منعطفات حاسمة حولت سوريا إلى ساحة حرب متعددة الجنسيات والولاءات: العسكرة والتطرف والروس وأوباما… أحد أبطال شعارات درعا: كانت مجرد مزحة ولم نكن نتوقع انتفاضة

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: دخلت الحرب في سوريا عامها السابع، فهذه الحرب التي بدأت بمطالب سلمية أصبحت ساحة حرب متعددة الجنسيات وخلفت وراءها حوالي نصف مليون قتيل وملايين الضحايا. وخلال السنوات الماضية مرت هذه الحرب بست مراحل حاسمة حسب تيم إيتون الزميل الباحث في تشاتام هاوس.
وقال في مقال نشره موقع «بي بي سي» إن الأولى علمت التحول من الاحتجاج إلى الحرب، وهي الفترة التي تمتد ما بين شباط/فبراير 2011 إلى تموز/يوليو 2012 قبل أن تعلن اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن سوريا دخلت مرحلة الحرب الأهلية.
ففي هذه الفترة تحول السرد الدولي الذي يموضع الاحتجاجات الدولية في سياق «الربيع العربي» ومطالب التغيير والمحاسبة إلى مرحلة من الحرب المستمرة. وكانت المعارضة السورية التي ظهرت في هذه الفترة تعكس ولا تزال تعكس حركة واسعة ولم تكن متماسكة. وردت الحكومة على التظاهرات بعنف وقمع وملاحقة، بشكل أدى إلى إنشاء عدد من الجماعات المسلحة.
وظهر الجيش السوري الحر في صيف عام 2011. أما بقية الجماعات الجهادية مثل أحرار الشام وجبهة النصرة فلم تظهر إلا نهاية عام 2011 وبداية عام 2012. وفي الوقت الذي تردد فيه الغرب بتقديم الدعم للمعارضة إلا أن دول الخليج ومتبرعين أفراداً منها وأبناء الشتات السوري بدأوا بإرسال الدعم للفصائل المتعددة. في المرحلة الثانية والتي بدأت في عام 2012 أعلن الرئيس باراك أوباما عن «الخط الأحمر» ومفاده أنه سيعاقب سوريا لو استخدمت السلاح الكيميائي.
وعندما استخدمه النظام في آب/أغسطس 2013 على الغوطة الشرقية قرب دمشق لم تتحرك الولايات المتحدة وقبلت عوضاً عن ذلك عرضاً روسياً بتفكيك الترسانة الكيميائية السورية.
وفي الوقت الذي دافعت فيه إدارة أوباما عن الصفقة إلا أنها أدت لجرأة نظام بشار الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين الذين فهموا من الصفقة على أنها شرعنة لاستخدام الأسلحة التقليدية الأخرى. وهز الموقف الأمريكي ثقة المعارضة وحلفائها بواشنطن. وبدد تصرف أوباما أية آمال بتدخل عسكري أمريكي في الحرب السورية حيث تصرف النظام وحلفاؤه بطريقة من لا يخشى العقاب.
أما التطور الحاسم والثالث فكان صعود المتطرفين، فبعد تردد أوباما بتطبيق خطه الأحمر حيث أثر هذا على حظوظ المعارضة المعتدلة التي تراجعت بسبب صعود الجماعات الإسلامية المدعومة من القوى الإقليمية.
وحتى قبل هذا التطور بدأت بعض فصائل الجيش السوري الحر بتبني شعارات إسلامية من أجل الحصول على دعم المتبرعين من دول الخليج، فيما انشق عدد من المقاتلين للجماعات الإسلامية ذات التمويل والتسليح الجيد.
وحاولت الجماعات الجهادية باستغلال ضعف الجماعات الأخرى لزيادة قوتها وتأثيرها داخل حركة المعارضة المسلحة واستهدفت في بعض الأحيان وحدات من «الجيش السوري الحر». وأدى هذا الوضع لاعتماد فصائل من «الجيش الحر» على الجماعات الجهادية في ميادين القتال.
وزاد من تأثير الجماعات الجهادية اعتماد الحكومة السورية على حزب الله وتحالفها مع بقية الجماعات الشيعية. وفاقم الوضع في سوريا، صعود تنظيم «الدولة»، وكان هذا هو المنعطف الرابع الحاسم في مسار الثورة السورية. فقد ظهر التنظيم أولاً على الساحة السورية من خلال إنشاء «جبهة النصرة» قبل أن يعلن اندماجه مع «جبهة النصرة» عام 2013 والذي رفضه تنظيم «القاعدة».
ونظراً لتركيز النظام على ضرب الجماعات المعتدلة من المعارضة فقد فتح المجال لصعود التنظيم وتحركه بسرعة. ففي حزيران/يونيو 2014 أعلن التنظيم عن تشكيل ما أطلق عليها «الخلافة» والتي ضمت مناطق في سوريا والعراق. ومن هنا أصبحت هزيمة التنظيم أولوية للقوى الغربية بشكل أثر على محاولات التسوية في سوريا بسبب التركيز على خيار «داعش أولاً». وكشف التدخل الغربي أو ما يعرف بالتحالف الدولي ضد تنظيم الدولي في أيلول/سبتمبر 2014 عن استعداد الغرب التدخل ضد الجهاديين وليس الدفاع عن المدنيين.

التدخل الروسي

وكان التدخل الروسي حاسماً من ناحية الحفاظ على النظام. فبعد الانتصارات التي حققتها المعارضة في بداية عام 2015، خاصة في إدلب أجبر الرئيس الأسد على الاعتراف بأن جيشه تنقصه القوة البشرية والعسكرية.
ومن هنا قررت روسيا التدخل لاعتقادها أن سوريا في حاجة إلى دعم عسكري مباشر. وهو ما حدث عندما أمر الرئيس فلاديمير بوتين بنهاية أيلول/سبتمبر 2015 بنشر الطائرات الروسية والمستشارين في سوريا. وتحولت روسيا المحكم الأول في محادثات السلام وهمش بشكل فعلي دور الأمم المتحدة والولايات المتحدة.
وجاء سقوط حلب، وهو المنعطف السادس ليكمل المسارات المؤلمة للثورة السورية. ففي شهر كانون الأول/ديسمبر 2106 أجبر القصف الروسي وطيران النظام مقاتلي المعارضة على الانسحاب من حلب الشرقية. وكان هذا بمثابة أهم انتصار للرئيس الاسد. وتلخص خسارة حلب نهاية الآمال لدى المعارضة بالإطاحة بنظام بشار الأسد. كما أكدت الأحداث في حلب دور روسيا الرئيسي على الساحة السورية.
وأدت لتحول تركيا إلى اللاعب الرئيسي أمام روسيا في الأيام الأخيرة من حكم أوباما. وبتخلي الولايات المتحدة والدول الغربية عن المبادرة في الأزمة السورية فقد خلت الساحة للروس والإيرانيين والأتراك كي يتفاوضوا فيما بينهم على تسوية نهاية للحرب.

ذكريات مؤلمة

وفي هذا السياق تبدو خربشات الأطفال في درعا «أجاك الدور يا دكتور» ذكرى مؤلمة وبعيدة. وبالنسبة لمعاوية فيصل صياصنة فلا يحب التفكير في السنوات الست الماضية لأنها تجلب له الألم او الحزن إن لم يكن يشعر بالذنب.
وأصبح هذا الفتى ثوريا في سن الرابعة عشرة عندما كتب مجموعة من أصدقائه شعارات جدارية على حائط المدرسة في درعا، بجنوب سوريا في شهر شباط/فبراير 2011. واعتقلته المخابرات وأصدقاءه. وأدى الاعتقال لخروج أهل المدينة بتظاهرة نادرة تحدوا فيها النظام. واستمروا في التظاهر حتى عادوا إلى بيوتهم وآثار الرضوض والتعذيب بادية عليهم بعد 26 يوماً من اعتقالهم.
ولم تتوقف التظاهرات التي رد عليها النظام بالرصاص والقنابل المسيلة للدموع. وفي 15 آذار/مارس انضمت المدن الأخرى لأهل درعا فيما عرف بـ «يوم الغضب». فالمزحة البريئة قادت البلاد إلى حرب واسعة أدت لأكبر كارثة إنسانية يواجهها العالم منذ الحرب العالمية الأولى وتشريد ربع السكان الذين تدفقوا على أبواب أوروبا بشكل أدى لصعود اليمين الشعبوي.
وفي حديث لصحيفة «دايلي تلغراف» البريطانية مع صياصنة بالهاتف من مدينة درعا قال فيها «شاهدنا التظاهرات في تونس ومصر وتشجعنا للكتابة على الجدران» و»كانت مجرد مزحة فلم نكن نتوقع ابداً أن تندلع انتفاضة في سوريا». وتشير إلى أن صياصنة نشأ في درعا التي تعتبر سلة غذاء الجنوب والقريبة من الحدود مع الأردن. وتتذكر عائلته أن سوريا حكمها نظام الأسد العلوي.
وفي المدرسة لقن معاوية الشعارات المؤيدة لحزب البعث وأن يتجنب الحديث في السياسة. ويقول للصحيفة إن الخربشة على الحائط كانت تصرفاً يعبر عن الغضب «لقد كنا غاضبين ومرضى من القمع والتعذيب».

في المعتقل

وعن تجربته في المعتقل يقول إنه اعتقل بعد حادث الكتابة بثلاثة أيام ونقل إلى فرع فلسطين سيئ السمعة في دمشق. ويقول «لقد ضربوني بالكوابل وصبوا الماء المتجمد علي وصعقوني بالكهرباء مرات عدة» و»علقوني من يدي في السقف وتركوني معلقاً مدة يوم حتى اعترفت واعطيتهم اسماء بقية الأولاد». ويعلق قائلاً «كان الأمر صعباً جداً فقد كنت حينها ولداً صغيراً» و»لم أكن أتوقع مغادرة السجن حياً».
وبعد الخروج من السجن انضم للتظاهرات واعتبره المحتجون بطلاً لجرأته على تحدي النظام. وترك المدرسة وانضم للثوريين وواصل الكتابة على الجدران وساهم في مساعدة القاعدة الشعبية التي كانت تتجمع كل أسبوع مطالبة برحيل النظام. وأخذت حياة معاوية منعطفاً كبيراً عندما قتل والده المهندس الزراعي المتقاعد في عام 2013. ويصفه «لم يكن والدي مقاتلاً ولم يحمل سلاحاً في حياته». وقتل في طريقه لصلاة الجمعة «وعندما وصلت المستشفى كان قد فارق الحياة». ولهذا قرر الانضمام للجيش السوري الحر وكان عمره 16 عاماً عندما حمل البندقية و 17 عاماً عندما قتل أول جندي.
ويعلق قائلاً «لم أتخيل يوماً بأنني سأطلق النار على أي شخص ولكنه كان كل حياتي (والده) وأردت القتال من أجله. ولم أهتم لو مت شهيداً وأنا أقاتل النظام لأنني سأكون مع والدي».
وبعد شهر من انضمامه للمعارضة المسلحة أصيب برصاصة قناص تركته حتى اليوم يعرج. وبعد سنوات من الحرب تحول مهد الثورة إلى دمار، فقد غادر نصف سكانها الذين كان يبلغ عددهم حوالي 100.000 نسمة إلى الأردن وأصبحوا لاجئين في أوروبا.
وتم اعتقال عدد كبير من الذين بقوا وقتلهم. والقصة نفسها في كل مدن الثورة من حلب إلى حمص وحماة ونواحي دمشق التي قام النظام إما بقصفها أو تجويعها. فبعد سقوط زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر ومعمر القذافي في ليبيا لم يكن أحد يتوقع استمرار بشار الأسد في السلطة بعد ستة أعوام. ويقول صياصنة إن الكثير من زملاء المدرسة اعتقلوا وقتلوا من قبل أزلام الأسد ولكنه لا يستطيع إلا الشعور بالحنق على الذين قرروا الهجرة في وقت كان بلدهم في حاجة إليهم. ولا يزال يعيش مع والدته وأشقائه الثلاث في بيتهم المدمر جزئياً ويعتمدون على راتبه الذي يتقاضاه من «الجيش الحر».
ومن الفتيان الأربعة الذين كتبوا على جدار المدرسة قتل واحد منهم وغادر اثنان إلى الخارج. ولم يتواصل صياصنة مع أي منهما لأن لا يريد تذكر تلك الأيام. فهو واحد من كثيرين خسروا طفولتهم وشبابهم في الحرب فيما يعرف بالجيل الضائع ولم يعد يحلم بالذهاب إلى الجامعة لكي يصبح طياراً ولا يفكر في الزواج وإنجاب أطفال ولكنه يريد أن يتذكره الناس بالمقاتل «الذي جلب الحرية إلى سوريا».
وعندما سألته الصحيفة عاد للوراء فهل سيفعل ما فعل أجاب «لو كنت أعرف ما أعرفه اليوم لما فعلت» و«لم أكن أتوقع أن تكبر ولا أن يقتل أبي ولا الآلاف من آباء الأطفال الآخرين واشعر بالندم لوفاة الكثير من الناس الأبرياء». فالشعارات التي كتبت على حائط مدرسة البنين تردد صداها في أبعد من درعا حيث جلبت إلى سوريا أكثر من 60 دولة كل منها يدعم طرفاً في الحرب.

ذكريات ما قبل الحرب

وبين الأنقاض ودمار الحرب برزت مدينة حلب كرمز للثورة التي دخلت عامها السابع. واختارت صحيفة «واشنطن بوست» التركيز على ماض المدينة قبل الثورة من خلال شهادات عدد من القراء الذين زاروها.
فقبل اندلاع الثورة وتقسيمها بين النظام والثوار عام 2012 كانت حلب العاصمة التجارية لسوريا كانت مقصداً للسياح وفيها كل العناصر التي تجلب الاهتمام لها: الطعام والثقافة والتاريخ. وكانت حصيلة المشاركات صورة سماوية عن مدينة جميلة.
فقد كتب غريغ سوديوش من أستراليا الذي زار حلب عام 1998 قائلاً إن الابتسامات كانت في كل مكان، حيث وصل مع زوجته حلب ليلاً وكيف توقفا لطبخ عشائهما وتحدثا مع أطفالها. وتقدم الصور والتعليقات صورة عن مدينة حية وغنية بالتاريخ والثقافة والطعام.

لسنا إرهابيين

وأثناء القصف والقتل تحولت حلب إلى رمز للمعاناة فمنها خرجت بانا العابد التي سجلت يوميات الحصار وعمران دنقيش البالغ من العمر خمسة أعوام الذي أصبحت صورته رمزاً للوحشية التي مارسها النظام والروس، ومنها جاءت منظمة الدفاع المدني أو الخوذ البيض.
وفي فيلم عرضته قناة «أتش بي أو» يوم الإثنين «صرخات من سوريا». وقدم الفيلم توثيقاً للحرب السورية التي بدأت قبل ستة أعوام. والقصة معروفة إلا أن صوت الانتفاضة راكم زخماً بموت الطفل حمزة الخطيب، 13 عاماً تحت التعذيب، حيث غطت الرضوض جسمه وتم قطع عضوه الذكري.
ويشرح الفيلم ما جرى لسوريا والسوريين وما فعله النظام. وتدخل الثورة عامها السابع في وقد قررت فيه الإدارة الأمريكية الجديدة وقف الدعم عن المعارضة السورية تحت ذريعة محاربة تنظيم الدولة.
وفي هذا السياق نشر موقع «دايلي بيست» شريطا مؤثرا لبانا العابد تناشد فيه الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب، اسمي انا بانا العابد وعمري 7 أعوام من مدينة حلب في سوريا. ونحن أطفال سوريا ولسنا إرهابيون ومثل أطفالك»، «من فضلك ساعدنا على وقف الحرب لأن الأطفال يستحقون الحياة». واستطاعت بانا الخروج من حلب في أثناء عمليات الإجلاء في كانون الأول/ديسمبر2016 واستقرت في تركيا مع عائلتها.
وانضمت إليها خلود حلمي الناشطة والمؤسسة المشاركة لصحيفة سرية اسمها «عنب بلدي» وهي صوت من الأصوات في فيلم «صرخات من سوريا». وقالت حلمي «تمثل بانا صوت أطفال سوريا، فقد تعرضت للحصار في حلب وأجبرت على الخروج من مدينتها وإلى خارج البلاد».
وأضافت «يمثل صوتها كفاح الأطفال الذين يستحقون الحياة ومن المفترض أن يذهبوا إلى المدرسة واللعب، مثل بقية الأطفال، ولم يكن عليها أن تقوم بإرسال تغريدات، إلا أن الظروف أجبرتها على هذا لأنها تعرف اللغة الإنكليزية. وسمع صوتها إلا أن الكثير من الأطفال لم يسمع صوتهم لأنهم لا يعرفون الإنكليزية وكانوا يقتلون كل يوم». وهناك إيلان الكردي الذي ذكرت جثته الملقاة على الشاطئ العالم بحجم المعاناة التي يواجهها اللاجئ السوري.
ويقول مخرج فيلم «صرخات من سوريا» أيفجني أفينفسكي «يمثل إيلان موت الجيل الصغير في سوريا لأن الثورة بدأت بموت الأطفال» أما «عمران فيمثل رمز الصراع من أجل الحياة وتعبر بانا عن الأمل، أمل العودة إلى وطنها وأمل الأطـفال العـاديين في سـوريا الجديـدة».

منعطفات حاسمة حولت سوريا إلى ساحة حرب متعددة الجنسيات والولاءات: العسكرة والتطرف والروس وأوباما… أحد أبطال شعارات درعا: كانت مجرد مزحة ولم نكن نتوقع انتفاضة

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية