من أجل ذلك لابد أن تقصف غزة ويقتل الفلسطينيون!

«من نعم الله على البشر النسيان» جملةٌ تتكرر كثيراً في حواراتنا اليومية، بالتأكيد بأكثر مما نحب، ربما كنوعٍ من الاستدعاء أو استجداء النسيان ليذهب عنا همومنا المتكررة والمتتالية في هذه البقعة المنسية واللعينة من العالم، إلا أن مشكلتين تعترضان ذلك الترديد الممل: أولاً، أنه بات شبه طقوسي كالرقى يلهج بها المرء بدون تركيز أو شعور، وربما بدون إيمانٍ حقيقي كالكثير من التركيبات اللفظية الفجة الدارجة من عينة «حب الروح وروح الحب» و»قلب القضية وقضية القلب» التي كان يؤثرها ويتفنن فيها الراحل أنيس منصور، خاصةً حين كان يتلهى بها في مقالاته التي يهيم فيها في تلك العوالم والمجرات، التي كان علماء الفضاء يكتشفونها، وما أكثر ما تزامن ذلك مع دك عاصمةٍ عربية من قبل إسرائيل أوأمريكا، نوعٌ آخر من التحذلق لثقافةٍ اعتادت، بل أدمنت «طق الحنك» و»العنتريات التي ما قتلت ذبابة»، بما يمثل انعكاساً للعجز وقلة الحيلة. أما ثانياً، فإن النسيان مفهومٌ في سياق حدثٍ انتهى وشيئاً فشيئاً تتباعد به السنون وقد يكون مفيداً، أما في حالة الأحداث التي ما زالت تتشكل، والواقع الملموس طيناً ودماً، والمآسي المستمرة، كمأساتي الشعبين الفلسطيني والسوري (على يد نظام بشار المجرم لكي أكون أكثر تحديداً) والعراق المفتت فعلياً، التي ما تني تغمرها بحورٌ من دم، فإننا لا نملك رفاهية النسيان.
أكتب هذا والقصف على غزة مازال مستمراً، والمبادرة المصرية الهزيلة (شأن هزال مبادرة مرسي فك الله أسره التي اجترحت أول اعترافٍ مكتوب بإسرائيل من حماس)، التي كشفت «هآرتس» أنها تمت بعد مكالمة بين نتنياهو والسيسي تشاورا فيها (ذاكرةً ما يمكن توقعه من دورٍ تركي وأمريكي وقطري) ومؤكدةً ما بتنا نعلمه من أن فصائل المقاومة في غزة لم تُستفتَ عليها، فضلاً عن كونها تساوي بين الضحية والجلاد، هذه المبادرة رُفضت، والموقف العربي رثٌ ضعيفٌ متخاذل، إبراء للذمة ليس أكثر، بيد أنه ليس في ذلك من جديد، فقد اعتدنا على المواقف المتخاذلة التي لا تهدف لأكثر من حفظ ماء الوجه، بينما هي في الواقع دائماً تريقه؛ أما بالأصالة عن نفسي (وربما بالنيابة عن جيلي) لا أذكر موقفاً واحداً مشرفاً، بل لعله من الأدق أن نفصل فأنا لا أذكر موقفاً واحداً، ناهيك عن كونه مشرفاً، لكن أشد ما راعني وأزعجني وأثار حنقي هو موقف إعلاميي النظام المصري، أي أولئك الذين يطبلون ويزمرون في جوقة السيسي الآن، وكل رئيس حسب الظروف، والكثير من قطاعات الجمهور كما عبرت عن نفسها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وفي التعليقات والتعقيبات على الأخبار ومقالات الصحف، فالاثنان لم يحاولا إخفاء شماتتهما في حماس والفلسطينيين، بل ذهب الفُجر بالبعض ليتمنى المزيد من القصف والتدمير، بما يراه جزاءً وفاقا على تدخلات مزعومة في الشأن الداخلي المصري إبان 25 يناير، ونكراناً للجميل المصري، وإن ذلك لأبلغ دليل على عطبٍ أخلاقي وفكريٍ عميق يطال التصور والدراية بالتاريخ، والأفدح من ذلك فقدان البوصلة واختلاط الأولويات لناسٍ لم يعودوا يدركون الأولويات ولا يميزون بين العدو والصديق، بل قبلوا وتشربوا حد التشبع حجج الخصم، بل العدو وسرديته في تفسير الأحداث.
قبل هذا كله، علينا أن نسأل عن شيءٍ أبدى من ذلك وأهم، عن السبب الحقيقي الأعمق وراء ذلك الهجوم والتشفي، وكما تساءل أحد اصدقائي، السليم النية تماماً: لماذا كل هذه الضجة على غزة والقضية الفلسطينية؟ ما بال الذين يموتون في سوريا والعراق واليمن والحبل على الجرار؟!
سأجيب على ذلك إجابة صريحة وأرجو أن تكون واضحة كما هي قاطعة: لأن إسرائيل طرفٌ في الصراع، وإسرائيل هي تجسيد فشلنا وعنوانه، ذلك الجسد الغريب المزروع وسطنا، الذي يمتص طاقاتنا ويقتات على ضعفنا، أرهقنا وهزمنا، أجل يموت الناس في سوريا وفي العراق نتيجة القمع والطائفية، إلا أن إسرائيل هي شهادة الفشل وصك الرسوب والإعلان على التفاهة وضآلة الشأن، هي السبب والمحصلة، تكبر وتتوسع على حساب انكماشنا، يوماً ما، كان هناك مشروع نهضة عربي، صاغته عقول وعبر عنه رجال أرادوا وسعوا للخروج من مستنقع الشرق وهوامش التاريخ المسحوقة في ظل الخليفة العثماني، مشروع حاول تخطي الطائفية والتمزق نحو بناء الدولة القومية التي تعلي شأن المواطنة ولا تعترف بغيرها، وطن متجانس حقيقي لا يقيم فيه الناس وفق خلفياتهم الطائفية ولا عصبياتهم، ثم اصطدم هذا المشروع بالاستعمار والإمبريالية، وخيبت الكثير من تجلياته الآمال، ومن ثم انقلب إلى كابوسٍ بشع من أنظمة الاستبداد وقمع الدولة الوحشي والانهيار الاقتصادي والهزائم العسكرية والمزيد من التفتت، إسرائيل في هذا السياق ليست مجرد كيان مغتصب من شراذم وأراذل أوروبا، ولا محض محفز للتطرف والعنصرية لدينا، وإنما تمثل طليعةً لذلك الاستعمار وقلعته الأمامية التي تهيننا في كل كل مرةٍ نصطدم بها في حربٍ نظامية، كما أنها تحرجنا بتقدمها علينا في العلوم والتكنولوجيا، هي دولةٌ نووية حجزت مكاناً مهماً في صناعات الفضاء، ونحن صنعنا جهاز الكفتة تبع عم عبد العاطي، هي ذلك الصفيق الوقح الواقف في عرض الطريق يعايرنا بضعفنا وفشلنا في تخطي مشاكلنا العالقة، ويذكرنا بأن الأوباش وقاطعي الطريق الذين تقلبوا علينا وملكوا مقدراتنا جعلونا سخرية العالم، ومن نفس المنطلق فإن كل جولة من الصراع والاشتباك بينهم وبين الفلسطينيين تذكرنا بما نود أن ننساه ونتعامى عنه، اننا مهزومون وأننا نود لو صحونا في يومٍ لنجد الفلسطينيين ماتوا أو تبخروا لننسى أننا فرطنا وتركناهم «إذهب أنت وربك فقاتلا» على أمل أن تنام ضمائرنا.
جديرٌ بالذكر هنا أنه في الوقت نفسه الذي تفيق فيه بعض دوائر البحث والإعلام الغربي على حقيقة كم الأكاذيب والضلال الذي أسهم في تأسيس وتكريس وجود الكيان الصهيوني، ويصرح مثقون عامون بثقل تشومسكي، واصفين إجرام إسرائيل بالفاشية والإبادة العنصرية بدون مواربة، فإن إعلاميي النظام وكتبته في مصر يفعلون العكس، يختلقون أساطير وأباطيل وادعاءات لا سند لها. مثال ٌ على ذلك ما نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية ذات التوجه اليميني تحت عنوان «العشر أساطير الأكبر حول الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني»، لن أقول انها برأت ساحتنا ولكنها فندت للقارئ الغربي كثيراً من تلك الأساطير المؤسسة للكيان الصهيوني، فأكدت على سبيل المثال أن العرب عشية حرب 48 كانوا يمتلكون أكثر من 85٪ من الأرض، وبالتالي فمن الطبيعي أن يرفضوا «التوصية» الصادرة عن الهيئة العامة للأمم المتحدة التي كانت تسلبهم أراضيهم، فضلاً عن كونها غير ملزمة، ومن اللافت أن ذلك المقال ينفي عن حماس كسر الهدنة في كل جولاتها مع إسرائيل مديناً الأخيرة بتعمد التحرش والتصعيد الذي يصل إلى الصدام، كما حدث في حرب 2008 على سبيل المثال، وفي قبالة ذلك نجد الكثير من الافتراء والهراء في الإعلام المصري وعلى شبكات التواصل الاجتماعي من عينة «أننا كفانا الحروب التي خضناها دفاعاً عن الفلسطينيين» و»ما علاقتنا نحن بغزة؟ ولماذا نفتح المعابر فلتفتحها إسرائيل» وصولاً إلى تلك الفرية الكبرى، الصفيقة بأن السادات سعى لاسترداد أراضيهم فرفضوا. رداً على ذلك، نحن حاربنا من أجل مصالحنا وتحرير أراضينا، وإني لأعجب من احتياجي للتذكير بأن إسرائيل التي هرست ضباطنا الأسرى أحياءً بالمجنزرات في 67 هي التهديد الوجودي لمصر، لا الفلسطينيين، الذين يمثلون عازلاً وخط دفاع أماميا يعرقل تقدم إسرائيل ويشغلها، الأمر الذي حدا بعبد الناصر للضغط على حكومة لبنان للسماح بعمليات المقاومة بعيد 67 مكرساً ذلك بـ»اتفاق القاهرة» في 69 بما له وما عليه، هذا إذا تغاضينا عن الالتزام الأخلاقي بمن تربطنا بهم أواصر لا تحصى، ناهيك عن التذكير بكون غزة كانت تحت الإدارة المصرية فضُيعت في حربٍ كارثية مخزية، ثم تفاوض السادات وتركهم إلى مصيرهم. أما عن أسطورة السادات، ذي التكوين المعقد والمهزوم أمام الرجل الأبيض ذي العيون الزرقاء، فإن تحليل سوء تصرفه وتفريطه في محادثات كامب ديفيد مما يحتاج إلى كتب، وسوف أكتفي هنا بالإحالة إلى مذكرات إبراهيم كامل وزير خارجيته المستقيل عما سماه بالسلام الضائع، وهو يسرد فيها بدقة كيف تملص السادات وتحلل شيئاً فشيئاً من كل التزاماته وكسر كل المحرمات، ويحضرني هنا تلك الواقعة ذات الدلالة التي ذكرها مما تزخر به شهادته، حيث اقتبس السادات من مناحم بيغن فأنشأ يستخدم كلمتي «الفلسطينيين العرب» مقابل «الفلسطينيين اليهود»، بما تحمل من مضامين خبيثة لا يمكن أن تخطر سوى على ذهنٍ عنصريٍ خبيث كالذي لبيغن الملتوي العتيد في الإجرام، هكذا، زعيم أكبر دولة عربية ذهب «ليفاوض عن الحقوق» الأصيلة فلا يفرط وحسب وإنما يتبنى الخطاب الصهيوني ،اتوفقنا، والبقية معروفة، موشومة بالدم والبارود.
لست «حماسوياً»، لكنه من السخف الآن، بل والإجرام، الاختلاف عليها عوضاً عن التركيز على وقف الاعتداء الإسرائيلي الهمجي. لكن الكثيرين لن يكفوا عن لوم حماس والفلسطينيين، فمعاركهم لا تكف عن إحراجنا، ان يقتل النظام السوري شعبه أو يقتتل العراقيون فليس ذلك بالمزعج للغاية، فقد تصالحنا مع خيبتنا وفضائحنا، أما أن تمارس إسرائيل الإبادة على شعبٍ ضيعناه، لا يملك سوى صواريخ ذات تأثير نفسي في المقام الأول فيذكرنا بما نحرص على أن ننسى: أننا مهزومون وتافهون ولا قيمة لنا ولا كرامة أمام الغرب، لذلك يجب إما أن تسكت المقاومة أو يباد الفلسطينيون!
كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية