نواكشوط ـ «القدس العربي»: كلنا، أفرادا ومجتمعات ودولا، مسكونون رغما عنا باللهاث، مستهل كل عام جديد، وراء استكشاف ما يخبئه المستقبل، فقد انسحب الماضي عنا وتلاشى في دورة الزمن، وتركنا لحاضر تمضي دقائقه سريعة لا نتحكم فيها.
هكذا في الأيام الأخيرة من كانون الأول/ديسمبر كل عام، نقف كلنا بين الكانونين، الأول وهو آخر عام يمضي بنجاحاتنا واخفاقاتنا فيه، والثاني وهو مستهل سنة تبرز أمامنا في انتظامية دورة الزمن لتكون ظرفا لمرحلة أخرى من حياتنا.
رغم أننا لا نتحكم فيما يخبئه المستقبل، فإننا نلجأ لتبادل التهاني بالعام الجديد ونتخذ من عبارات التفاؤل «كل عام وأنتم بخير» و«كل سنة وأنتم طيبون»، سياجا نغطي به مجهولات الزمن وندفع به عنا شؤم الأيام والليالي، ونجعل منها فانوس أمل للآتي.
وتؤكد التجارب البشرية على مر العصور، أن الإنسان يعيش بشكل دائم لحظات قلق وخوف على حياته بكل ما فيها، على شبابه وعمله ودراسته وأهله وأولاده، فالكل يخاف غدر الزمان ويسعى بشكل دؤوب لتأمين مستقبله.
فكم من صاحب ملك وسلطان أصبح بين ليلة وضحاها ساكن قبر أو مقيما في زنزانة يمسح دموع الأسى والتأسف على الماضي؟
وكم من ثري في عام، فقد في العام الموالي ثراءه وماله، وكم من أشخاص ضحكت لهم الدنيا في سنة ثم كشرت لهم عن أنيابها في التالية؟
لكن في المقابل، كم من فقير في هذه السنة تحول إلى ثري في العام الموالي، وكم من ضعيف منهوك نراه وقد تحول إلى ذي شأن وجاه ومراتب؟
ويظل التشاؤم في جميع الحالات، هو السائد بين الجميع نظرا لتردي الأوضاع السياسية والاقتصادية في عالم اليوم الذي يتميز باستمرار تأجيج الحروب وتدفق دماء الأبرياء وتشريد الملايين عن أوطانهم.
ويتطلع الكثيرون هذه الأيام، لتنبؤات العرافين والعرافات، وتكثر استقراءات واستكناه الأبراج لمعرفة الحظوظ والسعود المنتظرة، ولاستكناه النحوس المتوقعة أيضا.
وتمتد طوابير طويلة هذه الأيام أمام العرافات وقارئات الأكف وخاصة في افريقيا أرض الغيبيات، فالكل يخوض معركة مع مستقبله، مهتم بغده ومستعد لبذل الغالي والنفيس من أجل أن ينتصر على قوى الشر التي تترصده وأن يجذب إليه قوى الخير في العام الجديد.
وتختلف درجة القلق بين الناس حسب الاهتمامات والطموحات والجنس والسن، فالمرأة لا تخاف شيئا خوفها من الشيخوخة ومن تقدم العمر وتأثيره ومما يمكن أن يكسوها به من تجاعيد وارتخاء، وهي في التعامل مع المستقبل أكثر خوفا من الرجل الذي يهيمن عليه خوفه على مستقبله ومستقبل أبنائه.
وتؤكد خلاصة ندوة علمية عقدت مؤخرا في داكار «أن الخوف من المستقبل أمر طبيعي بالنظر لتغير نمط الحياة وتغير المفاهيم والقيم والعادات والتقاليد وبسبب التغير الواضح في اتجاه الإعلام وانتشار الأمراض والحروب».
وتشير الخلاصة إلى «أن التوتر بخصوص المستقبل يزداد لعدم وجود قاعدة أو أساس في الحكم على الأشياء، وهو ما جعل الخوف من المستقبل يزداد من جيل إلى جيل، وكلما تعقدت الحياة وازدادت المظاهر وتنوعت التكنولوجيا كان خوف الإنسان في تصاعد. ففي عمله مثلا، حلت الآلة محل الإنسان وأثرت على حياته واستقراره، وازدادت نسبة العنوسة والطلاق، وحتى الاجتهاد في التحصيل العلمي لنيل الشهادة الجامعية لا يعني ضمان المستقبل لأن العاطلين عن العمل اليوم، وخاصة في البلدان الافريقية، أكثر من العاملين، خصوصا في فئة الشباب».
وقد ظهر أمام إشكالية التعامل مع المستقبل اتجاهان أحدهما استسلامي يرى أن القدر أقوى من إرادة الإنسان، والثاني وهو الأكثر اليوم يتأسس على التخيير أي على إمكانية أن يتحكم الإنسان في مستقبله ويطرح رؤى وشعارات بينها «صناعة المستقبل» و«لون حياتك»، وغير ذلك من الأطروحات التي تجعل الإنسان قادرا على الإمساك بزمام أمره رغم جميع التحديات.
بهذه الهواجس نعبر جسر الزمن، من سنة 2016 بهمومها وبالفرص التي أتيحت لنا فيها، لنضع أقدامنا على عتبة السنة الجديدة السابعة عشرة بعد الألفين، ونحن بين خوف تمليه ظروفنا المحيطة بنا وأوضاع عالمنا، ورجاء هو سر استمرارنا في حياة مستحيلة دون الأمل.
عبدالله مولود