مثلت كوباني باكورة التواؤم الكردي الأمريكي في الرؤية لشمال سوريا، فمنها انطلق التحالف مع القوى الكردية المسلحة ضد عدو مشترك، هو تنظيم الدولة الإسلامية، الذي يمثل للأكراد في شمال سوريا صورة جديدة لتهديدين مزدوجين، عرقي عربي وايدولوجي إسلامي مضاد لليسارية الكردية التي تغلف نزعات الأحزاب الكردية الانفصالية.
فالقوى الكردية في الحسكة وكوباني وباقي مناطق الشمال الكردية اصطدمت منذ بداية الثورة بكل القوى الفصائلية التي يغلب عليها العنصر العربي من الرقة ودير الزور، ودارت مواجهات مسلحة مع فصائل من الجيش الحر وأحرار الشام والنصرة الذين ينتمي عناصرهم للمناطق العشائرية العربية وهم نفسهم من يشكل السواد الأعظم من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في حلب والرقة وريفهما اليوم.
وهكذا فان الأمريكيين لم يجدوا خيرا من القوى الكردية المسلحة كحليف ضد عدوها التنظيم الجهادي المعادي للغرب، وبالفعل أعلن المسؤولون الأمريكيون العسكريون في عدة جلسات استماع في الكونغرس الأمريكي، ان الحليف الأكثر فعالية في مواجهة تنظيم الدولة هو الأكراد وليس الجيش الحر. ودعم الأمريكيون بطائراتهم وعتادهم الحربي قوات كردية للسيطرة على مدينة تل أبيض الحدودية مع تركيا، ثم تقدموا جنوبا نحو عشرات القرى شمال الرقة، وغربا نحو نهر الفرات الذي بات حاجزا طبيعيا يفصل قرى ريف منبج الشرقية عنهم.
في المقابل بدأ التململ التركي من دعم حليفتهم أمريكا للعدو الانفصالي والخطر الأول الذي يهدد الأمن القومي التركي، وهنا كانت صفقة التهدئة التي لم تدم طويلا، لطمأنة الأتراك. حيث جمد الأمريكيون دعمهم للأكراد مقابل تعهد تركي بدور أكبر في دعم قوات جيش حر من ريف حلب لمهاجمة تنظيم الدولة في منبج وجــــرابلس والشـــريط الحدودي شمالهما والذي يمتد لستين كيلومترا وصولا لحدود اعزاز.
ومنذ عام، فشلت الخطة التركية بطرد مقاتلي التنظيم من هذا الشريط الحدودي، رغم الدعم الجوي الأمريكي، بسبب ضعف وهشاشة الفصائل التي تقاتل برا، وعدم امتلاكها لعقيدة قتالية مقنعة تبرر لحواضنها الشعبية تجميد القتال مع النظام والأكراد والدخول بصدام مسلح سني سني في خضم حرب أهلية طاحنة، قبل ان يقطع الأكراد وبدعم أمريكي آخر شعرات الصلة بينهم، عندما احتلوا أهم مراكز ريف حلب الشمالي كتل رفعت وفصلوا كتائبه «المعتدلة» عن الحدود التركية، ليضيف هذا التطور عوائق جديدة في طريق تبرير الولوج في حرب دموية مع أبناء قراهم في تنظيم الدولة وترك قوات النظام وحليفتها الكردية تسيطر على مراكز الريف الحلبي الشمالي من «الفصائل المعتدلة».
هذا التسلسل من الأحداث، اوصل الخطة التركية باستعادة الشريط الحدودي وبناء منطقة آمنة (من تنظيم الدولة وليس من النظام كما كان يطالب الأتراك) اوصلها لطريق مسدود، وظلت المعارك بين الجيش الحر وتنظيم الدولة تراوح قراها بين كر وفر لأكثر من عام وانتهت قبل أيام بحصار تنظيم الدولة لمدينة مارع، قبل ان يعود ويسحب جنوده لمواجهة التوغل الكردي شرقا في منبج.
وبعد هذا الفشل في اضعاف تنظيم الدولة غربا من الربف الحلبي، قرر الأمريكيون العودة للعمل برؤيتهم الاستراتيجية القاضية بالاعتماد على الأكراد وحدهم بدعم هجوم جديد لهم شرقا من حدود نهر الفرات نحو منبج، وسهل الأمريكيون عبور قوات «قسد» لنهر الفرات حيث جسر تشرين المدمر، حملت المدرعات والمقاتلين على جسور مائية أمريكية وأوصلتها للضفة الغربية لتنطلق بهجومها نحو قرى شرق منبج، وطعم الأمريكيون قوات «قسد» بمجاميع مسلحة عربية هامشية منحت الرئيس التركي اردوغان الفرصة لتعزية خطته الآمنة المتعثرة بتصريحات تؤكد ان أغلبية قوات سوريا الديمقراطية التي قطعت الخط الأحمر التركي للمرة الثالثة لتهاجم منبج بعد ان قطعت طريق حلب غازي عنتاب، هي قوات عربية لا كردية!! لكنه لم يخبرنا لماذا لم يواصل الأمريكيون دعم قوات «الجيش الحر» العربية في مشروع الخطة الآمنة التركية انطلاقا من اعزاز، وتحولوا لدعم من يصفهم بالقوات ذات الأغلبية «العربية» انطلاقا من عبور الخط الأحمر التركي بجسور أمريكية على نهر الفرات؟
وائل عصام