مناكفات حزبية في كردستان ورؤية شبه موحدة للتعامل مع بغداد

حجم الخط
0

بعد ظهور النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية العراقية، ومعرفة كل جهة من الجهات المترشحة لحصتها من المقاعد في البرلمان المكون من 329 مقعدا، كانت هناك حوارات، واتهامات، وتصورات وتفسيرات مختلفة، خاصة في عالم الأحزاب الكردية في إقليم كردستان. تلك الخصوصية التي تسطع على المشهد السياسي الكردستاني تختلف إلى حد ما عن الأحاديث في بغداد، لكون ان تلك الانتخابات جاءت بنتائج غير متوقعة وبعيدة عن الاستطلاعات حسب حديث الأحزاب المعارضة في الإقليم، في الوقت الذي يصر حزبا السلطة الرئيسيان في الإقليم (الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني) على أنها نتائج واقعية تأتي من قناعة الناس في الإقليم بهم. وفي ظل الجهود الحثيثة للأحزاب والتكتلات السياسية المنتصرة في بغداد للوصول إلى تشكيلة حكومية جديدة يزداد الحديث الصادر عن الحزبين المنتصرين في الإقليم عن الثوابت القومية التي يتمسكون بها في كل تحالف مقبل، في حين تستمر أحزاب المعارضة الكردستانية بالحديث عن ضرورة التدقيق في النتائج، وعن رفضها القاطع للانتخابات، والرفض ذاته يأتي من الأحزاب العربية والتركمانية في كركوك، والتي تظاهر مناصروها ضد المفوضية العليا للانتخابات بعد حصول حزب الاتحاد الوطني الذي كان يتزعمه الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني على ستة مقاعد من أصل ثلاثة عشر مقعدا للمحافظة الغنية بالنفط. وفي خضم تلك التصورات، والتخاصمات، والنتائج، يسطع السؤال التالي: إلى أين يتجه الإقليم؟ وما هي خريطة التحالفات المقبلة للأحزاب الكردية في بغداد على ضوء الأوضاع الحالية المتعلقة بالخصام بين الإقليم والمركز علـى ملفات عدة منها (المناطق المتنازع عليها) وقضايا تتعلق بالميزانية، وملف النفط والغاز، وغيرها الكثير من الخلافات التي تحتاج إلى حل نهائي؟

النتائج والانطباعات

في الإعلان الذي صدر عن المفوضية العليا للانتخابات العراقية كان الناس يتابعون نتائج أحزاب الإقليم أكثر من نتائج التكتلات في بغداد، في الوقت الذي كان ممثلو الأحزاب الكردية يتابعون نتائجهم ونتائج الأحزاب العراقية الأخرى لفهم الخريطة السياسية المقبلة، ولمعرفة أي جهة أقرب للتحالف معهم. وبينما كانت كتل المعارضة تظن أن النتائج ستأتي على هواها حصل العكس، فقد حصل الحزب الديمقراطي الكردستاني على ثمانية وعشرين مقعدا، وحصل حزب الاتحاد الوطني الكردستاني على ثمانية عشر مقعدًا في حين حصلت المعارضة على غرار «حركة التغيير» (كوران) على 5 مقاعد، و»الجيل الجديد» على 4، وحصل كل من «تحالف الديمقراطية والعدالة» المنشق الحديث عن الاتحاد الوطني وبرئاسة برهم صالح و»الجماعة الإسلامية» (كومال) و»الاتحاد الإسلامي الكردستاني» على مقعدين لكل منهم. وفي حين رأى علي كريم المتحدث الرسمي عن تحالف الديمقراطية والعدالة والمرشح عنها بصورة متشائمة ان النتائج الانتخابية «قد خلقت أزمة أخرى للعراقيين» بسبب «التزوير الفاضح الذي رافق الانتخابات» حسب قوله، كرر وصف تلك الانتخابات بأنها «أسوء انتخابات في تاريخ العراق الحديث» وتحدث عن تخوفه «من حدوث صدامات داخلية» نتيجة «انقلاب الكتروني» في توصيفه الناقد والمتعلق بالآلية الالكترونية «البايومتري» التي اعتمدتها المفوضية في الانتخابات الحالية. وبدا أحمد كاني، القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني ومسؤول الفرع الثاني للحزب، والذي مقره مدينة أربيل عاصمة الإقليم، أكثر مرونة وأكثر واقعية عند الحديث عن النتائج المعلنة رغم ان «تلك الانتخابات من الناحية التكتيكية لم تكن موفقة» ورغم حديثه «عن النواقص في الانتخابات» إلا أنه دعا «رغم عدم رضا الناس عن الانتخابات إلى التعامل مع النتائج» لإيجاد مخرج لوضع العراق السيء. وركز كاني على ان تلك نواقص تأتي نتيجة «تراكمات سابقة تشمل ملف داعش والتنافر السياسي بين القوميات والطوائف» إلا أنه أصر على ان النتائج في محافظتي دهوك وأربيل التي يتواجد ثقل حزبه فيها كانت «الأكثر نزاهة» بسبب «نسبة المشاركة العالية عن غيرها من المحافظات العراقية الأخرى».
وبعيداً عن رأي الأحزاب السياسية المتضادة تحدث دلاور علاء الدين مدير مؤسسة الشرق الأوسط للبحوث «ميري» وهي مؤسسة معنية بالأبحاث السياسية ومقرها في أربيل بصورة أكثر إيجابية، ووصف الانتخابات بأنها «دافع مهم للتغيير». وقال أن نتائج الانتخابات «بدلت فعلاً الخريطة السياسية في العراق» وسلط الضوء على أهمية كل الأحزاب الفائزة رغم اختلاف عدد مقاعدها لكون «الكل المنتصر يحتاج إلى توافقات ومساومات لتكوين الأغلبية الكافية لتشكيل الحكومة المقبلة». علماً، أن النتائج لم تأت بمنتصر ساحق كون الفائز الأول في الانتخابات أي تحالف «سائرون» الذي يقوده رجل الدين الشيعي السيد مقتدى الصدر قد حصل 54 مقعداً فقط، وهو عدد من المقاعد أقل بكثير من النصاب القانوني المطلوب لتشكيل الحكومة. ولذلك يقول دلاور «ان النتائج الحالية هي فرصة للأقلية لتفرض مطالبها على الأكثرية عند تشكيل التكتلات».

الحصة الكردية في المناطق المتنازع عليها

على الرغم من الخلافات المتزايدة بين الأحزاب الكردية الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية، وتصاعد نبرة الاتهامات بالتزوير والتلاعب بالنتائج، ووصول الحال إلى مشاحنات عميقة أقرب ما تكون إلى المسلحة، إلا أن تلك الأحزاب متفقة فيما بينها على أن التمثيل الكردي في المناطق المتنازع عليها مقارنة بالتواجد الكردي هناك مقبولة رغم تحفظ المعارضة على ذهاب التمثيل الكردي هناك إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني في نينوى وحزب الاتحاد الوطني في كركوك حيث حصل الديمقراطي على ستة مقاعد في نينوى، وحصل الاتحاد الوطني على ستة في كركوك، بالإضافة لكرسي في ديالى وآخر في نينوى. تظن الأحزاب الكردية التي تعارض الحزبين الرئيسين، إن عملية تحويل تلك المقاعد لصالح الحزبين الرئيسيين هي عملية غير سليمة. وبينما يلاحظ ان الحديث في الشارع الكردي يجري بإيجابية عن أهمية التمثيل الكردي في المناطق المتنازع عليها، يتساءل الكثير من المواطنين عن كيفية توظيف ذلك التمثيل بعد عودة القوات العسكرية العراقية إلى السيطرة عليها، وبعد خروج قوات البيشمركه من تلك المناطق التي ظلت فيها منذ دخول تنظيم «داعش» الإرهابي للموصل. وبينما يصر علي كريم على ان نتائج التصويت للحزبين الرئيسيين مخالفة للوقائع متحدثاً عن «أن الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في الإقليم، وأحداث كركوك الأخيرة، وعدم نجاح الاستفتاء، لا بد ان تكون كلها عوامل تقلل من مناصري الحزبين» يصر أحمد كاني على ان المواقف القومية الثابتة لحزبه هي التي رجحت كفته على الأحزاب المعارضة، ويفيد كاني في تفسيره لحصول حزبه على المرتبة الثانية في محافظة نينوى «لكونه يشكل التمثيل الحقيقي للكرد» بالإضافة «إلى إن استقبال الإقليم للنازحين من تلك المناطق كان له دور مهم في التصويت لصالح ممثلي الحزب هناك». وفي تتبع بسيط للآراء العامة يتفق الجميع فيما يبدو على ضرورة التمسك بحل قضية المناطق المتنازع عليها على اعتبارها جزءا من خريطة الإقليم. ويتحدث علي كريم عن ان سبب تركيزهم على تسليط الضوء على (عمليات التزوير الفاضحة) حسب قوله، هو «لحماية صوت الناخب الذي سيخسر ثقته بنا عند الدفاع عن قضاياه المركزية كقضية المناطق المتنازع عليها والميزانية بعد فشلنا في حماية صوته الانتخابي». في حين اعتبر كاني إن البرامج الانتخابية للأحزاب المعارضة في الإقليم كانت غير قريبة من المطلوب «فبينما كنا نتحدث عن ضرورة الدفاع عن حقوقنا في بغداد، كانت الأحزاب المعارضة تتحدث عن أخطاء الحزبين الرئيسيين في الإقليم» وركز على «ان الانتخابات كانت في المركز ويصوت الناس للذي يدافع عن حقوقه هناك».

تحالفات مستقبلية

وبينما تشد الأحزاب والتكتلات الفائزة من حراكها في بغداد في مسعى من الجميع لتشكيل موطئ قدم له في الخريطة الحكومية المقبلة تطفو على السطح تصورات عن شكل التحالفات المستقبلية، وعن خطط أمريكية، وثانية إيرانية، وثالثة خليجية، لتشكيل التحالف المقبل، الذي سيحدد شكل الحكومة القادمة. وبينما كان صعود تيار السيد مقتدى الصدر على حساب العبادي بمثابة مفاجأة للمحيط، إلا أن الحديث في أربيل فيما يبدو يتجاوز موضوع الكتلة المنتصرة بقدر ما يركز على ان التحالف المقبل لا بد أن يقر بالحقوق الدستورية للإقليم، وبضرورة تبنيه حلا للمشاكل العالقة بين المركز والإقليم. وبينما يتحدث دلاور علاء الدين بأنه «لا يوجد أحد يستطيع التنبؤ بالتحالفات المقبلة» إلا أنه يتحدث بإيجابية في الوقت ذاته عن «فيما يبدو لا توجد أي خطوط حمر تمنع التحالف بين الكتل الفائزة». وفي الوقت الذي يصر علاء الدين على «ضرورة ان يتحاشى العراق ان يكون ساحة لتصفيات الحسابات بين الدول» يعتقد ان «من المفيد للأحزاب الكردية المشاركة في الحكومة المقبلة». ويتفق فيما يبدو أحمد كاني، ودلاور علاء الدين، وعلي كريم ومعظم الساسة والحزبيين الكردستانيين على ضرورة تحديد نقاط مشتركة تمثل الحقوق الدستورية للمطالبة بها سواء كانت تلك الأحزاب جزءا من الحكومة المرتقبة أو في صفوف المعارضة في البرلمان. وتلك الحقوق كما يقول كريم تشمل (المادة 140 وقانون النفط والغاز والميزانية والبيشمركه). وفي ما يبدو ان الجميع يتجه إلى توحيد المطالب والتركيز على استحصالها من بغداد، يتمسك الجميع أيضا بالاستمرار في التنافس السياسي على التمثيل في أربيل.
وبينما ما زالت إشكاليات النتائج البرلمانية في العراق لم تنته، وخاصة بعد إعلان المفوضية العليا للانتخابات، وتحت ضغط عام عليها تتهمها بالتزوير وبغض النظر عن الانتهاكات التي رافقت العملية الانتخابية، وعن متابعتها للشكاوى، تتجه الأحزاب الكردية إلى التركيز على الانتخابات البرلمانية المقبلة في الإقليم. ويجري الحديث في صفوف الحزبين المنتصرين عن نصر شبه مؤكد في الانتخابات المقبلة بعد الانتصار في الانتخابات البرلمانية للمركز، وتصر أحزاب المعارضة على أن التمثيل في برلمان الإقليم سيكون في صف المعارضة، وخاصةً ان النظام البايومتري الذي اعتمدته المفوضية العليا في العراق لن يجد له مكانا في إقليم كردستان حسب الإعلان الأخير للمفوضية المستقلة للانتخابات في الإقليم. ومع تخوف الناس من ان يتحول الخلاف الداخلي إلى صدامات بسبب نتائج الانتخابات الأخيرة، يظن البعض ان تسهيل سير عملية الانتخابات البرلمانية المقبلة في الإقليم، والتركيز على نزاهتها، سيكون متنفسا مقبولا من الجميع للاحتقان الحالي.

مناكفات حزبية في كردستان ورؤية شبه موحدة للتعامل مع بغداد

براء صبري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية