صار من قبيل تحصيل الحاصل، التنويه بدور الولايات المتحدة في تنحية شاه إيران وفي إطلاق الخميني من النجف إلى واحدة من ضواحي باريس ثم إلى طهران. كما أثبتت سيرورة الأحداث. وكان أول من أشار إلى دور الولايات المتحدة هو أليكساندر دومارانش مدير أجهزة الأمن الفرنسية أيام الرئيس ديستان. كما كتب عن الموضوع سفير المانيا في طهران ايام احتجاز رهائن سفارة الولايات المتحدة، التي أدى فيها دوراً مهماً وسرياً، كتب عنه منذ مدة قريبة، فصار بالإمكان رسم الخطوط العريضة لما حدث :
هبطت أسهم الشاه في واشنطن لما طالب (ومعه الرئيس الجزائري بومدين) بنوع من التوازن بين أسعار النفط الذي يصدره البلدان، وبين أسعار الآلات والتجهيزات التي يستوردانها.
يضاف إلى هذا السبب، على ما يبدو، معرفة الولايات المتحدة باكراً بإصابة الشاه بالسرطان مما يعني أنه إذا اختفى بغتة فقد يكون البديل اليسار وحزب تودة الشيوعي، مع ما يؤدي إلى اتجاه إيران نحو الاتحاد السوفييتي، مما لا تطيق الولايات المتحدة احتماله.
كان الكهنوت الإيراني تقليدياً، مهيمناً على «البازار» لضرورة جباية العشر من التجار، وهو كهنوت منظم وله تراتيبة معروفة تبدأ من الكاهن الجابي في السوق وتنتهي بآية الله العظمى، فاختارت الولايات المتحدة التعجيل بترحيل الشاه والمجيء بالكهنة للوقوف في وجه المادية الملحدة..
وصل الخميني إلى فرنسا، وفي الوقت نفسه بدأت غزوة الأشرطة المسجلة التي تحمل «توجيهاته» الإلهية، ومعها اندلعت المظاهرات المعروفة، التي كان بوسع الشاه قمعها.
احتاطت الولايات المتحدة للأمر وأرسلت الجنرال فرنون والترز، الخبير بالانقلابات، لمنع قادة الجيش الإيراني من التصدي للمتظاهرين بالذخيرة الحية، وهذا الجنرال ومن أوفده، يعرفون قادة جيش الشاه فهم من دربهم وجهزهم. أحبط هذا المنع أي مسعى لتعطيل المظاهرات، والنتيجة معروفة.
أستعيد هذه «الأمثولة» البليغة لمضاهاتها بما حدث في سوريا
مع بداية المظاهرات برز سفير الولايات المتحدة «روبرت فورد» كلاعب غير محايد في الأحداث، وزار ميادين المظاهرات، وأشتُهرت زيارته إلى حماة.. حتى ظننا أن حكومته تؤيد المتظاهرين. ولما بدأ التصدي للمتظاهرين بالذخيرة الحية، على مرأى من روبرت فورد توقعت أن يقلد ما فعله الجنرال والترز في طهران سنة 1979.
لكني نسيت أن فورد ليس جنرالاً.
وجاءت حكاية الخطوط الحمراء على الأسلحة الكيميائية، وسرعان ما تبين أنها وضعت لتشجيع الاستبداد على استخدامها، الذي سيكون ذريعة لسحبها من مستودعاته، كنوع من الإجراءات الوقائية لحماية.. المشروع الصهيوني، لا المدنيين السوريين وأطفالهم. تتجلى هنا أسباب اختلاف سلوك الولايات المتحدة في إيران وفي سوريا، ذلك أن قادة الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ( الصديق ) الذين اختلفوا على كل شيء بعد الحرب العالمية الثانية، قد تعهدوا أن يحافظوا معاً على أمن إسرائيل. ولم يخالفوا هذا التعهد منذ نهاية تلك الحرب. فهل نستغرب الوجود المسلح السوفييتي والأمريكي في معسكر الاستبداد..؟
نسيت داعش..
يبدو ـ والله أعلم ـ أن قادة إسرائيل الذين اطمأنوا منذ سبعينيات القرن العشرين، على مستقبل مشروعهم في الجولان، قد وجدوا في الشعارات التي خطها أولاد مدارس درعا، وفي هتافات الشباب «سوريا بدها حرية»، تهديداً خطيراً لسلامة المشروع الصهيوني…
فانصاع بوتين وأوباما ووضعا تعهد دولتيهما بالحفاظ على أمن إسرائيل موضع التنفيذ..
وتطور التعهد إلى برنامج لإلغاء الشعب السوري، وكيانه الموروث من سايكس ـ بيكو..
«إفرحي يا أم إسرائيل فدماء ابنك على تراب النقب لم تجف بعد».
٭ كاتب سوري
غازي أبو عقل