انشغلت شعوب ودول اوروبا، وعانت الاقليات اليهودية فيها، على مدى قرون من الزمن، وبشكل متفجّر في القرن التاسع عشر، وفي نصفه الثاني على وجه الخصوص، مما عرف في حينه بالمعضلة او «المسألة اليهودية». وكان من ابرز المفكرين والكتّاب اليهود الذين تنادوا لمعالجة هذه «المسألة» وحلّها، أشير تسفي غينتسبرغ (1856-1927)، المشهور باسمه الادبي «إحاد هعام»، الذي كان يوقِّع به مقالاته وكتاباته، والذي يعني: واحدا من الشعب، او «أحدهم».
نشر إحاد هعام في مطلع العقد الأخير من القرن التاسع عشر، وقبل بضع سنوات من عقد مؤتمر بازل عام 1897، الذي اعلن انشاء الحركة الصهيونية، مقالا اسّسه على فكرة مبتكرة في غاية الذكاء، حثّ من خلالها دول وشعوب اوروبا، على مساعدة اليهود لإقامة كيان سياسي سيادي خاص بهم، يريح اليهود ويحميهم، ويخلص دول وشعوب اوروبا من «المسألة اليهودية»، مرة والى الابد.
جوهر وفحوى فكرة إحاد هعام التي اسّس مقاله عليها، باختصار، هو ان هناك «مسألة يهودية» مقلقة ومستعصية على الحل، سببها وجود «روح غير مُجسّدة»، وهذه الروح (في حالتنا اليهودية)، عندما تكون غير مجسّدة، اي غير محشورة في جسد، تكون عمليا وفي واقع الحال، شبح لا يمكن الخلاص من شروره وازعاجاته، لا بالحيلة ولا بالتجاهل، لا بالقوة ولا بالعنف. ذلك ان «الشبح» لا يموت ولا يندثر. حتى وان قُطع بالسيف فانه يصبح شبحين، ويتضاعف كلما عولج بالعنف وبالتقطيع. لذلك فان الحل الأمثل، وربما الوحيد ايضا، للخلاص من هذا الشبح/الروح، حسب إحاد هعام، هو في تجسيده، اي بمعنى «حشره» في جسد، وحيث يعني دمج الروح بالجسد تكوُّن كائن حي، يمكن للمشرف والمنفّذ لهذا «التجسيد»، ان يتعامل ويتعاطى مع هذا «المخلوق الجديد»، بمنطق المعاقبة والقصاص إن اساء، والمكافأة والرعاية إن أحسن.
بعد اقل من ستة عقود على نشر ذلك المقال/الفكرة، اعلن دافيد بن غوريون في تل ابيب، مدعوما من شرق اوروبا ومن غربها، قيام «دولة اسرائيل»، محققا «تجسيد الروح اليهودية» كما تنبّأ ودعا إحاد هعام.
الا ان اعلان «تجسيد الروح اليهودية»، عنى على الجانب الآخر فصل «الروح الفلسطينية» عن «الجسد الفلسطيني». وجاء توقيع اسرائيل على اتفاقيات الهدنة مع مصر وسوريا والاردن ولبنان سنة 1949، ليكون دفناً رسميا للجسد الفلسطيني، بعد تمزيقه لثلاث قطع: مناطق 48 «لتجسيد» اسرائيل، ووضع قطاع غزة تحت الادارة المصرية، وضم الضفة الغربية إلى امارة شرق الاردن لتكوِّنا معاً المملكة الاردنية الهاشمية.
توحُّد الروح والجسد يعني تكوُّن «النفس»، حسب ما يقول الدكتور السوري محمد شحرور في كتابه المميز «الكتاب والقرآن». ولما كانت الروح خالدة، وما يفنى هو الجسد فقط، فقد بقيت «الروح» الفلسطينية حيّة، لكنها لم تُرزق.
هامت الروح الفلسطينية المنكوبة ضعيفةً، فوق روابي الجليل والمثلث والنقب، فوق قطاع غزة والضفة الغربية، وفي أجواء مخيمات اللجوء. بدأت تتحسس نفسها في مطلع العام 1964، مع تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية، واستعادت عافيتها مع انطلاق حركة فتح مطلع عام 1965، واصبحت روحاً/شبحاً بحضور لا يمكن تجاوزه، مع الانجاز الكبير للعمل الفدائي الفلسطيني في معركة الكرامة الخالدة يوم 21.3.1968.
لم تكن عودة الروح سهلة، ارتكبت أخطاء وحماقات كثيرة، لكن المحصلة العامة كانت ايجابية، حيث فرضت نفسها في الشارع الفلسطيني والعربي والدولي وبلغت الامم المتحدة عام 1974.
تعرضت الروح/الشبح الفلسطينية لمضايقات ومواجهات عنيفة مع قوىً اكبر منها بكثير. قطَعتها احداث أيلول فأصبحت روحين/شبحين. ثم ارتكبت حكومة اسرائيل سنة 1982، بقيادة بيغين وشارون الحماقة الكبرى حيث قطّعت هذا الشبح الفلسطيني فأصبح أشباحاً غطت سماء الدول العربية، من الجزائر إلى الخليج ومن سوريا إلى السودان، وأصبح حضورها طاغياً على الصعيد الدولي، لتكون فعلاً
« الرقم الصعب» في معادلة الشرق الاوسط، وما كان لمؤتمر مدريد أن ينعقد عام 1991 بغياب الروح الفلسطينية، م.ت.ف.
لا استبعد ابداً أن يكون هناك من أعاد على مسامع إسحاق رابين الذي ورث مقعد رئاسة الحكومة الاسرائيلية من شامير اليميني المتطرف، مقالة/نظرية إحاد هعام حول تجسيد الروح. لمعت الفكرة على ما يبدو في ذهن رابين فأوفد مبعوثيه إلى اوسلو، وطار بعدها إلى واشنطن، ليعلن اعتراف اسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، وليتم توقيع شمعون بيرس وابو مازن على وثيقة اتفاق اوسلو هناك، بحضور رابين وابو عمار ورعاية بيل كلينتون.
توقيع اوسلو كان عملياً بدءُ تجسيد الروح الفلسطينية على ارض الواقع، على ارض فلسطين. لكّن هذا المخلوق الجديد كان مخلوقاً غير مكتمل التكون. كان اشبه ما يكون بوعد بلفور بالنسبة للحركة الصهيونية.
ولسوء حظ الشعب الفلسطيني فإن الروح الفلسطينية م.ت.ف حُشرت في هذا الجسد العليل غير مكتمل التكون، واعطته من ذاتها ليتحكم هو بها، وليبدأ بذلك مسلسل رعبٍ من الاقتتال والتناحر والتآكل بين الروح والجسد ليكون خاسرين كليهما، وربما وحدهما.
هذا المخلوق غير مكتمل التكون هو عملياً مسخ، ولكنه إبننا، والقضاء عليه جريمة وخطيئة، بل وخطيئة مميتة بلغة المسيحيين. لكن عدم رعايته كما يلزم في غرفة انعاش مؤهلة هي جريمة ايضاً بحق روح الشعب الفلسطيني هو جديرٌ بالرعاية المكثفة والمتواصلة، حتى يكتمل نموه ويشتد عوده ليكون وريثاً قوياً لروح الشعب الفلسطيني م.ت.ف.
لا مبرر لأن نحزن كثيراً إن مات اوسلو، لكن لا يجوز لنا قتله.
يتحدثون في الاعلام كثيراً هذه الايام عن موت اوسلو. لا يجدر بالفلسطينيين ان يرقصوا طرباً لمثل هذا الاحتمال. لكن ما اثبته بدء تجسّد الروح الفلسطينيّة وتكوّن هذا المخلوق غير مكتمل التكوين، ان الشعب الفلسطيني ليس عاقراً.
٭ كاتب فلسطيني
عماد شقور