذا ـ كنشيط في «نحطم الصمت».
في واقعنا لم يظهر في الافق ترامب اسرائيلي ما يهدد نتنياهو، ورغم ذلك يخيل أن رئيس الوزراء قلق من امكانية أن تربي وسائل الإعلام «المعادية» واحدا كهذا. فرضيتي هي أن مواطني اسرائيل في معظمهم لا يهتمون باقامة او عدم اقامة هيئة البث العام. مجموعتان بالاساس ـ السياسيون والصحافيون ـ تنشغلان في الموضوع. لا يمكن التقليل من تأثيرهما، ولكن نسبتهما بين السكان هامشية. ودون أن أجري استطلاعا، فاني أسمح لنفسي بالقول ان أغلبية مواطني الدولة تشغل بالهم أكثر من مسألة البث العام مشاكل مشتعلة اخرى، مثل تهديد الإرهاب، خصخصة خدمات الرفاه، الصحة والتعليم، مستقبل التقاعد والقدرة على اعالة عائلاتهم.
مثال على هذه الفجوة بين ما يشغل بال رئيس الوزراء وما يشغل بال الجمهور هو الصراع الذي يخوضه الان رؤساء السلطات في الشمال. ففي آب/أغسطس الماضي تراجعت الحكومة عن قرار تخصيص 18 مليار شيكل لتنفيذ خطة وطنية لتنمية الشمال اقتصاديا واجتماعيا، وجهود رؤساء السلطات لنقل رسالة إلى الحكومة تقول ان شمال الدولة على شفا الافلاس لم تنجح.
الشباب يغادرون لانه لا توجد اماكن عمل، المرضى ينتقلون إلى المركز كي ينالوا علاجا طبيا بمستوى عالٍ، وحسب ما نشر فانه لا ذكر في الميزانية لازمة بلدات الشمال الاقتصادية. ولكن رئيس الوزراء لن يسمح بمثل هذه الامور بالتشويش عليه. ففي خطابه في مستهل دورة الكنيست الشتوية تباهى بالاستثمارات الكبرى في بلدات المحيط وبشق الطرق باستثمار مليارات الشواكل. ولكنه نسي فقط ان يشير كيف يمكن للطرق الجديدة أن تساعد سكان الشمال الذين يبحثون عن عمل، ويا له من غريب، في أن يجدوها بالذات في المنطقة التي يعيشون فيها.
وبالفعل، في خطاب رئيس الوزراء تناثرت في كل صوب الوعود، التفاؤل والرضى. فقد بث هدوء وثقة بالنفس، ولكن من ينظر إلى أفعاله يرى شخصا شكاكا تملؤه الظنون مستعد لان يمحو مئات ملايين الشواكل من ميزانية الدولة ـ مئات ملايين يمكن نقلها إلى بلدات المحيط العطشى للاستثمارات ـ على أن يقوم ما يعد في نظره «تهديدا وجوديا».
مهما يكن من أمر، إذا عدنا إلى الموضوع الذي من أجله اجتمعنا، كون اسرائيل ليست أمريكا، فان المرشح النظري الذي سيسعى في يوم ما إلى الحلول محل نتنياهو سيتعين ان يأتي من صفوف مقاعد الليكود. عندنا لا تزال الاغلبية تكره اليسار اكثر مما تكره التلاعبات السياسية.
يديعوت 2/11/2016