من الجزائر إلى الدول الإسكندنافية… رواية التشابهات

حجم الخط
1

واحدة من نكت الموسم تقول إنّ الجزائر أفضل حالاً من دول إسكندنافية، هكذا تكلّم زعيم الحزب الحاكم، الذي بدا واثقاً من نفسه وهو يُخاطب جمهوره وأتباعه ومُحبّيه، الذين نسوا، في نشوة الاستماع لقائدهم وحاميهم، ارتفاع الأسعار وندرة مواد استهلاكية وتدهور الدّينار، وتوهّموا، للحظة، أن بلدهم يوفّر ظروف راحة أفضل من تلك التي ينعم بها مواطنو الشّمال الأوروبي.
وقد نصدّق ـ من باب السّذاجة ـ المتحدّث، ونتخيّل أنه محقّ في ما قال، وأنّ الحجّة في مقارنته السّمجة بين النّقيضين، هي قراءاته الكثيفة للأدب الإسكندنافي، الذي يكاد لا يخلو من قصص الموت والقتل والثّأر والدمّ والتحقيقات الماراثونية. وأغلب الظنّ أن رئيس الحزب الحاكم، الذي يخلط في تصريحاته ـ دائماً ـ بين الواقع والمتخيّل، قد قرأ رواية «انتحار جماعي ساحر» لأرتو باسيلينا (1942)، واستلهم منها وجه المقارنة، فهذه رواية تنطبق ـ تماماً ـ على الحالة الجزائرية، ولو غيّرنا مناخاتها الشّمالية، ونقلناها إلى الفضاء الجزائري، لصارت أكثر جاذبية، فكلّ شيء فيها يوحي بأن وقائعها تتكرّر في الجزائر، وللمصادفة فقد صدرت هذه الرّواية، لأوّل مرّة، عام 1990 (قبل أن تترجم لاحقاً إلى أكثر من 12 لغة)، في اللحظة التي دخلت فيها البلاد قاعة فسيحة ومعتمة، لا باب لها، للخروج منها.
تبدأ الرّواية من رجل أعمال فاشل ومُحبط يُدعى أوني ريلونان، كلّما انخرط في مشروع ما، خرج منه مُفلساً، يشعر بأن الشّؤم يطوّقه، وأن حياته ليست سوى حلقة من تكرار الفشل، فينوي الانتحار. يذهب إلى مخزن حبوب قديم ومعزول، وقد عزم على إطلاق رصاصة على رأسه. في ذلك المكان، الذي لا يرتاده أحد، في الغالب، سيُصادف عقيداً في الجيش، يُدعى: كمباينان، وهو يهمّ بالانتحار شنقاً. يقوم ريلونان، تحت صدمة المشهد، بإنقاذ كمباينان، ويصيران، بعد يوم واحد فقط، صديقين قريبين من بعضهما بعضاً، في صورة رمزية، يعرفها الكثيرون، في ذلك التّحالف البراغماتي، بين رجل الأعمال الفاسد والعسكري. هكذا سيقود كلّ من ريلونان، الذي تربّى وكبر في حبّ المال، وكمباينان، الذي عاش عسكرياً، مولعاً بالسّلطة والتّرهيب، أحداث الرّواية، حتّى النّهاية، ويكونان سبباً في بؤس وفرح مواطنيهم.
بما أن رجل الأعمال والعسكري قد حسما أمرهما بالانتحار، لا سيما أن العسكري فقد حظوته، بعد خلاف مع زملاء له في الثّكنة، وماتت زوجته، فسيقرران أن يأخذا معهما ما استطاعا من مواطنين لهما، ينتحرون معهم، من باب «إذا عمّت، خفّت». وبالتّالي يرتاحان من فشلهما، ويُشفيان روحهما السّادية. ينشران خبراً، في جريدة محلية، عن تأسيس «جمعية المقبلين على الانتحار» تحت شعار «لنجرّب معاً»، ويطلبان من كلّ من يفكّر في مقاسمتهما الرّحلة الأخيرة، الاتّصال بهما، على عنوانهما البريدي. ويُعيّن العسكري نفسه قائداً محتملاً للمنتحرين المحتملين، سيقودهم إلى حتفهم، مثلما كان يقود جيشه، ويتبعه رجل الأعمال، في التّخطيط وفي التّنسيق، كما لو أن الرّوائي يتحدّث عن رمزية الحالة التي نعيشها في الجزائر، فالعسكري لم يتخلّ قط عن مهمته ـ التي أسندها إلى نفسه ـ بقيادة الشّعب، إلى مصير لا يعلمه غيره، ولا أحد يعلم إن كان سينجو أم لا. كما إن رجل الأعمال ما يزال، منذ الاستقلال، يقرفص في الواجهة.
بعد أسبوع من نشر الخبر سيتلقيان أكثر من 600 ردّ، ويُراسلهما أناس، من مختلف بقاع البلد، يفصحون عن نيّتهم في مرافقتهما إلى الانتحار. من بين أكثر من 600 شخص يفكرّون في الانتحار، سيركّز أرتو باسيلينا على كاتب، ذكر في رسالته أنّه ينوي الانتحار، بعدما رفضت جميع دور النّشر تبنّي روايته الأولى. وبعد الاطلاع على المخطوطة، يردّ عليه رجل الأعمال: «بدل أن تُرسل مخطوطتك إلى دار نشر، أرسلها إلى طبيب نفساني». في سخرية مقصودة من الكاتب، ومن الكتّاب إجمالاً، وهو ما يحدث، بشكل مُتطابق، في الجزائر، فكثيراً ما يُتّهم الكتّاب بالجنون، وينفر النّاس منهم، ويقدحون في عرضهم. لكن ذلك الكاتب يصرّ على مرافقتهما، وبإلحاح منه، يدعونه، مع البقية، لحضور اجتماع تأسيسي لجمعية المقبلين على الانتحار، الذي سينتظم، بشكل سريّ، بعيداً عن أعين الأمن والمخبرين والصّحافة. هناك سيقرّرون استئجار حافلة، والتّوجّه إلى رأس الشّمال، أبعد نقطة، في النّرويج، التي تنتهي فيها جميع الطّرقات، ثمّ القفز بالحافلة، في البحر، والانتحار جماعياً. في الجزائر أيضاً، يتجّه الشّباب، كلّ يوم، إلى أبعد نقطة من اليابسة، إلى واحد من «الرّؤوس» المطلّة على الأبيض المتوسط، قبل أن يقفزوا في الماء، بنيّة الوصول إلى الضّفة الشّمالية، لكن عدداً كبيراً منهم يموتون في الطّريق، وتطفو جثثهم، كما لو أنهم عزموا هم أيضاً على انتحار جماعي، من دون تسمية الأشياء باسمها الحقيقي.
سيجمع العسكري ورجل الأعمال أموالاً من مُرافقيهم، فهم على أهبة الموت، ولا حاجة لهم بالمال، ويوفران لصالحهما مبلغا كبيراً، سيستفيدان منه لاحقاً. وفي آخر لحظة، ومن شدّة الخوف، يقرّر المقبلون على الانتحار تغيير وجهتهم، بدل القفز من جرف عالٍ، من رأس الشّمال إلى البحر، يتوجّهون إلى سويسرا، قصد القفز بالحافلة، من واحدة من منحدرات الألب. تسير رحلتهم، بشكل طبيعي، وفي تلك الأثناء تكتشف الشّرطة، في بلدهم ما خطّطوا له، وتنطلق تحريات واسعة، في البحث عن الرّاغبين في الانتحار جماعياً. لكن هذا الأمر لن يغيّر شيئاً من تكتيك رجل الأعمال والعسكري، فهما عازمان على الانتقال إلى العالم الآخر، ونقل من تسنّى لهم من مواطنيهم معهم. مرّة أخرى ستتغيّر الخّطة، ويخطر في بالهم الانتحار في مكان آخر، هذه المرّة في البرتغال، في أقصى نقطة من غرب أوروبا. وقبل أن يصلوا إلى وجهتهم، يكون العسكري ورجل الأعمال قد أمسكا بخيوط حياة جديدة لهما، وجدا أن من بين المنتحرين امرأتين جميلتين، يقرران الارتباط بهما، ويتركان واحداً من المُحبطين يقود الحافلة، وينتحر، ولا تعثر الشّرطة على جثته، بينما بقية المرافقين لهم ستتشتت سبلهم، ويجدون أنفسهم محبطين، مرّة أخرى، في حياة جديدة، أكثر قساوة من تلك التي عاشوها، من قبل. يعود رجل الأعمال والعسكري إلى بلدهما، ومعهما ما يعتبرانه «غنيمة»؛ امرأتان متفاهمتان، ومحبتان لهما، ومن حظّهما أن المحقّق، الذي يتعقبهما سيموت في مكتبه. وينطلقان من جديد في حياة أخرى، مستفيدين من الأموال التي جمعوها من جمعية المقبلين على الانتحار، بعد أن ضحّيا بالأشخاص المحبطين، الذين رافقوهما في رحلتهما الطّويلة، بينما الكاتب، الذي نعتوه بالفاشل، سيعود ويصير نادلاً، وهو يفكّر في كتابة رواية عن الطّبخ، في صورة اختزالية أخرى، تعمّدها المؤلّف.
لا بدّ أن المجتمع الإسكندنافي، الذي يطفو في مخيّلة زعيم الحزب الحاكم، هو مجتمع رواية «انتحار جماعي ساحر»، ويرى أن الجزائر أفضل منه، لأن الحافلة لم تصل بعد إلى نهاية الطّريق، ما يزال البحر بعيداً وهي تسير ببطء، يقودها رجل أعمال، وصاحب سلطة، سيكسبان ـ في النّهاية ـ مثلما كسب قبلهما ريلونان وكمباينان، ولا يهمّ أيّ مصير سيعرفه بقية الرّكاب، وأي حياة أخرى تنتظرهم. ولكن، قبل أن تصل الحافلة إلى الهاوية، وتقفز من جرف أو من منحدر، ماذا لو فكّر المتحدّث، وهو دكتور وحزبه مرتاح مادياً، بترجمة تلك الرّواية إلى العربية، على الأقل سيقرأ النّاس قصّتهم، يستأنسون بشخصياتها، ويتسلّون بوقائعها، ينتقون شخصية تتقاطع حياتها مع حياتهم، ولا يُداهمهم دوّار أو غثيان، وهو يركبون الحافلة؟

٭ روائي جزائري

من الجزائر إلى الدول الإسكندنافية… رواية التشابهات

سعيد خطيبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية