عمان ـ «القدس العربي»: سميت مدينة الكرك بحاضنة جوهرة الصحراء «قلعة الكرك» هذه القلعة الحصينة التي بناها الصليبيون لتكون نقطة اتصال استراتيجية متوسطة بين قلعة الشوبك والقدس وكانت عاصمة لإمارة الأردن الخارجية. وفي القلعة ممرات سرية تحت الأرض تقود إلى قاعات محصنة، أما أبراج القلعة فإنها تمنح الناظر من خلالها مشهدا طبيعيا خلابا للمنطقة المحيطة.
تقع مدينة الكرك على جبل يطل على البحر الميت ووادي الأردن على مبعدة 130 كيلومترا جنوب العاصمة عمان وعلى ارتفاع 930 مترا فوق سطح البحر. وهي مدينة قديمة جداً، فقد ورد ذكرها في العهد القديم ولعبت دوراً هاماً خلال حكم الملك «ميشع» ملك مؤاب. وهي مثيرة للإهتمام باعتبارها موقعا سياحيا ودينيا ولإحتوائها على قبور قادة الجيش الإسلامي الذين استشهدوا في معركة مؤتة.
كما تزخر محافظة الكرك بمواقع أثرية وسياحية ومتنزهات طبيعية وغابات، أهمها غابة اليوبيل البالغة مساحتها أكثر من 500 دونم والواقعة في الجهة الشمالية من وادي الكرك على الساحل الشرقي للبحر الميت، ويخترق متنزه عين سارة السياحي مجرى سيل عذب ينبع من العين ويروي مزارع الوادي.
ومن أهم المواقع السياحية في الكرك، وادي الموجب، والبحر الميت، ووادي عسال، ووادي النميرة، وقلعة القطرانة، وكهف لوط عليه السلام، والبانوراما الشرقية والبانوراما الغربية، وآثار محي وذات راس، والمشهد في مؤتة.
أما أهم المواقع الأثرية، فهي قلعة الكرك الأثرية وقلعة القطرانة وأثار الربة والقصر.
قلعة الكرك … جوهرة الصحراء
تزخر قلعة الكرك بالتاريخ، والفتوحات، وقد توالت عليها حضارات متعددة، جعلت منها مركزاً سياحياً، يعبق برائحة التاريخ، وما تزال جاثمة فوق الجبل حارسة لمدينة الكرك ولكل المنطقة.
بنيت مدينة الكرك على أرض مستطيلة الشكل واشتهرت بجمال طبيعتها ونظافتها وهدوئها. وأشهر ما تعرف به هذه المدينة هو القلعة الأثرية التي بنيت على طرفها الجنوبي. ويبلغ طولها 220 متراً وعرضها 125 متراً من الجهة المقابلة للمدينة و40 متراً من الجهة الجنوبية. كما يوجد عنبر عرضه 30 متراً ويمتد نحو الجانب الغربي من القلعة الرئيسية.
استغرق الصليبيون عشرين عاما في بناء القلعة التي تم الإنتهاء منها في العام 1161. وبعد مقاومة عدة حصارات في بدايات العام 1170 وقعت الكرك تحت حكم رينولد شاتيون، وقد قام بمهاجمة الحجاز، وهدد بمهاجمة مكة. وعلى إثر ذلك، قام صلاح الدين الأيوبي، حاكم سوريا ومصر في ذلك الوقت، بمهاجمة مدينة الكرك وحرقها وكان يود أن يحرق القلعة أيضا لولا قوة الدفاع التي تصدت له.
وفي العام 1177 وقعت معركة حطين بين المسلمين بقيادة صلاح الدين والصليبيين الذين هُزموا في تلك المعركة.
وبعد استعادتها أصبحت الكرك عاصمة المنطقة التي غطت معظم أجزاء الأردن آنذاك، كما لعبت دوراً هاماً في سياسات الشرق الأوسط خلال قرنين. وقام سلطان المماليك الناصر احمد بنقل عاصمة المماليك إلى الكرك مع إحضار الخزنة إليها أيضا.
أعيد ترميم القلعة وتمت تقوية تحصينات البلدة بالأبراج الضّخمة دون أبواب ظاهرة تحت حكم الأيوبيين والمماليك الأولين. وكانت الطّريقة الوحيدة للوصول إلى البلدة، هي عبر الممرّات الجوفيّة، التي مــا زالت ظاهرة إلى يومنا هذا.
وتتألف القلعة من عدة أجزاء منها المصرف الشمالي الذي يبلغ عمقه 30 مترا. ويمكن العبور فوقه عن طريق جسر خشبي يمكن حرقه عند الحاجة. ويحتوي متحفها على القطع الأثرية التي وجدت في الكرك ومؤاب. وتحت هذه الباحة معرضان كبيران، يلتقيان ليشكلا غرفة على شكل صليب. وكانت تلك المعارض قد استخدمت قديماً كغرف للخزين، وثكنات للدفاع، إذ يمكن مشاهدة آثار الشقوق التي أحدثتها الأسهم في الحائط الغربي. كذلك في الثكنات الشمالية الشرقية والتي يوجد فيها مطبخ ومخابز. أما شرقا فهناك أبراج وأسوار من الفترة الصليبية، ومنحدر حجري تحت الواجهة الشرقية وهو سطح شديد الانحدار يعمل على تثبيت أساسات الجدران.
وفي القرن التاسع عشر، وجد زائرو القلعة بقايا لكنيسة صليبية كانت تقام فيها الصلوات. ويظهر على الجدار وتحت الزاوية الجنوبيّة الشّرقيّة لكنيسة الصّليبيّ، لوح حجري مقطّع ذي تصميم هندسي معقد هو القطعة المتماسكة الأخيرة لديكور مجمّع قصر المماليك. وقد كان جزءًا من رّدهة تحت الأرض، موصولاً بمجموعة سلالم. أما قصر المماليك الذي يقع جنوب الكنيسة، ففي وسطه قاعة للإستقبال تتألف من غرفتين ذوات أقواس ومحاطة بغرف صغيرة من الشرق والغرب.
أما البرج المملوكي فقد بناه السلطان بيبرس بعد العام 1265 وهو عبارة عن مبنى ضخم يتألف من أربعة طوابق. ويعتقد انه دمر عام 1180 نتيجة المعارك المتكررة التي وقعت في تلك الفترة.
ويوجد تحت الأرض نظام واسع للاقبية بطول السور الداخلي الشمالي ويقع مدخله قرب المعارض الصليبية. أما المصرف والخزان الجنوبيان فقد بناهما الصليبيون من أجل أن تمدهم بالماء في أيام السلم وتساعدهم على إبقاء العدو بعيداً أيام الحرب.
وما يميز قلعة الكرك، الأبراج التي تحيط بها، والتي بنيت بفخامة فائقة، ومنها برج البناوي والسيوب والزهير.
قلعة القطرانة
هي قلعة عثمانية، بـُنيـَت على أنقاض قلعةٍ رومانية قديمة، من الحجر الجيري والحجر البازلتي. وتبلغ أبعادُ القلعـةِ ( 20 في 22 ) و(17في 35 ) مترا بارتفاع يبلغ متوسطـهُ 10 أمتار، والقلعةٌ مستطيلة الشكل لها بابٌ رئيسيٌ من الجهـةِ الشرقية. وتكمنُ أهمية القطرانة وقلعتـُها بوقوعِهمـا على طريق الحج الشامي، كمركز عسكريٍ لحماية قوافل حجاج بيتِ اللهِ الحرام، وحمايةِ القوافل التجارية، وتعتبر مركزاً للخط الحديدي الحجازي، ومكاناً يأوي إليه المسافرونَ، ومدخلاً رئيسياً للمناطق الجنوبيةِ من الأردن، وموقعاً للتزودِ بالمياهِ من بـِركتهِ.
غابة اليوبيل
تطل غابة اليوبيل البالغة مساحتها أكثر من 500 دونم والواقعة في الجهة الشمالية من وادي الكرك على الساحل الشرقي للبحر الميت حيث يبلغ ارتفاعها عن سطح البحر 1055 مترا وتعتبر منفسا سياحيا حقيقيا لأبناء الكرك.
عين سارة
يخترق متنزه عين سارة السياحي مجرى سيل عذب ينبع من العين ويروي مزارع الوادي. حيث تروي عشرات آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية في وادي الكرك وبذان وبردى والتي تشتهر بزراعة «العنب والزيتون، والمشمش، والرمان، وبعض الخضروات».
وادي بن حماد
يضم الوادي حمامات معدنية علاجية، ويقع في الشمال الغربي لمدينة الكرك وعلى بعد 25كم ويعتبر من المناطق السياحية في الكرك ويرتادها السياح من داخل المملكة وخارجها وخاصة الأوروبيين لوجود مناطق للتسلق والمغامرات والسير على الأقدام في الوادي.
وادي الكرك
إلى الغرب من مدينة الكرك يقع سيل وادي الكرك والذي يمتد من منطقة عين سارة ولغاية البحر الميت. ويمكن دخوله من اتجاه الأغوار الجنوبية ويمتاز بوفرة الشلالات والمقاطع الصخرية القابلة للتسلق وأنواع عديدة من السمك.
مقامات الصحابة في المزار الجنوبي
يقع مسجد الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه على بعد 140كم جنوب مدينة عمان في محافظة الكرك/مدينة المزار الجنوبي حيث وقعت معركة مؤتة وهي أولى المعارك الإسلامية التي شهدتها أرض الأردن.
وكان قادة مؤتة الثلاثة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحه رضي الله عنهم جميعا قد استشهدوا واحدا إثر الآخر في معركة مؤتة ودفنوا في منطقة قريبة من أرض المعركة، حيث أنشئت بلدة المزار بعد ذلك.
مقام النبي نوح عليه السلام
يقع مقام النبي نوح عليه السلام خارج الأسوار القديمة لمدينة الكرك، والموقع عبارة عن غرفة مربعة تعلوها قبة جددت من العصر العثماني، وكانت سفوح التلال المحيطة بهذا الموقع تغطيها غابات كثيفة ذات أشجار عالية تصلح لصناعة السفن، والتنور الوارد ذكره في قصة نوح هو موقع لتلة وسط انشقاق أرضي عميق يختلف لونها عن لون الجبال المحيط بها والتي خرج الماء منها، وأعلى هذه التلة تدعى «خربة التنور» وهي على بعد 35كم عن الكرك.
مقام لوط عليه السلام
يقع مقام النبي لوط عليه السلام في الغور الصافي على بعد 60 كم من الكرك، وهو عبارة عن كهف على سفح جبل يطل على البحر الميت، ولوط ابن أخ إبراهيم عليه السلام تذكر كتب التفسير وقصص الأنبياء أنه جاء من العراق مع عمه إلى بلاد الشام ثم انفصل عنه ليختار الإقامة في الأردن للدعوة لله في هذه المدن، وكان أهلها ذوي أخلاق رديئة ولم يستجيبوا لدعوة لوط وهددوه بالرجم فبعث الله تعالى ملائكة لوط بأن أخرج وأهلك إلا امرأتك فهي من الغابرين، فأمطر الله عليهم حجارة من سجيل وقلبت ديارهم، والبحر الميت كان يعرف ببحر لوط ولم يكن على هذه الصورة بل نتج عن زلزال ضرب هذه البلاد فجعلها أخفض منطقة في العالم.
ولجأ لوط وأهله إلى هذا الكهف الذي أتخذ فيما بعد مكانا لتعبد المؤمنين الأوائل، كما وجدت أمام الكهف كنيسة بيزنطية يرجع تاريخها إلى القرن الخامس أرضيتها من الفسيفساء الجميل، ويوجد على بعد 35كم من هذا المكان عمود جاف من الملح يعتقد أنه بقايا زوجة لوط التي عصت تحذير الله بعدم النظر إلى الخلف وهي تهرب من سدوم.
مقام الخضر عليه السلام
يقع مقام الخضر عليه السلام في وسط مدينة الكرك التاريخية التي من أقدم أسمائها الصخرة أو صخرة الصحراء، والمقام قديم جدا يلجأ إليه المؤمنون للدعاء ونيل البركة، وفي القرن السادس عشر شيدت عليه كنيسة صغيرة لا تزيد مساحة أرضها عن 40م لارتباط المكان بما حوله، وكان التقاء موسى عليه السلام بالرجل الصالح عند الصخرة، كما توجد في الأردن ثلاثة مقامات أخرى لا تبعد عن بعضها كثيرا للخضر، فالأول في ماحص، والمكان عبارة عن غرفة فوقها قبة خضراء صغيرة وعليها راية خضراء في وسط حديقة. والثاني في عجلون لم يبق من المقام سوى بعض الأقواس والحجارة القديمة، والثالث في بيت راس والمقام عبارة عن أحجار متناثرة هنا وهناك لمبنى واسع يستدل على ذلك من حجارته الكبيرة المنسقة.
الكرك في التاريخ
ذكرت الكرك على لسان الكثير من المؤرخين والرحالة، أهمهم ابن بطوطة (محمد بن عبد الله 1303 – 1377) في كتابه تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار. والقلقشندي (أحمد بن علي 1355 ـ 1410) في كتابه «صبح الأعشى في كتابة الإنشاء». وقال عنها ياقــوت الحموي( 1179 – 1229 ) «وبين مدينة الكرك وجبل شيحان وإلى الجنوب الشرقي ازدهرت حضارة ثرية وخلفت وراءها بقاياها الموجودة تتحدى الزمن وتبرز عبقرية العقل البشري الذي سعى باحثا عن موقع سكناه ليحمي ذاته من الطامعين فيه».
آية الخوالدة