فاجأ التأييد الواسع للجندي مطلق النار على رأس حامل السكين من الخليل الكثيرين وهزهم. من بين مؤيديه، هناك من يشرحون موقفهم بأن الشاب، «ابننا جميعا»، هو ضحية وضع محبط وممزق للاعصاب. وهو جدير بتشجيعنا، حتى لو كان اخطأ، وترك نزعة الثأر تسيطر عليه. ويبرر آخرون مجرد فعلته ويرون فيها مأثرة جديرة بالاقتداء. هكذا، برأيهم، يجب التصرف لمنع حتى اقل خطر ومن أجل ان يرى الاخرون فيخافون. فالفلسطينيون المشحونون بالكراهية تعلموا كيف يستغلون ثباتنا الاخلاقي، ويجب ان نوضح لهم بان هناك حدودا لتسامحنا.
أما أنا فقد فوجئت من المفاجأة، إذ أن الدولة، من خلال بضع حالات تأسيسية للوعي، علمتنا بأن قتل الفلسطينيين لاغراض الثأر والردع هو فعل يلقى التفهم وجدير بالمغفرة. والتفسيرات التي وجدتها للعجب والصدمة هي ضعف ذاكرة بني البشر والصعوبة في فهم آثار حدث ما على حدث آخر، يحصل بعده ببضع عشرات السنين. ولما كان هكذا، فيجب انعاش الذاكرة.
من بين عشرات الحالات سأطرح حالتين. في كلتيهما لم يكن المنفذون جنودا شبابا، متحمسين، متعَبين من الخدمة المضنية، بل مواطنن مدربين عسكريا يخططون لافعالهم بعناية، يخفون نواياهم، يعملون ككل تنظيم سري جدي ويطورون ايديولوجيا ناعمة لسلوكهم.
الحالة الاولى تسمى قضية «التنظيم السري اليهودي»، الذي ترأسه مناحيم لفني وكان بين الـ 15 من اعضائه الذين ادينوا في المحكمة بعض من البارزين في قيادة الاستيطان في المناطق. في بداية الثمانينيات قتلت هذه العصبة ثلاثة طلاب فلسطينيين، جرحت عشرات، اغتالت ثلاثة رؤساء بلديات وخططت لتفجير المساجد في الحرم وخمس باصات. ثلاثة حكموا بالسجن المؤبد، ولكن الرئيس هرتسوغ عفى عنهم، وأي منهم لم يمضِ في السجن أكثر من سبع سنوات. وعلى العريضة التي دعت إلى تحريرهم وقع 300 الف شخص، وكما تبين في الاستطلاع أيدها ما لا يقل عن 73 في المئة من المواطنين. هذا معدل اعلى من معدل المؤيدين للجندي مطلق النار.
الحالة الثانية، هي التي تسمى «قضية خط 300». فبأمر من رئيس المخابرات، حطم اثنان من مرؤوسيه الكبار رأسي مخربين اثنين عديمي الحيلة سيطرا على باص وأسرا بعد ذلك. رئيسا الوزراء شمير وبيرس تلويا؛ المستشار القانوني اسحق شمير، الذي طالب بتقديم القاتلين وقائدهما إلى المحاكمة، اقيل من منصبه؛ الرئيس، الذي كان هذه المرة ايضا حاييم هرتسوغ عفا عنهم قبل المحاكمة والاغلبية الساحقة من الشعب ايدت قراره.
قرارات القادة في قضيتين بارزتين جدا تأثرت بالرأي العام وكرد فعل عليه تأثروا به. فقد ضموا صوتهم المسؤول لصوت الجمهور وختموا بختم الحلال الرسمي أفعال القتل. منذئذ مرت 30 سنة، وهكذا تقريبا نتصرف الان ايضا. مشكوك أن الجندي مطلق النار، الشاب الذي ولد بعد عقد من هاتين القضيتين، يعرف عنهما شيئا ما، وبالتأكيد ليس واعيا لحقيقة ان العيار في بندقيته شحن في حينه.
وبالنسبة لمصيره الشخصي، فلا داعٍي لأن يخاف أكثر مما ينبغي. فاذا تبين أنه تصرف على نحو غير لائق، فسيوجد في القانون مادة مخففة. واذا ما حسم مصيره سلبا، فسيفرض عليه عقاب هو أخف العقوبات؛ واذا ما سجن، فانه سينال العفو العاجل وعند خروجه سيستقبل بالهتافات المحفوظة للابطال. سيضطر القضاة لان يقيسوا جريمته بمقياس تقرر قبل 30 سنة، وعليه فلن يتجرأوا على التشدد معه أكثر مما تشددوا مع رجال عصابات الإرهاب اليهودية التي قتلت وجرحت فلسطينيين بالجملة ومع رجال امن كبار حطموا، بالصلاحيات وبالأوامر، رأسي رجلين جريحين ومكبلين.
يديعوت 12/4/2016
يرون لندن