بالرغم من أن الأمير تركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودي السابق لا يملك صفة رسمية في بلاده، عدا أنه أمير بارز ونافذ في الأسرة السعودية الحاكمة، إلا أن الجمهورية الإسلامية في إيران، أظهرت إنزعاجاً غير عادي، من مشاركته في مؤتمر سنوي عقدته منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة في باريس، بسبب كلمته الواضحة والصريحة التي عبر فيها عن دعمه لجهود إسقاط نظام ولاية الفقيه، ولسيل الشتائم التي كالها لمؤسس النظام آية الله روح الله الموسوي الخميني. لكن الإيرانيين، وبقدر انزعاجهم من المشاركة السعودية، وهي تأتي في أوج التصعيد من الجانب السعودي للحرب الثنائية الباردة بينهما، فإنهم كانوا مرتاحين أو فرحين لما يمكن اعتباره» تسريبا» من رجل أمني، خبير في الاستخبارات وله إطلاع واسع على ملفات إقليمية مثل «مجاهدي خلق» خصوصا ما يتعلق منها بمصير زعيم المنظمة (الغائب منذ سنوات) مسعود رجوي.
ما أراح الإيرانيين، تلميح أقرب للتصريح من تركي الفيصل أن مسعود رجوي «مرحوم» خصوصا وأن الأمير الفيصل يعرفه جيدا، وهو الذي كان رتب له في العام 1987 زيارة «حج» سرية إلى السعودية من بغداد عندما كان رجوي فيها، ولم تعلن عنها المنظمة إلا في العام 2011، ما يشير إلى عمق العلاقة بينها وبين الاستخبارات السعودية، وهذا ما أشار له المسؤولون الإيرانيون، معتدلون ومحافظون متشددون، عندما عبروا عن غضبهم من مشاركة تركي الفيصل في مؤتمر «خلق» السنوي.
لكن سعيد شاه سوندي القيادي البارز السابق في منظمة مجاهدي خلق وكان عضوا في اللجنة المركزية وممن رافق رجوي في مسيرته ضد نظام ولاية الفقيه، لا يستبعد أن يكون «إعلان» الأمير الفيصل عن وفاة رجوي، يأتي للتمويه والتضليل، فيما يرى آخرون أنه جاء في سياق الحرب النفسية والإعلامية التي تشنها السعودية ضد الجمهورية الإسلامية، خصوصا وأن منظمة «خلق» فقدت بعد سقوط نظام صدام في العام 2003 عمقها الاستراتيجي والجوار الجغرافي الذي كان يؤهلها التسلل إلى داخل إيران لتعبئة الأنصار وتنفيذ العمليات كان أخطرها (فروغ جاويدان) أو «المرصاد» في العام 1988 وما عادت تملك أوراقا تؤثر بها على النظام.
ويضع الكثيرون مشاركة الأمير تركي الفيصل في إطار تبني السعودية الرسمي لمؤتمر منظمة «خلق» بل وحتى تمويله، وليس لدعم «مؤتمر المعارضة الإيرانية» من واقع أن المعارضة الإيرانية في معظم مفرداتها، تختلف كثيرا عن المنظمة التي وضعت في السابق في خانة المنظمات الإرهابية، ولا تزال مصنفة في إيران في هذه الخانة، بينما المعارضة الإيرانية الممتدة من الملكية الشاهنشاهية وحتى الليبرالية وبينهما الاصلاحيون والمعترضون على نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2009 تنأى بنفسها عن كل ما يمت لمنظمة خلق بصلة، رغم أن بعض المنظمات الإيرانية الانفصالية والمسلحة على غرار منظمة «خلق» باتت منذ وقت ليس بالقليل، تحظى بدعم لافت من السعودية أو أطراف داخلها، لتقويض نظام الجمهورية الإسلامية، ومنها «جيش العدل» الذي ينفذ عمليات تفجير وقتل لا تختلف كثيرا عما تقوم به «جبهة النصرة» في سوريا، وتنظيم الدولة الإسلامية «داعش» وهو أقرب في منهجه إلى القاعدة وينشط في إقليم سيستان بلوشستان.
ومع أن هذه المنظمات الانفصالية والمسلحة الصغيرة في العدة والعتاد، هي اليوم أكثر فاعلية من منظمة «خلق» بكل ما لديها من أموال وتأريخ، إلا أنها تظل تقلق النظام في إيران، وتجعله يفتح لها أكثر من حساب وهو يعيد ترتيب أولويات علاقاته الإقليمية والدولية، إلى الحد الذي جعل طهران تحتح لدى باريس بالرغم من أن الفرنسيين كانوا استضافوا آية الله الخميني قبيل إسقاطه من ضاحية نوفل لوشاتو نظام الشاه العتيد، وفي الوقت الذي تقوم به الإدارة الفرنسية الحالية بدور إيجابي فاعل وهام في إعادة تطبيع الجمهورية الإسلامية علاقاتها مع حليفات فرنسا الأوروبيات بعد عام على التوصل إلى «الاتفاق النووي».
ما يقلق الإيرانيين من خطوة تبني السعودية منظمة مجاهدي خلق علنا بعد أن كانت العلاقة بينهما سرية، هو إمكانية أن تنجح المملكة في إعادة بناء خلايا جديدة لمنظمة «خلق» داخل إيران، رغم أن الرأي العام الإيراني لا يقبل بسهولة أفكار المنظمة، لكن المال يفعل ما يريد!.
وتنظر طهران إلى الخطوة إنطلاقا من بعدها الإقليمي فقط رغم أن مؤتمر منظمة مجاهدي خلق، يعقد سنويا ويحضره باستمرار، سفير سابق ومسؤول سابق، ونائب سابق، لكنه تميز هذا العام بحضور ممثل عن المرشح الرئاسي الأمريكي رونالد ترامب، وبعض أعضاء مجلس الشعب المصري.
ومع أن عددا ثابتا من أعضاء مجلس النواب العراقي يحضرون باستمرار هذه المؤتمرات ويعلنون دعمهم العلني للمنظمة، إلا أن طهران احتجت فقط لدى الحكومة المصرية، ولم تحتج لدى بغداد!.
العديد من المراقبين ممن يعرف مزاج الإيرانيين، وحجم «خلق» الفعلي، بعد سلسلة انشقاقات، ومحاصرة المتبقي القليل من أعضائها في العراق، وأن متوسط عمر أعضائها لا يقل عن 55 عاما، وأن الأعضاء الشبان هم في الغالب من أبناء الأعضاء الحاليين، وبعض السابقين، وصعوبة تجنيد أعضاء جدد في إيران، يرون أن القلق الإيراني من «خلق» مبالغ فيه، وان التيار المتشدد سيستفيد من عودة المنظمة إلى الواجهة لحكم قبضته على الداخل، ويبرر عرقلته لمساعي الرئيس المعتدل حسن روحاني نحو الانفتاح الداخلي والخارجي. وسيستخدم المتشددون ورقة «خلق» والتصعيد السعودي، في الانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة بعد أقل من عام، لطرح مرشح متشدد «يتناسب والمرحلة الجديدة»، خصوصا أن هذا التيار، مارس اللعبة نفسها مع الإصلاحيين عندما قمع الاحتجاجات السلمية بُعيد الانتخابات الرئاسية لعام 2009 بحجة أن منظمة مجاهدي خلق شاركت فيها أو دعمتها، وهو ما نفاه في حينه الزعيم الإصلاحي المعترض مير حسين موسوي بقوله مخاطبا المتشددين آنذاك : «المنافقون – أي مجاهدو خلق- منظمة ميتة أنتم تحيونها» .
وعموماً فإن أمام التيارين الرئيسيين الحاكمين في إيران المعتدل(ومعه الإصلاحيون) والمحافظ الكثير مما يتوجب عليهما القيام به لمنع منظمة خلق من أن تصبح ورقة ضغط بيد السعودية أو غيرها، كما كانت في عهد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، بتحقيق المزيد من الانفراج في الداخل، وحل مشاكل القوميات والحريات الاجتماعية وفق الدستور، والسعي بجد لإعادة إعمار ما يسمى حتى الآن وبعد 36 عاما من الثورة الإسلامية «المناطق المحرومة» خصوصا في الأهواز وباقي مدن الإقليم العربي في خوزستان، وفي سيستان بلوشستان وكردستان، وإنهاء ملف ما يسمى بـ «فتنة 88» أي أزمة الانتخابات الرئاسية بالافراج فورا عن زعيمي الاصلاح موسوي وزوجته زهراء رهنود، ومهدي كروبي، وباقي السجناء السياسيين، وإيجاد مصالحة وطنية تحت سقف نظام الجمهورية الإسلامية. أليس كذلك؟!.
نجاح محمد علي