الخرطوم – «القدس العربي» : اهتمام الراحل عبد الله الطيب بالتراث، لم ينغلق على الأدب العربي، بل انفتح على التراث السوداني بأشكاله المختلفة، ومن ذلك جمعه وتوثيقه للأحاجي السودانية باللغتين العربية والإنكليزية متبعا في ذلك منهجا علميا يعتد به في الدراسات الفلكلورية.
يقول في مقدمة كتاب «الأحاجي السودانية» إنه راعى في جمعه لهذه الأحاجي الطريقة القديمة وحرص على الاحتفاظ بكثير من عباراتها بما فيها من سجع وأشعار. ويضيف: «كانت الجدات في زمان مضى يسلين أطفالنا بُعيد المساء بحكايات ومسائل من الأنس يقال لها الحُجا بضم الحاء المهملة، وأصل ذلك من الحجا بكسرها وهو العقل والذكاء، وكان الأرب من هذه الحكايات شحذ الأذهان وإدخال السرورعلى نفوس الصغار ريثما يغلب عليهم النعاس».
ويصف عبد الله محمد أحمد، وهو رئيس سابق لقسم اللغة العربية في جامعة الخرطوم، ما جمعه عبد الله الطيب بأنه: «مجموعة قصص تسرّي عن الخواطر بما ترويه من عذب النوادر، طبعت في دار النشر في جامعة الخرطوم مرتين، ولقيت قبولا وإقبالا من القراء السودانيين على اختلاف ثقافاتهم وبيئاتهم فكانت منتجعا للقلوب ومنتدى للسمّار وكذلك لقيت اهتماما من القارئ العربي». ويشير إلى أنّ المؤلف ترجم هذه المجموعة من اللغة العربية إلى الإنكليزية، وقامت بطباعة النص الإنكليزي الشيخة حصة صباح السالم الصباح وتم ذلك في دار الآثار الإسلامية في الكويت.
وضمت المجموعة 21 قصة تفاوتت في عناوينها بين العامية السودانية واللغة العربية الفصحى والمزج بينهما ومن تلك العناوين (عرديب ساسو، الملك البخيل، يا حمام يا دمام، فاطمة السمحة، حس يا نايم، ظلوت، أخدرعزاز، البكر بنت البكر، ست الجزيرة النية، تني أم المدقاق، تاجوج والمحلق وهمهوم).
وعبد الله الطيب (1921- 2003) شاعر وناقد وأديب سوداني «ولع بالأحاجي السودانية ولعا شديدا فقام بجمعها من أفواه الجدات في مناطق الدامر والرباطاب والدويم وغيرها من مناطق السودان الشمالي المختلفة، باعتبارها موروثا ثقافيا يمثل بيئته». ويقول سيد حامد حريز المتخصص في علم الفلكلور إن «القصص الشعبية الخرافية التي تعامل معها عبد الله الطيب تتسق مع الأطر والنماذج المتبعة في منهج القصص الشعبي في الدراسات الفلكلورية الرائدة».
ويرى أن الأحاجي التي جمعها عبد الله الطيب تتفق في مضمونها مع تراث القص العالمي، إلا أن المنهج الذي استخدمه يختلف في عدة جوانب، منها منهج الدارس الراوي: «وبينما يلجأ العديد من الباحثين في هذا المجال إلى أخذ معلوماتهم ونصوص دراساتهم من الرواة والإخباريين المشهود لهم في المنطقة، استدعى عبد الله الطيب مخزونه التراثي الذي امتلأ وفاض من أحاجي العمات والخالات ومن مغامرات الصبا والطفولة، فجعل من نفسه باحثا ومصدرا لمادة بحثه في الوقت ذاته».
ويورد حريز جانبا آخر اختص به عبد الله الطيب في جمعه للأحاجي السودانية وهو (الإبداع وانتقاء الأفضل) ويشير إلى أن الأديب الراحل كان بارعا في «انتقاء الأفضل وفي الحرص على تسجيله وتدوينه وعرضه بصورة فنية تجعل منه أدبا راقيا». ويضيف إلى ذلك احتفاظه بالنصوص من غير تبديل أو تحريف ويقول: «حرص الراحل عبد الله الطيب على المحافظة على نصوص الأحاجي وتدوينها بصورة حرفية تعكس ما سمعه كما ورد بدقة تامة. وكانت أغلب هذه النصوص قد وردت إليه بلغة موغلة في العامية لكنها تعبّر عن مضمونها بدقة متناهية وتوضّح بلاغة العامية السودانية وقدرتها على التعبير الأدبي والفني».
ال تكاملي زاوية أخرى يعتبرها سيد حامد حريز من مميزات عبد الله الطيب في توثيقه للأحاجي السودانية. ويضيف في هذا الجانب: «عند إمعان النظر والتدقيق في مجموعة القصص التي أوردها الراحل، نجد كل واحدة منها تمثل وثيقة أدبية لغوية وسجلا اجتماعيا وعملا مسرحيا»، ويصف تلك الوثيقة بأنها ترسم صورة عن مجتمع الأمس بما له وما عليه، ويشير إلى أنه تعامل مع التراث من عدة منطلقات «فهو الراوي والجامع والموثق والدارس والمترجم والكاتب المسرحي». ويصل إلى أنه ومن خلال هذا النهج استطاع تحبيب التراث إلى نفوس القراء والمستمعين، وساهم بالتالي في إحيائه واستمراره بفعالية.
التشبيهات المستوحاة من البيئة الطبيعية والاجتماعية ناحية أخرى برع فيها عبد الله الطيب ويرى أنه حرص على «روحها وقاموسها ومدلولها» ويستدل على ذلك بما جاء في قصة «النيتو واللعيب» التي رسم فيها صورة رائعة للبنت القبيحة وأخرى لذات الحسن والجمال. ويصف الحوار الذي دار في هذه القصة بين محمد الشاطر وبشارة بأنه رسم صورة فنية تشكيلية لحسن وجمال إحدى بطلات هذه القصة ويقول: «إن ما تم عرضه عبارة عن مسرحية شكلا ومضمونا، شخوصها وأزياؤها وديكورها كلها جاهزة، وكل ما ننتظره هو إحياء هذا التراث وتفعيله».
ويخلص حريز إلى أن عبد الله الطيب تميّز في تعامله مع القصص الشعبي والأحاجي السودانية في أربع نقاط هي: اختيار أفضل ما في مخزون التراث القصصي السوداني وعرضه بصورة مميزة تجمع بين إبداع الفرد وروح الجماعة، وأنه اتجه نحو الأداء المسرحي بدلا من السرد القصصي وسما بالعامية السودانية واختار عبارات سودانية أصيلة ترقى إلى مصاف الفصحى، ويجزم بأن كل ذلك جاء متوافقا مع الأسس والمبادئ العلمية السائدة في مجال الدراسات الفولكلورية الحديثة.