منتهى الغباء وذروة الإرهاب

حجم الخط
2

■ الهجمات الإرهابية، التي تعرض لها مسجد «الصادق» في الكويت وفندق إمبريال على شاطئ سوسة في تونس قبل أيام، تكشف عجزا مؤسفا في استيعاب وإدراك الاستطلاع الفكري الجديد، الذي تتبناه قوى الإرهاب المتمددة في المجتمعات العربية، التي تروي غليلها من دموية أوجدت حوافزها التي تحملها من منطقة إلى أخرى، معتمدة على توكيدات مباشرة لفتاوى تنافي كل القيم والشرائع، لفرض شهوة الخوف والدم، حيثما وجد الإنسان العربي والمسلم.
كيف يستطيع المرء أن يفسر تلك « الثقافة « والمكانة التي أتاحت المجال لتأدية القتل في أماكن العبادة أو الشواطئ والمنازل والمتاجر، أو أي بيئة يعتقد الإنسان أنها آمنة، لتغدو غير لائقة وغير جديرة له بالحياة، حسب الاستطلاع الفكري للإرهاب، فلا عجب إذن ان ينظر «الآخر»، ليس الغربي فقط، بل العربي أيضا، بارتياب وازدراء لقوة الإرهاب الذي يحاول السيطرة، من خلال علامات الغرور الدموي، كحالة «جهادية « تميزه عن الآخر، لكنها بفضل الجهل والغباء المتواطئ مع الاستبداد تصبح مكونا أساسيا يعين الاحتلال على المحتل والمُستبد على المستَبد، منظومة توصل بأكملها إلى عجز يشوبه التشويه الخالص في الجوهر الثقافي والتاريخي على إخبار الحقيقة المتعلقة بمجتمعات قريبة وبعيدة في آن.
لقد تم تفصيل «داعش» بإسهاب أكثر لترهيب المجتمعات العربية اولاً، وربطها في تحزبات طائفية تغرق وتنشغل بأفكار وقيم ومبادئ دموية، تنطلق من مماحكات تافهة وقاتلة، كمحاولة متعمدة لإخفاء الوجه الانساني للمجتمع، وهي خاصية مشتركة مع أنظمة الاستبداد والقمع، بهدف الحفاظ على خرافة الأبدية بالاستبداد والدينية المتحزبة بالطائفية، وهي مفارقة كارثية لازمت محاولات الإرهاب والاستبداد في السنوات الاخيرة، في تدوين فصل التاريخ الأكثر تشويها للمجتمعات العربية منذ عقود، وبهذا التفصيل المدوي يلفتنا الجو العام الذي تشاع فيه أزمة «محاربة الإرهاب» كأولوية على مقاومة الاستبداد، الذي يأخذ بعداً ثانويا في الاهمية، إلا أنه أحد الاسس التي تنبعث منها كل المشكلات الواجب علاجها من دون مواربة ومن دون التواء في المفاهيم.
وفرت الاعتداءات الارهابية دوما للاستبداد، كل ما يحتاجه من أسلحة يتقن من خلالها تخطي مصاعب ازاحته، وأمدت الشارع العربي بعراقيل انعدام نهضته وتحرره، من خلال تزويده بأساليب منهجية تقضي على كل القضايا الاخلاقية التي نشأت في غمار معركة إسقاط الاستبداد، وعليه فإن انتظام الإرهاب وممارسته، فاق كثيرا تحليل إجرام النظم المستبدة وتفكيرها، الذي حدد السمات الوصفية لعدوه، بينما فشل الإرهاب في تحديد أدق لماهية الخصم الذي يواجهه، فيما كان جلياً الابتذال لما هو فكري وثقافي وتاريخي وسياسي وديني، والابتعاد كل البعد عن حتمية محاربة الظلم والاستبداد والاحتلال كمبتغى يصدقه العقل. لقد غدا الإرهاب الذي تمارسه «داعش»، بالنسبة الى الجمهور العربي والغربي بغيضا بشكل خاص، لكن ان تنبري وسائل إعلام النظم الاستبدادية مع وسائل إعلام اليمين العنصري في الغرب في جوقة واحدة متناسقة، في وصف الإسلام والعرب بأنهم مهددون للحضارة الإنسانية، فهذا قمة السخف والاستهزاء ومنتهى الغباء، ويعني بشكل من الأشكال تقديم الصورة الهزلية التي تزدري العقل العربي.
تنظيم «داعش» وغيره من الطائفيين والمستبدين، بما قاموا به من إرهاب وقتل وتدمير، ساهموا في ترويج صور مشوهة، انطلقت من أن الطبيعة والبنية المركبة للعقل العربي لا تتطابق مع قيم الإنسان ومعتقداته الدينية، لوضع القيود والحدود والضغوط على تحرر الإنسان، ذلك ما يقترحه الإرهاب والتطرف، كوصفة تنجي الاستبداد، من خلال التوكيد على أولويات ذات «أهمية» ونتائج سياسية مثمرة له.
نستنتج من ذلك أن كل إسهام الاستبداد والإرهاب والتطرف، على مدار أعوام الربيع العربي، يأخذ على عاتقه تشكيل وعي بماهية دونية العقل العربي ووعيه بالإسلام والطوائف والمذاهب، في أطر بوصفها ظاهرة عدائية لتركيز الانتباه عليها من نواحي معينة، ومسقطة من نواح أخرى كل إجرام يقع من بين يديها، وبهذا يخلد التشكيل «الفكري» الجديد ويستمر خبر الارهاب الاسلامي في جرعاته الهائلة تفوقاً على تدمير المدن والارياف وتشريد الملايين، للانتقال الى موضوع أشد ملائمة وتجانسا، هو وحشية الإرهاب وبراءة الاستبداد.
وإذا أراد المرء أن يتخلص من كل هذا عليه احترام التفاصيل الملموسة من فهم نابع من ترك الترسبات والتعميمات المهينة الكامنة في شيعي ودرزي وبدوي وفارسي وتركي، وعربي ومسلم وعلوي وآشوري وأيزيدي ونصيري وغربي ومسيحي..الخ ، عندها يكون إنجاز التحرر قد بدأ.

٭ كاتب فلسطيني

نزار السهلي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية