منطلقات الموقف الروسي من التسوية السياسية في سوريا… محادثات فيينا: عنق الزجاجة

بعيدا عن التكهنات المتفائلة بأن تنتهي لقاءات فيينا بحل سحري ينهي أعقد أزمات الشرق الأوسط الراهنة، وهي الأزمة السورية، فإن في اللقاء نفسه ـ حسب مراقبين ـ وبدون أي انسحابات مبكرة عناصر مبشرة لبدايات حوار سياسي قد يحل تدريجيا وبسرعة محل الحوار المسلح على الأرض.
وكانت موسكو قد كشفت في وقت مبكر من بدء المحادثات في فيينا نهار الجمعة، أن النقاط العامة في لقاء فيينا متفق عليها وتستند إلى بيان جنيف، وأن الأطراف المشاركة ستتبادل قوائم بالجماعات الإرهابية، والفصائل المعارضة التي ستنخرط بالعملية السياسية.
ميخائيل بوغدانوف المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون الشرق الأوسط، نائب وزير الخارجية والذي كشف النقاب عن ذلك في تصريحات صحافية، شدد على ضرورة أن يتم بالتوازي مع المفاوضات السورية، تحديد الزمر الإرهابية، والجهات المسلحة القادرة على مكافحة الإرهاب والانخراط في العملية السياسية.
تصريحات بوغدانوف ترافقت مع تسريبات شبه رسمية كانت «القدس العربي» قد حصلت عليها الأسبوع الماضي ونشرتها تتعلق بوجود خطة سياسية روسية تشبة خريطة طريق تمهيدية لأي محادثات حول سوريا، وكانت مصادر «القدس العربي» قد أكدت ان واشنطن تلقت الخطة الروسية التي تم نشرها مباشرة في لقاء جمع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره الأمريكي جون كيري في فيينا الأسبوع المنصرم، وقد كان مجمل بنود الاقتراح الروسي حسب ما نشرناه سابقا كالتالي:
1 ـ إعداد «قائمة أهداف» وكل من يرفض الحل السياسي ستتم إضافته إلى القائمة، وسيتم قــصــفه بواســطة المقاتلات الروسية والأمريكية وحلفائهما في سوريا.
2 ـ وقف كل المعارك على الخطوط الأمامية بين قوات المعارضة السورية والجيش السوري.
3 ـ إعداد مؤتمر حوار يضم معارضة الداخل والجيش السوري الحر. ويتم الاتفاق بنهاية المؤتمر على: إطلاق كافة المعتقلين، التخطيط للانتخابات البرلمانية والرئاسية، إصدار عفو عام، تشكيل حكومة وحدة وطنية سورية، الموافقة على تغييرات في الدستور يتم بموجبها نقل صلاحيات الرئيس لرئيس الوزراء المنتخب.
4 ـ يقدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه ضمانات بأن بشار الأسد لن يتم ترشيحه، ولن يرشح نفسه للانتخابات الرئاسية، لكن يمكن لشخصيات أخرى من عائلة الأسد أو شخصيات في النظام أن تترشح للانتخابات.
5 ـ على النظام والمعارضة التوافق على خطة لدمج قوات الدفاع الوطني والجيش السوري الحر وقوات أخرى في صفوف الجيش السوري والقوات الأمنية.
6 ـ تضمن روسيا عفوا عاما لكل أفراد المعارضة وناشطيها ومقاتليها داخل وخارج سوريا. في المقابل لن تقدم المعارضة على مقاضاة الأسد لجرائمه داخل وخارج سوريا.
7 ـ إنهاء الحظر المفروض على كل مؤيدي الأسد، وعلى مؤيدي مناطق المعارضة. تجميد كل أشكال القتال، وعلى كافة الدول المؤيدة والداعمة وقف الدعم العسكري لجميع الفرقاء في سوريا.
8 ـ تبقي روسيا على وجود قواتها في سوريا لضمان تطبيق خطة السلام بعد إقرار القوانين الخاصة بهذا الشأن في مجلس الأمن الدولي.
ألبرتو فيرناندز، السفير السابق في الخارجية الأمريكية، ونائب رئيس معهد الإعلام الشرق الأوسطي في واشنطن (ميمري)، علق على ما نشرته «القدس العربي» من تسريبات للخطة بقوله ( هنالك شيء ما يتم طبخه، وربما هذه الخطة هي الطبخة) مضيفا أن الأمريكان يتعلقون يائسين بأي حل أو مبادرة لأنهم يرغبون أن يتوقف تورطهم إلى هذا الحد في المنطقة.
ما هو الدور الروسي الجديد في الشرق الأوسط، وكيف تقود موسكو إدارة الصراع في المنطقة، وما هي مؤشرات لقاء فيينا ، كلها أسئلة حملتها «القدس العربي» بالجملة إلى مستشارة مدير معهد الدراسات الاستراتيجية في موسكو والمحللة السياسية إيلينا سوبونينا، التي بادرت بالرد أنها غير متفائلة كثيرا بلقاء فيينا للوصول إلى حل سياسي عاجل، وذلك حسب رأيها لأن الخلافات بين الأطراف المجتمعة كبيرة جدا.
لكن تستطرد سوبونينا أن المؤشرات الإيجابية تكمن في حقيقة أن الجميع هذه المرة مستعد للنقاش والحوار.
إيلينا أضافت لـ «القدس العربي» أن هذا لا يعني ان «الطبخة» جاهزة على حد تعبيرها، أو ان الحل قريب. وترى المحللة الروسية أن موسكو لديها اعتقاد بأن جميع الأطراف عليها العمل لكي تولد مبادرة، وأنه لا توجد مبادرة روسية لأنها أفكار لم تتبلور بعد.
إيلينا وفي معرض تزامن هذا التحرك السياسي مع العمليات العسكرية الروسية الأخيرة في سوريا، قالت أن على روسيا أن تفهم ان العمليات العسكرية يجب أن لا تطول كثيرا، مؤكدة ان تلك العمليات الروسية على الأرض السورية، ناتجة عن ضعف الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط مؤكدة أنه لو كانت إدارة أوباما قوية لما كانت هناك حاجة للتدخل العسكري الروسي.
الصحافي والإعلامي رائد جبر، المقيم في موسكو، من جهته أوضح لـ «القدس العربي» إعتقاده بأن تلك التسريبات عن الخطة الروسية تمثل السقف الأعلى للأفكار قبل اجتماع فيينا، خصوصا كما يقول جبر أن موسكو تراجعت فعليا عن بعض تلك الطروحات .
ويرى جبر المحلل المختص بالشؤون الروسية أن كل الأطراف أيضا ستعمل على طرح سقفها التفاوضي كبداية لعملية تسوية، وطرح مثالا في موضوع المرحلة الانتقالية التي ترى روسيا في تمديدها لأقصى حد ممكن بينما ترى أطراف أخرى من بينها السعودية إلى قصرها على 6 شهور.
ويستطرد جبر ان المرحلة الانتقالية تمثل العقدة الأولى في أي محادثات لحل الأزمة، بينمت تتمثل العقدة الثانية في رأيه في مصير الرئيس السوري بشار الأسد، فروسيا ترغب وبشدة في بقائه لطمأنة جمهوره الموالي، بينما الأطراف الأخرى مجتمعة لا ترى له أي وجود ولا أي صلاحيات.
وحسب رائد جبر فإن هناك ألغاما كثيرة في الأفكار الروسية وأنه على المجتمعين في فيينا بذل جهودا شاقة في سبيل عبور حقول الألغام الروسية الشائكة، مبررا الموقف الروسي أن روسيا تسعى للبقاء في سوريا حيث قواعدها الجديدة لفترة طويلة ولن تغادرها، وهذا يضع الموقف الروسي أمام سيناريوهين حسب جبر، الأول يكمن في سعي موسكو الجاد والحثيث للوصول إلى تسوية شاملة مع ضمان مصالح روسيا أو السيناريو الثاني والمبني على فشل التسوية وزيادة التعقيدات في الموقف فإن موسكو ـ حسب رأيه- ستراهن على الحفاظ على الجيب العلوي والودلة الساحلية بكل ما يعني ذلك من تقسيم.
من جهته، أعرب الإعلامي سامر إلياس المقيم في الدنمارك والذي عمل فترة طويلة في وسائل الإعلام الروسية عن اعتقاده بأن المبادرة الروسية التي نشرتها «القدس العربي» جيدة، لكن في رأيه تنقصها الجداول الزمنية، فهي تقر ضمنيا بعدم وجود دور للرئيس بشار الأسد في مستقبل سوريا، كما يقول، مضيفا أن الخلاف هو حول المدة الزمنية لبقاء الأسد في الفترة الانتقالية، وطول هذه الفترة.
وحول الموقف الروسي ومنطلقاته أكد إلياس أن خريطة الضربات الروسية حتى الآن رسمت «سوريا المفيدة» لموسكو وطهران وحزب الله متفقا مع رائد جبر بوجود الخطة «ب» في حال عدم التجاوب من القوى العظمى والإقليمية لتسوية شاملة فإن موسكو سوف تدافع عن هذه المنطقة باتجاه «دويلة علوية» متواصلة مع مناطق حزب الله ولها منفد بحري.
ويرى إلياس كذلك حسب قراءاته للتطورات وجود سيناريوهين أولهما يتعلق بتوافق دولي يتبعه مؤتمر «جنيف 3 « بوجود ممثلين عن الحكومة والمعارضة، وربما ـ حسب قوله ـ شهدنا في وقت لاحق «طائف» سورية على الطريقة اللبنانية في احدى العواصم الخليجية.
أما السيناريو الثاني فيرى إلياس أنه يكمن في رغبة واشنطن في توريط روسيا في حرب طويلة في سوريا، ويتم ذلك بخلافات حول أي جزئية في بنود الحل، أو التنفيذ، وحينها سوف نشهد تزويد معارضي الأسد بأسلحة حديثة وجديدة لتبدأ جولة أعنف من الحرب بين المعارضة والنظام على خطوط التماس من حلب إلى ادلب مرورا بحــمــاة وحتى حمص وريف دمشق.
جدير ذكره أن محادثات فيينا جمعت للمرة الأولى جميع القوى الخارجية المعنية بالصراع في سوريا، بما فيها إيران مع غياب كامل لكل أطراف الصراع الذين يتقاتلون على الأرض المتمثلين في حكومة الرئيس السوري بشار الأسد، والمعارضة السياسية السورية، والمعارضة المسلحة عن تلك المحادثات. مع غياب واضح لأي ممثل عن الأكراد السوريين في محادثات يرى فيها مراقبون أكبر من تسوية للأزمة السورية بما قد يتجاوز حدودها الجغرافية إلى إعادة ترتيب خريطة الشرق الأوسط من جديد حسب مصالح القوى الدولية والإقليمية.

مالك العثامنة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية