قدّم لي أحد الأصدقاء كتاباً صغيراً أنيقاً لا يتجاوز عدد صفحاته الـمئة وخمسين، يضمّ حكاياتٍ وقصائدَ ومقطوعاتٍ صغيرة وشذرات، كما لم يستنكف الكتاب عن ضمّ جملٍ تفيد من مناخ الحكم والأمثال أو قبسات من مؤلفين آخرين والتعقيب عليها بما يقتضيه السياق.
لم يكن أي من ذلك يحمل توقيعاً، حتى الغلاف كان خلوّاً من أي كتابة سوى اسم الجهة الناشرة، رغم أنّ جوّ الكتاب العام يفيد بأنّ مؤلفه واحد. وحين استفسرتُ عن سبب ذلك، أي اختفاء أو اخفاء اسم المؤلف، قال لي صديقي، دأبتْ دار النشر هذه على تقديم منشوراتها بهذه الطريقة، مشترطةً على المؤلفين الذين يتعاملون معها التنازل عن أسمائهم، وفق تسوية معيّنة. بهذا المعنى تصبح منشورات الثور المجنّح هي صاحبة الحقوق المطلقة لما تنشر. بإذن خاص من الدار، نقتطف هنا، بعض النماذج مما احتواه هذا الكتاب المثالي من حيث عدد صفحاته وتنوّع محتواه.
الكتابة
الكتابة عهدٌ ضدّ النسيان
*
سيزيف الحبر
في مكان ما مِن عالمنا هذا حُكمَ على كاتب بتحبير مئات الصفحات، ما أن ينتهي منها حتى يُؤمَر بإتلافها والبدء بتحبير مئات جديدة. ما مِن ورقة أخيرة أو كلمة أخيرة. إنه سيزيف حبر.
*
استنطاق
الضوء ساطعٌ على المكتب يبهر عينيّ، لكأنني أمام محقق!
لكن أليست الكتابة سوى استنطاقٍ دائم للذات..
*
آدم وحواء
آدم وحوّاء يتنازعان قمراً واحداً
كلٌّ يريد الذهاب بحصته.
لكن، ما من قمرٍ منشطر
قدرهما أن يخلدا إلى قمر واحد.
آدم وحواء
لوّحتهما أعاصير وعصور كثيرة
حتى قاربا عمر الأحافير
ما من أحفورة لهما إلا وهُما في وضعِ عِناق..
المنفى
منذ عشرين عاماً وأنا أسأل نفسي ذات السؤال الذي يطرحه المنفيون على أنفسهم في كلّ مكان من العالم وبكلّ اللغات: ما الذي نفعله هنا؟ هذا السؤال وجد الكاتب الأورغوائي كارلوس ليسكانو، نفسه أمامه، وجهاً لوجه ذات صباح في ستوكهولم، بعد إقامة تقارب الأحد عشر عاماً في السويد. لكن ليسكانو كان شجاعاً وحاسماً وواضحاً في تقديمه الجواب عملياً، من خلال العودة إلى مونتيفيديو، مدينته وعاصمة بلاده. يقول عن ذلك في كتابه الجميل العميق «الكاتب والآخر» ترجمة نهى أبو عرقوب: قلت لنفسي أرغب أن أعيش هناك (……) أن أعود إلى الروائح المألوفة، إلى الأماكن التي تتعرف إليها الذاكرة بدون أن يكون عليك التفكير بها، إلى الأحاديث التي لا تحتاج مرجعياتها إلى شرح. وفي مونتيفيديو حين سُئل عن سبب عودته، قال: لأن مونتيفيديو هي المكان الوحيد في العالم الذي لا أكون فيه غريباً. (……) هنا، لا أحد يسألني من أين أنا، وماذا أفعل هنا. هنا أعيش عن ظهر قلب….
*
الموعدُ ثَمَّ..
«يروي المؤرخ ابن عساكر في ترجمة عبد الواحد بن زيد البصري، العابد الواعظ، إنه دعا الله أن يريه رفيقه في الجنة. فقيل له في المنام، هي امرأة تدعى ميمونة السوداء، في الكوفة، فقصد حيث هي، فلما رأته قالت، يا ابن زيد ليس الموعد هنا إنما الموعد ثَمّ…»
الموعد ثمّ، دائماً، والجنة لمّا تزَل محجوبة.
*
حجارة الحقيقة
«حقيقتنا تكمنُ في الحجارة»
قول يشير إلى حقيقة الإنسان المُتْحَفِية.
حجرٌ في متحف أو عراء الأزمنة الطلق، هذا ما يدلّ عليه، حجرٌ تستعرضه عيون الأجيال التالية، أبداً، في فضول أو دهشة أو لامبالاة
في كتاب شعري اسمه العاطل عن الوردة 1988، أجدُ التالي:
«المتحف سوقُ الأزمنة والحجر الكهْل».
*
المنفى أيضاً
من مساوىء المنفى، أيضاً، (أقول «أيضاً» باعتبار أنّ مقدمة مساوئه مفروغ منها)، اضمحلال التراتبية الاجتماعية والثقافية المتعارف عليها في الوطن، أيامئذ. فالمنفى يتراءى كطبقة واحدة وسكانه أسرى انتفاء إرادتهم في استعادة وضعهم قبل النفي، إنه أشبه بالسجن حيث لا يمكن لنزيله أن يغلق بابه، بإرادته. والحديث هنا عن الثقافي في الدرجة الأهم.
*
مدن
آهٍ مِن مُدِنٍ لا تُرى زرقةُ سمائها إلا في الليل
وفجرها كاذبٌ على الدوام
*
رسائل
لا جدوى من الرسائل
ترسلها أو تتلقاها
لقد كتبتَ ذلك، بنفسك، من قبل
وقرأته!
*
النجوم التائهة
في الإنجيل يرد تعبير «النجوم التائهة» يأخذ أحد القسس ذلك كقرينة علمية. والأحرى القول إنه قرينة شعرية. فالمجاز الشعري في الكتب الدينية ربما أدعى لتقوية الإيمان من القرائن العلمية.
الفراشة هي اللهب
المرأة والرجل كلاهما فراشة وكلاهما لهب… وهو ما يُفسّر انخطافهما ببعضهما.
*
رؤية
الرائي لا مكان له في وادي العميان.
كالحبّ، ضريراً يمضي،
لكنه، يبصر
بوهج قلبه
ظامئ اليدين يلتمس طريقاً إلى الينابيع
*
حرية
سجين سابق: طرتُ لكنّ آثار القفص لا تزال على جناحي
*
الشعر
لا يتحقق تلقّي الشعر بما هو ذهني فقط، فهو مثل الإيمان يتضافر فيه العقل والقلب كي يحصل.
*
الفن
الفن يُشبه ما قالته الحورية ديلسين (الاسم المستعار داخل الرواية لـ ماريا مارغريتا) بطلة «راوية الأفلام» للكاتب التشيلي إيرنان ريبيرا لتيلير ـ ترجمة صالح علماني:
«كان هناك مَن يذهبون لرؤية الفيلم في السينما، ثم يأتون إلى البيت ليسمعوا روايته، ويخرجون بعد ذلك وهم يقولون إنّ الفيلم الذي رويته أفضل من ذاك الذي شاهدوه».
*
لعبة الكلمات والمعنى
الكلمات تترسب في قاع المعنى وتعجز عن بلوغه تماماً، وهو ما يُفسّر هذا العدد الهائل من الكلمات التي ينفقها الكتّاب، وتعدّد الأشكال وتفنّنها التي تجسّدها بالمحصلة كلماتهم. ربما المعنى برمته يكمن في سطر واحد أضاعه الانهماك في البحث عنه أو التحايل عليه عبر إطالة الطريق لبلوغه. لكن الكتابة في معطاها الأخير قد لا تخرج عما قاله الكاتب الإيطالي جيزوالدو بوفالينو، صاحب رواية «حكاية الدهّان ـ حولية الاحتضار» ـ ترجمة: ناصر إسماعيل، من أنها «كالسيجارة الأخيرة لمن حُكم عليه بالإعدام، والحليف الوحيد في مواجهة الفناء».
*
السطر المفقود
هناك سطر مفقود في كلّ ما كُتب ويُكتَب. وهو ما يفسّر هذه الفراسخ الهائمة من الحبر الذي يُهدرعلى مرّ العصور والأخيِلة.
المادة من كتاب بالأسم ذاته يعمل الكاتب على إنجازه
شاعر عراقي
باسم المرعبي