يشتغل القاص والروائي العراقي هيثم بهنام بردى في روايته «أحفاد أورشنابي» الصادرة بطبعتها الأولى عن دار ثقافة للنشر والتوزيع في أبو ظبي 2015 ، على الزمان والمكان اشتغالا خاصا مراهنا على إمكانياتهما في السرد والوصف تخيلا وواقعا ضمن مساحات كتابية تجمع التاريخ بالحلم لتعطي للأحداث القصصية طابعها الملحمي.
ليكون زمن الرواية ممتدا تاريخيا مبتدئا بأورشنابي الذي هو أحد شخصيات ملحمة جلجامش مارا بالخضر الذي هو جد السارد أسعد واصلا إلى جرجيس الجد الحقيقي للمؤلف هيثم بهنام ليتأكد تلاحم الواقعي بالتاريخي.
وقد يوهم هذا الالتحام أو التلاقي بين السارد والمؤلف أن الرواية سيرية قريبة الشبه بالسرد التاريخي كرواية مذكرات أو يوميات ومما يعزز هذا الإيهام ما كتبه المؤلف في الغلاف الخلفي للرواية «نقلت بكل أمانة أحداث قرية في شمال وطني العراق أيام الحرب العالمية الأولى.. حين سيق أولادها وشبابها رجالها وكهولها ليكونوا حطبا لنيران أشرس حرب.. وتجولت عبر ذاكرة شيخ في حوله الثمانين بتفاصيل تلك الأيام الممهورة بالحزن والفجيعة والموت» إلا انها تظل رواية قصيرة تحفل بالحوارية والدرامية كما تجمع الواقعية بالغرائبية..
وقد بدت بفصولها الأربعة كلوحات مشكلة بهندسية خاصة ومكتوبة بصيغ الحكي وأزمنته المتنوعة، فالفصل الأول الذي حمل عنوان «قال جدي» استعمل فيه أسلوب السرد بالتتابع على طريقة الحكواتي باسترجاع زمني ينطلق من ذاكرة المكان/القرية متأطرا بحكايات تتناسل أو تتابع بعنوانات فرعية مثل «جدي يقول: الكنوز خرافة» و»جدي يقول: كانت حاملا وضروعها مدلاة أسفل بطنها» و»جدي يقول: ليظهر الصلوغان تلك الليلة» و»جدي يقول: الأغا رجل لا ذمة له ولا ضمير» و«جدي يقول: في الفجر انتهى كل شيء» و«وقال جدي بغتة»، أو باعتماد السرد الموضوعي بضمير الغائب أو بضمير أنا الراوي «أحاول ان أذكرك ببعض الحكايات التي كنت أكلمك عنها عن يوسف والرجال»، كما يتم توظيف السرد الذاتي بضمير الأنا أو بضمير النحن.. باستعمال الزمن الماضي البسيط أو الزمن الحاضر» وأقضي ليالي القرية الطويلة .. في غرفتي المنزوية في طرفها الشمالي أحاول أن أسري عن نفسي المعذبة والتواقة إلى التطواف في عوالم ومدن غير مرئية، ولكن محسوسة فأحدق في الكتب الكثيرة التي تحتل ثنايا الدولاب الحديدي الصدئ المنور القابع قرب النافذة».
وأما الفصلان الثاني بعنوان «النفق» والثالث بعنوان «رجال المقلوب» فإنهما امتازا بغزارة الحوارات الخارجية وتدفقها وهذا ما يجعل الفصلين عبارة عن سردية مونولوجية ممسرحة تستثمر الحوار بكثافة وتستعين بسرّاد عديدين. وتؤدي تقانة المنتجة الزمانية والمكانية دورا مهما وقد وظفت بحذق ومهارة في تعزيز درامية الرواية «أدخل المفتاح في شق الباب الخشبي يصر الباب كصراخ امرأة تطلق متهيئة للولادة يتسلل ضوء الشمس الصباحية إلى أحشاء الكوخ تبدأ الأشياء تتوضح تدريجيا أمامي».
أما الفصل الرابع وعنوانه «الوصية» فكان سردا فنتازيا احتلت فيه ثيمة الظل محور الأحداث ليكتمل للرواية بناؤها الدائري فهي إذا ابتدأت بالجد على شكل ظل غير محسوس ولكنه مرئي، أذهل الحفيد أسعد؛ فإن الظل في ختام الرواية سيعود «وقفت واللحظة النادرة تسكنني… وانذهلت إذ رأيت جدي يمزق كفنه ويستوي واقفا أمامي».
والجد/الظل في الفصل الأول أعطى الحفيد المفتاح الذي به تتحقق ثقته بنفسه لكي يتولى مهمة نسج الأحداث، لكنه في ختام الرواية يضع في الحفيد ثقته بعد أن صار قادرا على الانتصار على الظلال والأشباح لأنه ما عاد يرى بخيالية أنه الآن يرى بواقعية يرى النور لا الظل ويدهشه الضوء لا العتمة ولا تغريه الأحلام ولا تزيف له الواقع..
وتتخلل السرد تداعيات داخلية واستذكارات توطد الإيهام بالواقع كما تخترقه مقاطع ميتاسردية، حين يتلاقى صوت السارد بصوت المؤلف فيتعالق الداخل النصي بالخارج النصي، حيث محنتهما واحدة هي محنة كتابة رواية.. وكذلك توظف تقانات الحلم والمشهد «واختفى من أمامي كما ظهر في لحظة خاطفة حدقت في المكان الذي كان يحتله بأسف ثم عدت إلى أوراقي وانشات اقرأ ما خطت يداي».
ويحتل المكان مركز الصدارة في الرواية وهو جزء جوهري منها وتمثل القرية /المقلوب بؤرة الرواية وحدودها الخيال والذاكرة.. والمكان منظم يجمع العناصر الأخرى نفسها بخيط واحد ولا ننفك نشعر بالانبهار بخصوصيات المكان وجزئياته التي بها يتم تصعيد الحبكة ومن ثم حلها وهذا ما يجعل الأمكنة المشار إليها في الرواية عبارة عن مفاتيح دلالية ومظاهر رمزية، وأي تغيير يطرأ على المكان إنما يقود إلى تغيير في المنحنى الدرامي للقصة كما تسهم حركته في الإحساس بجريان الزمن وإدراكه إدراكا حسيا منتقلا من الماضي إلى الحاضر المعيش إلى صور المستقبل.
وتنبسط الرواية على مستويين مكانيين يتطابقان نفسيا الأول هو المستوى الواقعي والثاني هو المستوى الحلمي كاشفا عن الحركات الباطنية للشخصية، وبعبارة أخرى فإن تنقلات المكان توافق تطور الشخصية النفسي باستعمال الوصف الذي قد يكون بانوراميا واسعا «أطفالنا مجرد أسمال على عظام، نساؤنا أعواد نضب الدم من خدودهن وجفت نهودهن وأخذن يدررن الهواء بينما كانت دواخلنا مراجل يتبقبق الماء منها بتوجع مسعور، وسواعدنا براكين تنتظر انسفاح الصخور المائعة لتنتشر كتل النار على الأرض.. وتنطلق من أفواهنا أسنة لهب تحرق المختار وتحيله إلى فطيسة متفحمة».
ولما يعاضد الجد الحفيد على كتابة رواية؛ فأنه يذكره بأهمية الاشتغال على المكان «كنت في عملك مثل ذلك الذي أثنى على جمال البيت أي بيت جميل وذوق الفنان المهندس الذي خططه ناسيا البناء والحجار والعمال». ولما يحاول الجد اقتراح موضوع للرواية فإنه ينسجها انطلاقا من المكان «كان هناك ضيعة اسمها (ب) على قدر كبير من الآلهة والجمال ترتكن كبدر البدور بكل جلال وبهدوء واتزان على كتف تل عال وتشرف بكل سرور على غدير ذي ماء قراح».
ومعلوم أن وصف الأمكنة يحتل أهمية كبيرة في الروايات السيرية الذاكراتية والبغية من وراء ذلك أن تغوص الشخصية في المكان الذي هو مرتعها الطبيعي الذي به تتجدد نفسيتها وتنفتح أساريرها..
ويبقى المنظر الطبيعي مرتبطا بالحياة الباطنية للشخصية في صيغة مونولوجات تهمس بها الشخصية مطابقة بين حالتها النفسية وحالة الطبيعة « (ب) اسم قريتي التي ولدت فيــــها ودرجت بين أزقتها المتربة الوارفة وقوي عودي بين افيائها تستلقي بوداعة العذراء على خضرة تنساح هادئة من التل في الشمال وتتدرج بهدوء متساوقة ومتناغمة حتى البساتين في الطرف الجنوبي».
وهذا ما يجعل الوصف معبرا عن العلاقة بين الشخصية والعالم المحيط الذي قد يبدو شفيفا حينا ومكثفا حينا آخر كما يظهر في مواضع معينة خانقا وفي أخرى محايدا «الأرض رمادية ذات تراب حريف لاذع وأجردت البساتين كاشفة عن عورتها وبدأ طير السماء يهاجر نحو مرافئ أخرى عله يجد مستقرا لطوافه وتبدلت طبائع الناس فازدادوا صمتا وتوجسا» .
ختاما.. فإن الرواية «أحفاد أورشنابي» تحكي قصة إخلاص الأبناء للآباء ووفاء الأحفاد للأجداد في التمسك بالانتماء للوطن والذود عن حياضه ورفض المستعمر ومقاتلته وعاقبة الخيانة ومآلها مستعينة بالتاريخ ومؤسطرة الأحداث بملحمية تتضح في النهاية التي بدت مفتوحة بدرامية متجاوزة حدود الزمان والمكان من خلال توظيف الأفعال المضارعة داخل السرد مما أعطى شعورا بالديمومة واللاانتهاء» الرجفة ترتديني فيما كان الرجال يهيلون التراب على مجرد قماش أبيض ممدد في جوف الحفرة المستطيلة».
٭ ناقدة وأكاديمية من العراق
نادية هناوي سعدون