«منسيون خلف القضبان» زينة دكاش ترفع الغطاء عنهم ومن السجون: المرضى النفسيون محكومون للأبد وقصصهم تصلنا من المسرح والدراسات

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: بعد فتحها أبواب سجن رومية للناس كي يشاهدوا مسرحية « 12 لبنانيا غاضبا» ومن ثم سجن بعبدا لمشاهدة «شهرزاد في بعبدا» كان لزينة دكاش أن تعبر إلى مساحة منسية أخرى، وشائكة في عالم السجن والسجناء. إنهم السجناء المرضى نفسياً والذين صدرت بحقهم أحكام بوضعهم في السجن الاحترازي «مأوى احترازي» حتى ثبوت شفائهم؟ حكم على سجينة بلغ دكاش وحمّسها للبحث والتدقيق ومقابلات مع مسؤولين، أفضت أن المحكومين من ذوي الأمراض النفسية أو من يسميهم هؤلاء المسؤولين تحديداً بـ»المجانين» أمامهم «طريق مسدود». وهكذا بدأت الرحلة في سنة 2013 من خلال «كتارسيس» حتى رأى جزء من مشروع متكامل يحمل عنوان «قصة منسيين خلف القضبان» النور مؤخراً، وبتمويل من الاتحاد الأوروبي. عمل له أربع مُخرجات أساسية من بينها مسرحية يقدمها السجناء في رومية، ومن بينهم «مرضى». أما الدراسة المتخصصة والتي كانت أولى ثمار هذا المشروع، فحملت عنوان «الصحة النفسية في السجون اللبنانية» وتحديداً في سجني بعبدا للنساء، ورومية للرجال.
زينة دكاش المديرة التنفيذية لـ»كتارسيس» المؤسسة الناشطة في السجون اللبنانية منذ سنة 2008 حيث توفر للسجناء العلاج بالدراما، أشرفت على الدراسة المتخصصة والعلمية بشأن الصحة النفسية للسجناء، إلى جانب فريق كبير. هي دراسة أفضت إلى نتائج متعددة، منها فرض التغيير في عمل القضاء وكذلك قوى الأمن، وأنتجت عملاً مسرحياً سنراه في سجن رومية في نيسان/ابريل المقبل. فماذا تقول الفنانة زينة دكاش عن عملها الجديد ومجمل اهتماماتها بالفئات المهمشة التي تحتاج للدعم؟
هل باتت السجون مخزناً لأفكار لا تنضب بالنسبة لزينة دكاش؟
• ليس صحيحاً. السجون من بين اهتمامات عديدة لجمعية «كتارسيس» لدينا برامج تعاون ودعم مع العاملات الأجنبيات في لبنان، النازحين السوريين، والمرضى النفسيين في مستشفى الفنار. وسنكون قريباً مع مسرحية في سجن رومية بعد غياب المسرح لثلاث سنوات متتالية. لكننا وكما هو معروف قدمنا خارج نطاق السجون مسرحية الأمراض النفسية في الفنار، ومسرحية «شبيك لبيك» التي جسدتها العاملات الأجنبيات. نشاطنا متصاعد في السجون منذ سنة 2008. لكن حوافز محددة انطلقت من حالة السجينة «ف.م» لتلح بضرورة فتح ملف المريض النفسي داخل السجن. السجناء النفسيون لهم أماكن تختلف عن الواقع الذي يعيشون فيه، فهم يحتاجون للعلاج. بفتح هذا الملف كان لنا اكتشاف كبير في المبنى الأزرق في سجن رومية. اسمه مأوى احترازي، هم ثلاثون رجلاً لديهم أمراض نفسية شديدة جداً. المكان لا يشبه مطلقاً المأوى الاحترازي. يتلقى هؤلاء اهتماماً جزئياً من المجتمع المدني، ومن رجال دين. بعد هذه المتابعات وجدت أن تعديل القانون ملح وضروري. فقانون العقوبات الذي كُتب سنة 1943 لا يزال يطلق على هؤلاء المساجين المرضى تعريف مجانين ومعتوهين. إنها تعبيرات لم تعد متداولة في الطب النفسي. والغريب أن نص القانون يقول بسجن هؤلاء المرضى لحين الشفاء، فهل من شفاء؟ بعض الأمراض تُدار وتستلزم علاجاً مدى الحياة، ومنها الأمراض النفسية.
○ بعيداً عن المجتمع المدني ماذا عن وجود الدولة في هذا المأوى الاحترازي؟
• الوجود الوحيد هو لرجال قوى الأمن الداخلي الذين يقترب دورهم في بعض الأحيان من دور الممرض. يضطرون لتقديم المعونة الإنسانية لمن يحتاج من يسقيه ويطعمه من هؤلاء المرضى السجناء. ثمة قانون صدر سنة 1994 قال بضرورة انشاء مأوى احترازي مختلف، تتولى إدارته وزارة الصحة. للأسف بقي حبراً على ورق، ونحن الآن نُكثف الاجتماعات مع الوزارات المعنية للوصول إلى وضع مشروع قانون يُطبّق بما يفيد هؤلاء المساجين.
○ ما هو الجديد الذي أفضت إليه المسرحية التي انت بصدد إعدادها في سجن رومية؟
• تأتي ضمن مشروع موسع موله الإتحاد الأوروبي، كانت بداياته الدراسة التي صدرت قبل أيام وحملت عنوان «قصة منسيين خلف القضبان». ونحن بصدد دراسة قانونية ثانية تبحث كيف يتعامل المجتمع مع المريض النفسي مرتكب الجرائم. هذه الدراسة تشرح القانون الحالي والأسباب الموجبة لتغييره، وتتضمن حكاية وتاريخ التعامل مع المريض النفسي في لبنان بشكل عام. هذه الدراسة سترى النور في شهر نيسان/ابريل المقبل، وهي تأتي كجزء ثالث يدعم الدراسات التي سبقت الإشارة إليها. والمسرحية ستُعرض داخل سجن رومية.
○ وماذا عن هؤلاء السجناء الذين سيؤدون المسرحية وأحكامهم؟
• أحكامهم كبيرة جداً ومؤبدة، وهم ليسوا بمرضى نفسيين. لكنهم يشبهون المريض النفسي، ليس لهم أفق للحرية، والمريض النفسي لا أفق شفاء له. فالأول محكوم بالمؤبد، والآخر محكوم بالشفاء. هما فئتان في سجن رومية وجدا بينهما جوامع مشتركة، وهكذا سيكون العرض المسرحي المقبل في سجن رومية جامعاً للفئتين.
○ وهل أدى المزج بين هاتين الفئتين في سجن رومية إلى نكهة مختلفة للعرض المسرحي المنتظر؟
• في رأيي هو عرض مختلف بنسبة مليون في المئة، وآمل أن نشاهده معاً قريباً. هي مسرحية مؤلفة من عدة تابلوهات. تتضمن الكثير من الغناء، والكثير من الرقص. نتعاون بصددها مع الكوريوغراف بيار خضرا الذي يتولى التدريب على الرقصات. ونتعاون مع الفنــان غسان الرحباني، حيث نعمل على تعــديل عدد من أغنياته معاً، وهي ستكون أغنــيات في غاية «الهضامة». أتصور أن مشاهد كثيرة في هذا العرض ستؤدي بك للبكاء. فهي قصص كل هؤلاء المرضى المنسيين من العالم.
○ بعد ثماني سنوات من العمل الدؤوب داخل السجون هل لديك شعور بالمرارة في مكان ما أم يفرحك تعديل بعض القوانين من خلال جهود «كتارسيس»؟
• لا شك أن محاولات العمل هي أفضل من كتف اليدين. شعاري كمواطنة لبنانية الإبتعاد كلياً عن «النق» واستبداله بالعمل. أشجع الناس للعمل والاجتهاد بهدف التغيير حيث يجدون مشاكل بمواجهتهم. انتمي للفئة التي تحاول التعديل من خلال مهنتي التي أعمل بها وهي العلاج عبر الدراما. نحن نعمل للتعديل سواء من خلال برامج التوعية أو القوانين. أشعر بالسعادة وأنا أعمل بكل تأكيد، قد نصل أو لا نصل، لكننا نمتلك دون شك الحق في التجربة.
○ بعد هذه الدراسة هل يمكن تحديد المرض النفسي الأكثر انتشاراً في السجون اللبنانية؟
• لا شك هو الاكتئاب. لكن دراستنا هدفت لقياس نسبة أمراض نفسية أخرى منها مرض يُعرف بـ«ثنائي القطب» وغيره.
○ هل التغيير متاح في رأيك؟
• نتمنى. الخطوة الأولى كانت بالإضاءة على فئة من البشر تقبع في غياهب النسيان، ويحكمها قانون بالٍ. ونحن نستبشر خيراً بتجاوب المعنيين من قضاة وقوى أمن مع الورشات التدريبية التي نقيمها لهم. نظمنا ورشات عمل في المحافظات، وقبل نشر هذا الحوار سنكون مع ورشة خاصة بقضاة محافظة جبل لبنان. ومن خلال ورشات العمل تلك يمكننا تحديد التعديلات المطلوبة على القوانين، وكذلك التطبيق. ونحدد أيضاً أدوار ومهمات وزارتي الصحة والعدل. وهكذا نخلص إلى التوصيات التي ستكون في صلب مشروع القانون الذي سيقدم إلى مجلس النواب.
○ وهل من تغيير بدأ يُلمس في المأوى الاحترازي منذ باشرتم عملكم؟
• الجديد هو مزيد من الاهتمام بهؤلاء المساجين من قبل المجتمع المدني. بعضها كان موجودا في السابق، وبعضها مستجد، وأحداها تبحث في تأمين تمويل لتأهيل المبنى الأزرق المُسمّى مأوى احترازيا. كافة الجمعيات تتحرك وكل منها على طريقتها بهدف تحسين الأوضاع داخل هذا السجن.
○ لا شك أنك تتأثرين على الصعيد الشخصي بالتعامل مع هؤلاء المساجين. أين أنت أكثر تأثراً؟
• الفيلم الوثائقي الذي صورته خلال عملي سيظهر أوضاع الثلاثين إنساناً، ومنهم المنسي داخل هذا المكان منذ 38 سنة دون أن تكون له أي صلة بالخارج. فليس لهم من يزورهم، وصاروا عجائز. إن سألتهم أين هم فلا يدركون أنهم في السجن؟

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية