ربَّما من نافِلِ القول الإشارة – وبمناسبة عملية الدَّهس التي جرت بالأمس القريب في القدس وردود الفعل المختلفة حيالها – إلى أنَّ شرارةَ الأحداث العنيفة، ومن ثمَّ دائرة العنف لها أسبابها الواقعيَّة الآنيَّة الطَّارئة المباشرة في كثيرٍ من الحالات، بل ربَّما في أغلب الحالات، هكذا كان الأمر بما يتَّصِلُ بأحداث لانتفاضة الأولى والثَّانية على سبيل المثال.
ومهما اختلَفَتْ وجهات النَّظر حيال مثل تلك الحوادث أو العمليَّات وحولَ حِدَّة تأثيرها الانفعالي إلَّا أنَّها – وكما تُمليه طبيعة الواقع الفلسطيني الرَّاهن – تبقى أعمالاً ومبادراتٍ فرديَّة بحيث يصعُب استثمارها على نحوٍ سياسيٍّ مُجْدٍ ضمن هذا المناخ الدَّولي والإقليمي الرَّافض لاستخدام وسائل المقاومة العنيفة، وضمن بيئة الموقف الرَّسمي الفلسطيني الَّذي حسَمَ أمره وموقفه القاطع تجاه استخدام هذه الوسائل ومنذ زمنٍ بعيد.
وقد رأى الجميع – وفي مثل هكذا بيئة سياسيَّة وإقليميَّة ودوليَّة – كيف كان بمقدور إسرائيل أنْ تستثمر أحداث الانتفاضة الثَّانية وبكل ما اعتراها وواكبها من آلام وخسائر لصالح محاولة صياغة المشهد الفلسطيني وصياغة المرحلة التي أعقبت ذلك مستفيدةً مِمَّا لها من مزايا قوَّةٍ طاغية على أرض الواقع.
بالإجمال، فليس أمر تحديد الموقف من ذلك من حيث المبدأ هو موضوع هذا المقال. لأنَّ الأمر الأكثر أهميَّة ربَّما من ذلك، هو مناقشة حقيقة وواقع لاستثمار الإسرائيلي لمثل تلك العمليَّات على الصَّعيد السِّياسي والإجرائي والإعلامي والدِّعائي الدَّولي والإقليمي، في بيئةِ خواءِ الواقع العربي المُرْتَبِك والمُرْبِك أصلاً، بما فيه من التَّشَظِّي والاحتراب؛ وبما أفضى إليه من واقع الغياب العربي التَّام عن الفعلِ والتأثير في السَّاحةِ الدَّوليَّة، أضِف إليه واقع الانقسام الفلسطيني، كما يأتي ذلك كلّه في مناخ النِّفاق الدَّولي المُزْمِن تجاه القضيَّة الفلسطينيَّة، وتجاه حقوق الشَّعب الفلسطيني الأساسيَّة.
يحصُلُ ذلك – وأعني بِهِ استمرار واجترار مفاعيل دائرة العنف – ويستمرُّ للأسف وتُدْفَعُ حياله أثمانٌ باهظة بشريِّاً وأخلاقيَّاً واقتصاديَّاً؛ لأنَّ لذلك أسبابه الواقعيَّة، إذْ ينبغي النَّظر إلى ذلك من حيث الأساس من زاوية ارتباطه بجملَةٍ من الحقائق والوقائع والمشكلات المُرَكَّبة التي يفرضها واقع الاحتلال في الأساس، وبسبب المحاولات الدَّائمة المستمرَّة والدَّؤوبة من جانب إسرائيل لفرض حقائق القوَّة والدِّيموغرافيَة الاستيطانيَّة المُسْتَحْدَثةِ على الأرض في عموم الضِّفة الغربيَّة، وخصوصاً في القدس، وليس كما يحلو لإسرائيل دائماً أنْ تصور وتُفِسِّرَ الدَّوافع والوقائع والمجريات والأحداث تفسيراً طوباويِّاً أو موثولوجيَّاً مُخاتِلاً بعيداً عن مجريات الواقع المؤلم والكئيب – والمُحتاج لعلاج جذور المشكلة سياسياً – والَّذي تعتريه حالةٌ من اليأسِ وفقدان أيَّ بارقةِ أملٍ في حلولٍ منطقيَّة عادلة ولو نسبيَّاً، أو توفُّرِ أيَّ أُفُقٍ سياسي بالنِّسبة للفلسطينيين في المدى ما وراءِ المنظورِ حتَّى !!.
تحصلُ مثل تلك الحوادث والأحداث ليسَ لأنَّ الماضي قديمٌ حكيمٌ مُلْهَمٌ ومُلْهِمٌ، ومُفْعَمٌ بالأسرارِ الموثولوجيَّة كما ترغب إسرائيل في تصويرِه منهجيَّاً وأصلانيَّاً، بحيث ينبغي أنْ يُنْظَرَ إليهِ بحَسَبْ زاوية الرُّؤية الإسرائيليَّة بقداسة، كما أنَّه ينبغي له دائماً أنْ يحمِلَ ويُلْهَمَ إجاباتٍ ناجزة وفوريَّة حول وقائع الحاضر المؤلِمة، وليس لأنَّ الماضي مُتَكَرِّرٌ مُستمر بمشاهده الدَّامية بغضِّ النَّظر عن أيِّ سَبَبٍ راهن، ومرَّة أخرى كما تُحاولُ إسرائيل أنْ تُصَوِّرَ ذلك؛ وليس لأَنَّ وقائع الماضي ينبغي لها دائماً أنْ تُحَدِّدَ رؤيَةً حتميَّةً للمستقبلِ لا فِكاكَ منها، وأنْ تُحَدِّدَ وتفرضَ ذات الوسائل والآليَّات في التَّعامل مع المجريات الرَّاهنة والمستقبليَّة؛ بحيث يكون الماضي سواءً البعيد أو القريب دليلاً قاطعاً على صحة العودة لاستخدام تلك الآليَّات والوسائل، ومُجَدَّداً بِحَسَبِ الرُّؤية الإسرائيليَّة – علماً انَّه قد ثبت عكس ذلك تماماً فيما نرى من سياقاتٍ وأحداث تخرج عن دائرة السَّيطرة فتُفاجِأَ الجميع بما فيهم إسرائيل نفسها – وليسَ لأنَّ الماضي على الدَّوام يجب أنْ يكون أب الحاضر وجدُّ المستقبل، وليس لأنَّ مفاجَآت الحاضر جذورُها سَرْمَدِيَّة، ولا صِلَةَ لها بمجريات الحاضر الآنيَّة أو الطَّارئة، وبحيث يُفسَّرُ أمر ما يحصلُ من أعمالٍ وعمليَّاتٍ – دعائيَّاً – دائماً بكونِه يحمِلُ دوافِعَ غامضة من الكراهيةِ المُرْتَبِطَةِ بجهاتٍ خارجيَّة شِرِّيرة لا صلة لها بالواقع على الأرض هنا كتنظيم الدولة حاضراً – مثلاً – أو القاعدة سابِقاً على سبيل المثال؛ إذْ هكذا يجري تصوير الأمر من قِبَلِ إسرائيل دائماً وتُنْقَلُ هذه الصُّورة إلى الخارج معزولَةً بشكلٍ تامٍ عن مفاعيل السِّياسات والإجراءَات الإسرائيليَّةِ على الأرض، بل إنَّ الأمرَ يبدو في إسرائيل وكأنَّهُ لازِمَة منهجيَّة تقول: هكذا ينبغي أنْ يكون الأمرُ دائماً من وجهة نظر إسرائيل في تعامُلِها مع الفلسطينيين وما يفعلون- علماً بأنَّ جزءا من الطَّبقةِ السياسيَّة في إسرائيل تدرك الأمر على حقيقته من أنَّ العنف من جانب الفلسطينيين كانت له أسبابه الواقعيَّة المُرْبِكة لإسرائيل والمتَّصِلة أساساً بدوام واقع الاحتلال واستشراءِ الاستيطان وهو ما كان قد جرى التعبير عنه في مناسباتٍ عديدة وفي مراحل مختلفة وعلى لسان أكثر من مسؤولٍ إسرائيلي، وعلى ألسنَةِ قطاعاتٍ مهمَّة من نُخَبِ المجتمع الإسرائيلي عبر تاريخٍ طويل من الصِّراع وفي أكثر من محطَّة من محطَّاته الدَّامية. ولأنْ كانَ الماضي مُلْهِماً فإنَّهُ مُلْهِمٌ لجهَةِ إثباتِ عدم جدوى مزيدٍ من القوَّة والسِّياسات الانفعاليَّة في معالجةِ دوافع العنف واثر السِّياسات الخاطئة والجائرة، وهذا الاستخلاص – ومرَّةً أخرى – كانت توصَّلتْ إليه قطاعات أساسيَّة من الطَّبقة والنُّخبة السِّياسيَّة في إسرائيل سابقاً.
لكن وللأسف، فعلى ما يبدو أنَّ ثمَّة قاعدة منهجيَّة هناك في إسرائيل كانت وما زالت تقول: هكذا ينبغي – وهكذا جرى وسيجري في المستقبل – استثمار أيَّ أحداثٍ من العنف أو العمليَّات من نوعِ عمليَّة الدَّهس الَّتي حصلت في القدس بالأمس القريب، وهكذا سيستمر هذا النَّوع من الاستثمار، سياسيَّاً وإعلاميَّاَ وإجرائِيَّاً، داخليَّاً وخارجيَّاً من جانب إسرائيل، دون إبداءِ أيِّ نوعٍ من الاستعداد لمراجعة ذلك منهجيَّاً وبشكلٍ مسؤولٍ تاريخيَّاً وأخلاقيَّاً من جانب المجتمع الإسرائيلي ونخبه المختلفة وطبقته السِّياسيَّة على اختلاف مشاربها وتوجُّهاتِها.
في مناسبةٍ كهذه يُسارِعُ وزير الدِّفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان إلى التَّعقيب على العمليَّةِ بالقول: إنَّ هذه العمليَّة جرت ليسَ لأيِّ سَبَبٍ سوى كَوْننا يهوداً نعيشُ في هذه البلاد، ويُسارِعُ رئيس الوزراء الإسرائيلي بن يامين نتنياهو وبعد دقائق من وقوع العمليَّةِ إلى القول إنَّها من فعلِ تنظيم الدولة وبإيحاءٍ منه – وربَّما قد تمَّ التحضير لهذه الأقوال حتَّى قبل التأكُّد من هويَّةِ منفذ العمليَّة، وقبل التأكُّد من دوافعها الحقيقيَّة وحيثياتها – وفي مناسَبَةٍ كهذه تُسارع العواصم الدَّوليَّة والإقليميَّة إلى الإدانة بأشَدِّ وأقسى عبارات الإدانة، وهي مُناسَبة من جانب إسرائيل للحصولِ على تأكيدات إضافيَّة مُلِحَّة للتَّعَهُّدات الأمريكيَّة والأوروبيَّة – الثَّابتة الرَّاسخة الدَّائمة – بالمحافظة على أمن إسرائيل ومستقبلها؛ ولِذا يجري ربط مثل هذه العمليَّات من جانبِ نتنياهو بتنظيمِ الدولة كمنظَّمة مُصنَّفة دوليَّاَ وإقليميَّاً وبالإجماع بالمنظَّمة الإرهابيَّة، كما كانَت تجري مُحاولات ربط العمليات التي واكبت لانتفاضة الثَّانية سابقاً بتنظيم القاعدة من قِبَلِ أرِئيل شارون في بيئة الحروب الأمريكيَّة في أفغانستان والعراق؛ وذلك من أجل القول للعالم أنَّ إسرائيل هي في طليعة من يكتوي ويُواجه الإرهاب الَّذي يُواجهه الغرب والعالم عموماً.
وفي مناسبَةٍ كهذه تُحاول إسرائيل ابتزاز السُّلطة الفلسطينيَّة من خلال اتِّهامها بالتَّقصير في مهامِّها الأمنيَّة داخل المناطق التي تسيطر عليها – علماً أنَّ إسرائيل قد ألغت واقعيِّاً بعد الانتفاضة الثانية حدود سيطرة السُّلطة الفلسطينيَّة على المناطق التي كانت مصنَّفة ضمن ولايتها الأمنيَّة الكاملة، وباتت تتطَّلِعُ هي نفسها بهذه المهمَّات بشكلٍ مباشرٍ وبشكلٍ يومي استخباريَّاً وميدانيَّاً – وهي كذلك مناسَبَة لمزيدٍ من المُزايدات الحزبيَّة والإعلاميَّة داخل إسرائيل بين الحكومة وأوساط المعارضة، وهي مناسبة لرفع وتيرة القلق لدى المجتمع الإسرائيلي من جانب أحزاب اليمين المتطَرِّف من مخاطر السَّلام مع الفلسطينيين، وهي فوق كل ذلك مناسبة للقيامِ بحملات دعائيَّة إعلاميَّة ودبلوماسيَّة ضخمة ومُنَسَّقة في الخارج ضدَّ الفلسطينيين !!.
من هذه الزَّاوية – كما يمكن أنْ نرى على الأقل – ينبغي رؤية وتقييم مفاعيل وارتدادات ردود الفعل الفلسطينيَّة العنيفة على واقع الاحتلال والاستيطان، فليس بمقدورِ أحد بما فيهم السُّلطة الفلسطينيَّة أنْ يضمن عدم تكرار ذلك – وإسرائيل تدرك ذلك جيِّداً – وليس بمقدورِ الإدانات الدَّوليَّة أن تفعل ذلك، ولكن بمقدور الجميع وإسرائيليَّاً في الأساس ومن ثمَّ دوليَّاً وإذا توفَّرت النَّوايا والجدِّيَّة وأساساً منطقيَّاً من العدالة والمسؤوليَّة الأخلاقيَّة والسِّياسيَّة؛ أنْ ينزِعوا فتائل وأسباب اندياح دائرة عنفٍ جديدة تخرج عن سيطرة الجميع. كما ينبغي على القيادة الفلسطينيَّة أنْ يكون بمقدورها – وعلى الأقل – معالجة أمر إمعان إسرائيل في استثمار مفاعيل وارتدادات الأحداث العنيفة سياسيِّاً ودبلوماسيَّاً وإعلاميَّاً ودعائيَّاً داخليَّاً وخارجيَّاً، مُستَفيدَةً مِمَّا تُمليهِ مفاعيل حقائق القوَّة الَّتي هي في صالِحِها بشكلٍ مطلق على الأرض. لذا فقد يبدو من السَّهلِ الانفعال، أو استثمار بعض الأحداث انفعاليَّاً على الصَّعيد الفلسطيني الدَّاخلي، لكن يبدو من الصَّعبِ مواجهة استثمار إسرائيل لها دعائيَّاً وإجرائيَّاً وسياسيَّاً؛ فهي وكما أثبَتْ تجربة السِّنين السَّابقة كانت تبدو أقدر على ذلك، في مناخِ الانقسام والعجز الفلسطيني والتَّخلِّي العربي.
كاتب فلسطيني
رائد دحبور