حكاية محمد حسنين هيكل، الذي رحل عن عالمنا قبل أيام، هي بشكل أو بآخر حكاية خضوع النخب العربية وارتهانها للغرب. فإذا ما عدنا إلى سيرة حياة الرجل، فإننا سنعجز عن إيجاد تفسير طبيعي منطقي للمكانة الرفيعة التي حظي بها في دنيا الإعلام والسياسة منذ سن مبكرة. فقد حظي بفرصة مقابلة ملوك ورؤساء كانوا يقيمون الدنيا ويقعدونها وهو لم يزل بعد في بدايات عمله الصحافي، حتى قبل أن يرتبط بجمال عبد ناصر، زعيم ما عرفت بثورة الضباط الأحرار في مصر، الذي جعله الإعلامي الأول والأهم في مصر. ما يطرح تساؤلات مشروعة جداً حول ارتباطاته الخفية التي مكنته من الحصول على مثل تلك الفرص النادرة.
وإذا ما صدقنا ما يمكن استنتاجه من حكايا أهل الصحافة، الذين كان هيكل واحدا منهم، فإن عبد الناصر قد احتضن هيكل وجعله من سدنة نظامه ليس حباً فيه أو اقتناعا بعبقريته، بل لأن هناك أطرافا أجنبية فرضته عليه، أسهمت بدورها في إيجاد نظام ناصر وتمكينه! وارجعوا إلى الراحل مصطفى أمين، أستاذ هيكل في جريدة «أخبار اليوم»، الذي زعم في رسالة استعطافية لعبد الناصر، بعد أن تم القبض عليه بتهمة التجسس للأمريكان، أن هيكل كان شريكاً فاعلاً في كل اتصالاته مع الأمريكان من الألف إلى الياء، بل إنها كانت تتم في مكتبه! ومما يدعم كلام أمين، ما زعمه الصحافي الشهير مايلز كوبلاند صاحب الكتاب الذائع الصيت «لعبة الأمم» من أنه «في مطلع الخمسينيات جندت المخابرات الأمريكية ثلاثة من الصحافيين المصريين هم: محمد حسنين هيكل والأخوان مصطفى وعلي أمين».
إن أحمق ما يمكن أن يفعله المرء إذا ما أراد فهم السياسة هو أخذ الشعارات والتصريحات التي يطلقها الساسة ومن تحلق حولهم على محمل الجد، فهذا لن يقوده إلا إلى أن يصبح مغفلاً مغيباً، حتى ينمو له ذيل وأذنان تذكران بصاحب أنكر الأصوات أجلكم الله في آخر المطاف! أما إذا ما أراد الواحد أن يتسم بالحكمة والحصافة والرشد والوعي فإن ما ينبغي عليه التركيز عليه هو نتائج أفعال أولئك الساسة. فالكذب يجري في شرايين أهل السياسة مجرى الدم، ولا تصدق أحدهم في 99,9 % مما يقول ويزعم حتى وإن أقسم لك بشرف الغالية أمه! ولا أظنني أحتاج إلى كثير من الأمثلة كي أثبت صحة ما أقول، فلنتأمل فقط فيما جرى لفلسطين. فلقد فرقع الساسة العرب من الشعارات الصاروخية والتصريحات العنترية بخصوص حماية فلسطين، ثم تحريرها، ما يكفي لكتابة ألف معلقة عصماء، ولكن ماذا كانت النتيجة! لقد تم احتلالها منذ سبعة عقود وما تزال محتلة تحت سمعهم وبصرهم، بل وبتواطؤ وتآمر منهم جميعهم بلا استثناء، كابرا عن كابر، ليتبين أن تلك التصريحات والشعارات هي مجرد فقاعات صابونية لدفع السذج من الناس إلى إغلاق أعينهم وعدم رؤية نذالاتهم ومؤامراتهم التي تجري تحت الطاولة في أروقة سفارات الغرب!
بعد سقوط الخلافة العثمانية، تكرست قاعدة مفادها أن وصول المرء إلى مراتب متقدمة ضمن دوائر النخبة في البلدان العربية يتطلب بالضرورة تمتعه بعلاقات طيّبة ووثيقة مع هذه الدولة الغرببة أو تلك، من تلك الدول التي تقبض على زمام الأمور في تلك البلدان. ووصف تلك العلاقات بالطيّبة والوثيقة هو مجرد صيغة مهذبة ومخففة لتجنب تسميتها باسمها الحقيقي، وهو العمالة. فقد باتت القاعدة تقضي بأن على الراغب في اختراق الصفوف للصعود إلى أعلى المناصب والبقاء فيها أن يكون عميلا مطيعا لأولياء النعمة في باريس ولندن، ثم في واشنطن، وبعد ذلك في «تل أبيب». واسألوا صديقنا السيسي، إذا كنتم لا تصدقون، الذي ثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه قام بإغراق أنفاق غزة كرمى لعيني «أبناء العم»! في هذا السياق يمكن أن تيمموا وجوهكم كمثال إضافي صوب البلدان العربية التي وقعت معاهدات استسلام، عفوا أقصد سلاما، مع كيان العدو الصهيوني، للقيام باستعراض أسماء النخب السياسية فيها خلال العقود الأربعة الأخيرة، وستجدون أن الأغلبية الساحقة من أعضاء تلك النخب الكالحة المكلحة قد شاركوا بحماس في إخراج تلك المعاهدات إلى النور!
غير بعيد عن ذلك، دققوا في أسماء وسير الذين فازوا بجائزة نوبل من العرب، وستجدون أن لمعظمهم، وقد لا أجانب الصواب والإنصاف إذا قلت جميعهم، أيادي بيضاء في خدمة الغرب والصهيونية بشكل أو بآخر. فالبرادعي مثلا كان ممن أسهموا في تنفيذ المخططات الغربية لتدمير العراق. والسادات وعرفات لم ينالا الجائزة إلا بسبب ارتمائهما في أحضان مجرمي الكيان الصهيوني. ومحفوظ، بالرغم من إبداعه الأدبي الذي لا يُنكر، لم يحلم بها إلا بسبب موقفه الداعم للصلح مع الكيان اللقيط.
حتما سمعتم عن نوادي الليونز أو الروتاري، التي يقال إنها تابعة للماسونية العالمية. هذه النوادي هي التي تختار أعضاءها، وتنتقيهم في العادة ممن تتوسم فيهم لعب أدوار مؤثرة في بلدانهم. كذلك درجت الدول الغربية على أن تفعل، فهي تتبنى بعض الأشخاص منذ حداثة سنهم كي تعدّهم للقيام بأدوار محورية في دولهم، وهذا ما حدث مع صاحبنا هيكل، والله أعلم، وهذا قد يفسر سر قوته وعلاقاته الأخطبوطية المتنفذة في الشرق والغرب، علماً بأن هناك من يذهب إلى الزعم بعضويته في المحفل الماسوني أيضاً، أي أنه ــ إذا صح هذا الزعم ــ قد جمع المجد من أطرافه: ماسونية ومخابرات أمريكية!
هناك مثل طريف كانت المرحومة أمي تردده يقول: «ما في أكذب من شب تغرب ومن ختيار راحت أجياله»! كم كنت أتذكر ذلك المثل كلما قرأت شيئا لهيكل، بشبش الله الطوبة تحت دماغه، دون أن يعني ذلك بالطبع تكذيب كل ما كتب. ولكن من الملاحظ بوضوح أن شهود الوقائع والأحداث التي كان يرويها كانوا غالباً من الأموات، وكان على المرء أن يقوم بجلسة لتحضير الأرواح حتى يتحقق من صحة الحكايات التي كان يوردها، والتي كان يلعب فيها في العادة دور الفارس النبيل المدافع عن حقوق الأمة والمنافح عن عزتها ووحدتها وكرامتها!
لا أدري إذا كان التاريخ، الذي برع هيكل في إعادة هيكلته لخدمة مصالحه ومصالح الجهات التي كان يخدمها، سيغفر له يوماً. فقد كان حائكاً مبدعاً في تفصيل التاريخ، بل إنه كان ينسج في النسخ العربية من كتبه ما يختلف عما ينسجه في النسخ الإنكليزية من الكتب نفسها، وكأنه كان يبدل ويعدل مضمون الخطاب حسب الجمهور، على قاعدة: الجمهور عاوز كدة!
كان الفقيد فهلوياً متمرساً يعرف من أين تؤكل الكتف، وسيظل ولا شك حتى وقت طويل أكاديمية ملهمة للكثير من الانتهازيين العرب الناشئين، يغرفون منها فنون التسلق والتملق والتشدق والتلاعب بعقول الناس. وقد احترف الرجل أساليب تدجين الناس لإبقائهم عبيدا للعسكر، واستطاع فيما يشبه المعجزة أن يقنع كل الشعب المصري البائس بالنظام الاشتراكي، بينما عاش هو وأسرته ــ وفي مقدمتهم ابنه الذي فر من مصر بعد اختلاس مليارات الجنيهات، وسُمح له بالعودة للمشاركة في جنازة أبيه ثم الهرب مجدداً ــ حياة الرأسمالي الباذخ المترف، فمجرد ثمن السيجار الكوبي الفاخر الذي كان يدخنه في شهر واحد كان يكفي لإعالة أسرة مصرية كادحة لسنة كاملة مما تعدون! وإنا لله وإنا إليه راجعون!
د. خالد سليمان