منعرج 5 أكتوبر والديمقراطية الصورية في الجزائر

حجم الخط
14

بعد ما يعرف بأحداث 5 تشرين الأول/أكتوبر1988 الفاصلة بين مشهدين سياسيين يبدوان متباينين؛ شهدت الجزائر إنتقالا أو إنقلابا سياسيا من حكم الحزب الواحد إلى التعددية، أي من الدكتاتورية إلى الديمقراطية، لكن الديمقراطية في الجزائر بداياتها كما آنيتها، عجيبة قلّ نظيرها، ولو بدأنا أولا بالمحرك الرئيسي لتلك الأحداث « الإستثنائية» التي يبدوا أن وراءها سر قد لا يعجب الكثيرين، ممن يؤمنون بأن الشعب خرج مطالبا بحقوقه السياسية والمدنية والثقافية…
بعد 26 سنة من ظلم جيش الحدود من حكموا الشعب بالحديد والنار بإسم الثورة التحريرية، فقرّر الشعب في نظرهم «أي الكثيرين « الخروج إلى الشارع للمطالبة بحقه. إلى ما ترتّب عن ذلك من إنتزاع الحقوق المسلوبة «التي قامت لأجلها الثورة التحريرية ضد المستعمر الفرنسي أسـاسا»، بدءا من حـرية إبــداء الـرأي وحـرية الصحـافة والسـماح بتأسيس الأحزاب من قومية إلى علمانية إلى إسـلامية إلى ماركسية» هذه الأخيرة التي لم تنقرض في الجـزائر إذ لازالـت تحـصد المـقاعد البـرلمانية»؟
وفتح المجال السمعي البصري «اليتيم» للأحزاب للحديث عن تياراتهم ومشاريعهم وراءهم الفذّة لمستقبل الجزائر آنذاك. ديمقراطية لم توأد في بدايتها رغم محدودية الحراك نسبيا آن ذاك في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر، بل إنتظر من قرّر إلغاء نتيجة الإقتراع والتي كانت في صالح الجبهة الإسلامية للإنقاذ، إلى حين ظهور نتائج الإنتخابات البرلمانية، ومن ثمّ الإنقلاب على الرئيس الشاذلي بن جديد ودفعه إلى تقديم إستقالته مُكرها، ليحل محله مجلس أعلى يحكم البلاد في مشهد إنقلابي درامي ودام في ما بعد.
بقية الفصول المرعبة لا داعي لتكرارها بالتفصيل في حيثياتها، مئات الآلاف من القتلى والمفقودين في عشرِ سنوات عجاف سميّت بالعشرية السوداء، ذاق فيها الجزائري كل المظالم التي لا تخطر على قلب بشر في ذلك الوقت، مذابح جماعية بالسكاكين كمجزرة بن طلحة، تفجيرات تهز العاصمة ومدن أخرى، حواجز مزيّفة كل من يمر بها يُذبح من الوريد إلى الوريد، إغتيالات طالت نخبا كثيرة وخسر المشهد الثقافي والسياسي والإعلامي الجزائري بسببها كثيرا من رجالاته، ومن أيام فقط إسترجع الجزائريون ذكرى مذبحة المعلمات اللواتي كنّ يتنقلن إلى مدينة مجاورة لتدريس التلاميذ، فنحرنّ نحر الشياه بـلا أي ذنـب لهـن في كـل المسـببات وما آلـت اليـه.
ليتم بعدها إحضار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كشخصية وطنية يدغدغ إسمه مسامع الطيبين ممن أحبّوا الرئيس الراحل بومدين، وليعلن عن المصالحة الوطنية التي لم تحتف الجزائر بذكراها منذ عامها الأوّل إلاّ هذه السنة، ليعرض التلفزيون الوطني الجزائري قبل أيام صور صادمة لم تُعرض من قبل حين وقوعها، يوم كان الجزائري يبحث عن ما يحدث في بلاده في القنوات الفرنسية أو العربية على قلّتها آنذاك. السخرية والتنديد الذي طال التلفزيون العمومي سواء من «النخب» بتشكيلاتهم وكذا عموم الجزائريين عبر مواقع التواصل الإجتماعي، «الفضاء الحر غير القابل للغربلة»، يطرح سؤالا: هل تسمى هذه «ديمقراطية» التي يتمتع بها الجزائري في إنتقاده أي شيئ يخص الوطن بدءا من رأس النظام إلى رئيس بلدية في بقعة ما من خريطة الجزائر الشاسعة ؟
هذا التنديد اللاذع الذي طال رئيس الوزراء أحمد أويحيى، إذ تعرّض لهجمة عنيفة في البرلمان في سابقة نالت منه ومن «برنامجه»، وأتهم بالكذب على الشعب وتمت مقاطعته أثناء عرضه لأجوبة عن تساؤلات النواب، قاطعته نائبة أين 1000مليار دولار التي دخلت الخزينة ؟ وارتفعت أصوات هنا وهناك بحدّة، لكن هذا لم يمنع من التصويت لصالح البرنامج «الذي خلا من الآجال المحدّدة له»؟.
في الجزائر يستطيع رسّام كاريكاتير أن يتجرّأ ويرسم الرئيس على شكل طفل صغير بحفّاض، يستطيع آخر أن يرسم المسؤولين ببطون منتفخة بأموال الشعب المسروقة وطرق نهبها وسلبها، يمكن لأي مواطن أن يتحدث عن فضائح ويكيليكس وملفات الفساد، وكتابة الأموال المنهوبة بالأرقام الفلكية، فضح كل المسؤولين والقيادات الفاسدة وتصوير ممتلكاتهم في الخارج وتداولها صوت وصورة بالتهكم والوعيد وو…. ومع ذلك لا يسقط النظام ولا يتغير.
هنا يتبادر للذهن السؤال الأكثر إلحاحا، كيف يصمد نظام يصفه القائمون عليه وأتباعه»بالديمقراطي» أمام هكذا فضائح؟ الآنّ هذا النظام المرئي ليس أكثر من واجهة أو درع للمؤسسة الحقيقية أو النظام الحقيقي اللامرئي الذي يحكم الجزائر، والذي لا تطاله الإنتقادات ولا يجرؤ أحد على المساس به؛ وإذا إستدعت الضرورة يُطاح بالمرئي هذا في مشهد من نوع آخر ربّما ليجيء بآخر.
هذه هي صورة الديمقراطية في الجزائر بعد 29 سنة من منعرج 5 تشرين الأول/أكتوبر.

كاتبة صحافية من الجزائر

منعرج 5 أكتوبر والديمقراطية الصورية في الجزائر

منى مقراني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية