فوجئنا في صحيفة «القدس العربي» بإتخاذ السلطات الأردنية اجراء بوقف طباعة نسختها الورقية الصادرة من العاصمة عمّان، من خلال قرار تم تبليغه للمطبعة.
و»القدس العربي»، تقدّر الأردن ومواقفه وتحترم قيادته ومؤسساته، وحرصت على مراعاة مصالحه الأساسية والمصالح العربية عموماً من خلال تقديم الآراء الموضوعية والأخبار الدقيقة وتجنب التفاصيل التي من شأنها إثارة التكهنات أو إعاقة الأمن والاستقرار في بلد يحترق الإقليم حوله مثل الأردن.
ثمة في عمان من قرر عدم الالتفات إلى هذه الإيجابية التي تمارسها «القدس العربي»، فعاد إلى تلك الذهنية الخبيرة بصناعة الخصوم والتعريض بالمهنية الرفيعة وإعاقة حريات النشر والطباعة مقابل السماح بظهور وانتشار شبكة كبيرة من الإعلام السيء الرديء الذي يعاني منه الأردنيون ويشتكي منه القصر الملكي الأردني قبل الجميع.
خلافا لما تقوله القيادة الأردنية، فإن سقف الحرية الإعلامية في المملكة انخفض، والقرار الأخير دليل عليها، فسياسة منع طباعة الصحف تنتمي إلى تلك العقليات التقليدية التي توحي ضمنيا بأن في عمان حكومة لا تثق بنفسها ويوجد لديها فعلا ما تخفيه.
نتذكر الملك الراحل الحسين بن طلال عندما جمع القوم عام 1997، في مناسبة منع دخول «القدس العربي» تحديدا وإغلاق مكاتبها بالشمع الأحمر، وألقى خطابا شهيرا قال فيه «نثق بأنفسنا ولا يوجد ما نخفيه، وسياسة مراقبة المطبوعات ينبغي ان تتوقف اعتبارا من اللحظة».
فعلا رفعت السلطة آنذاك، وامتثالا للأمر الملكي، شعار «المطبوعات الأجنبية من المنتج إلى المستهلك»، وتم تعديل الأنظمة القانونية ذات العلاقة، لكن الرقيب المتخصص بمراقبة الكلمة ومصادرتها بقي حاضرا ومتربصا.
للأسف، كان الأردن ولا يزال من البلدان القليلة في العالم التي توجد فيها إدارة متخصصة بمراقبة المطبوعات ومنعها حتى وإن منحتها السلطات اسما مختلفا أو وصفا تمويهيا، وهي نفسها الإدارة التي راسلت المطبعة مباشرة وقررت وبصورة خفية لا تليق بالأردن، منع طباعة «القدس العربي» من دون اي اتصال من أي نوع مع مكتب الصحيفة وممثليها.
اتخذ القرار سرّاً ثم بدأت سلسلة من الذرائع البيرقراطية دون أن يتم إبلاغ الصحيفة ولا مكتبها في عمان بأي موقف او سبب واضح ومحدد. وطوال خمسة أيام طلبت فيها الوزارة المعنية مهلة لمراجعة القرار الذي يبدو أنه اتخذ من جهات خارج الحكومة وأقوى منها تتجاهل عندما تقرّر، لاعتبارات غير مفهومة، مبادئ تشجيع الاستثمار والتفاعل الإيجابي المهني والقانوني معه، وتتعاكس مع الصورة التي يحاول زرعها في العالم ملك عصري منفتح يجيد مخاطبة الإعلام الغربي ويعلن تأييده لرفع سقف حريات الصحافة ويتذمر هو نفسه من «رقيب المطبوعات».
يجول ملك الأردن طول بلاد الله وعرضها وهو يحاول اجتذاب ما تيسر من «استثمار» ويعرض على من يزور البلد ميزتين لا ثالث لهما: الاستقرار الأمني والسياسي وحريات الإعلام في بلاده. ومن يحبط خطط الملك ويعاكس اتجاهاته ومشاريعه هم مجموعة من الموظفين البيرقراطيين وليس الصحف الكبيرة أو الأقلام الواعية المهنية.
المشكلة ليست على الإطلاق بعبور كلمة او معلومة مكتوبة هنا وهناك ولكن بالأدوات والذرائع التي تعلي دوما من شأن «الأمني» على حساب الوطني المصلحي والسياسي والقانوني والدستوري.
مشكلة الأردن بهذا النمط من «الفصام» والفوارق التي تتمأسس يوميا ما بين الخطاب الملكي الإصلاحي وتصرفات الأجهزة التنفيذية وفي مختلف القطاعات والساحات.
مشكلة الأردن لا يمكن اختصارها بصحيفة عريقة ووازنة مهنيا مثل «القدس العربي»، ولن تعالج ولن تحل مشكلات المملكة الأردنية الهاشمية بمنع طباعة الصحف وبالسماح بمثل هذا الفصام.
من يخطط لتلفزيون مجتمعي يمثل المستقبل ويستعين بالمهنيين ويدعم الاستقلالية المهنية لا يمكنه الاسترسال في منع طباعة الصحف ومطاردة النشر والتضييق على الحريات الإعلامية والاستثمار الإعلامي على هذا النحو الفصامي المخجل.
تغيب نسخة «القدس العربي» الورقية عن قرائها وأسرتها في الأردن الشقيق بعد القرار العرفي المخالف للقانون لكنها معهم في نسختها الإلكترونية وستعود للدخول بالنسخة الورقية كصحيفة خارجية ولن يؤثر مثل هذا الإجراء غير المبرر على موقف «القدس العربي» ومبادئها وأخلاقياتها المهنية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالحرص على مصالح الأردن والأردنيين.
رأي القدس