بإمكان كل من رأسيّ الفريقين المتصارعين في سوريا وعليها أن يدّعي النصر بصدور قرار مجلس الأمن الدولي 2254 في 2015/12/18.
جون كيري لخّص انتصار فريقه بموافقة سوريا على مجالسة معارضي نظامها إلى طاولة المفاوضات، بعد ممانعة طويلة أبداها، بحسب رأيه، رئيسها بشار الأسد.
سيرغي لافروف تحدث بزهوّ عن تبني القرار الأممي 2254 في إحدى حيثياته، البيانَ المشترك عن نتائج المحادثات بشأن سوريا الصادر في فيينا بتاريخ 2015/10/30، وبيان الفريق الدولي لدعم سوريا الصادر بتاريخ 2015/11/4، ذلك أن الحيثية المذكورة نصّت على «كفالة الانتقال السياسي تحت قيادة سورية، وفي ظل عملية سياسية يمتلك السوريون زمامها، على أساس مجمل ما جاء في بيان جنيف». النصر الذي قد يدّعيه رئيس كل من الفريقين المتصارعين اعتورته مرارة لم يخْفِها اركان واعضاء في الفريقين. فالرئيس الامريكي باراك أوباما لم يكتم امتعاضه من بقاء الأسد، إذ تمسّك بضرورة تنحيه من دون أن يحدّد موعداً لذلك. أعضاء في الوفدين السعودي والتركي لم يرق لهم الاتجاه إلى إبعاد ممثلي التنظيمات المسلحة المدعومة من بلديهما عن طاولة المفاوضات.
لعل التقويم الأكثر واقعية وموضوعية للقرار 2254 هو ما جاء على لسان الوسيط الأممي ستيفان دي ميستورا: «الحل السياسي كان مستحيلاً… الآن أصبح ممكناً».
ربما أصبح ممكناً، لكن بقدْر كبير من الصعوبة، ذلك أن عوائق عدّة، سياسية وعسكرية وفنية، ما زالت تقف في طريقه، على هذا الصعيد، يمكن بيان الملاحظات الآتية:
اولاً، لن تهضم السعودية وقطر وتركيا أن تكون تركيبة «الهيئة الانتقالية ذات الصلاحيات الكاملة» تحت قيادة سورية ما يُبقي الأسد في قلب العملية السياسية في المرحلة المقبلة. ولعلها ستسعى إلى التخفيف من وطأة مفاعيل هذا الإجراء بمحاولة الضغط ميدانياً على الحكومة السورية، كما على الولايات المتحدة وروسيا، من اجل تأمين حصة وازنة للتنظيمات المسلحة في الهيئة الانتقالية.
ثانياً، قد يطول الجدل حول تحديد التنظيمات الإرهابية وتمييزها من التنظيمات المعارضة «المعتدلة»، الأمر الذي يؤخر تأليف الهيئة الانتقالية ومباشرة عملها وبالتالي تأخير إجراءات وقف اطلاق النار.
ثالثاً، حتى لو أمكن التوافق على تركيبة الهيئة الانتقالية بصلاحياتها الكاملة، فإن جدلاً طويلاً سيندلع بين أطرافها حول معادلة توزيع المهام داخلها، ذلك أن فريق الحكومة السورية سيصرّ على الاحتفاظ بالصلاحيات المتعلقة بالإمرة على القوات المسلحة بجميع فروعها، الأمر الذي سيلقى معارضة من أطراف الفريق الآخر.
رابعاً، ستقع احتكاكات وخلافات ونزاعات بالضرورة بعد بدء مرحلة وقف اطلاق النار. فالجيش السوري (والقوى الداعمة له) لن يُوقف علمياته ضد قوات «داعش» و»النصرة» وقوى المعارضة المسلحة المتعاونة معهما، الأمر الذي سيثير حفيظة فريق المعارضة في الهيئة الانتقالية وقد يعطل اجتماعاتها إلى حين جلاء هذا الموضوع الحساس.
خامساً، يتضح من تصريحات ممثل سوريا في الأمم المتحدة بشار الجعفري، ووزير خارجية إيران محمد جواد طريف، أن الحكومة السورية تعتبر كل مجموعة مسلحة تقاتلها هي مجموعة إرهابية، الأمر الذي يؤدي إلى بلبلة واضطراب في حال اخفقت اطراف المعارضة في الهيئة الانتقالية – المفتقرة إلى قيادة موحدة – في ضبط عشرات الفصائل المسلحة التي تدعي أنها من المعارضة «المعتدلة» وبالتالي غير إرهابية.
سادساً، من المرجّح ألاّ تستجيب تركيا لبنود القرار 2254 التي تلزم جميع الدول ذات الصلة، والأطراف المنخرطة في القتال بوقف إطلاق النار وبمساعدة ممثلي الحكومة السورية والمعارضة على التفاوض، لكفالة انتقال سياسي بقيادة سورية. ذلك أن تركيا ستثابر على دعم القوى المسلحة القريبة من المعابر الحدودية لمنع الجيش السوري من السيطرة على كامل المناطق المحاذية لها.
سابعاً، في حال أخفق أطراف المعارضة الممثلون في الهيئة الانتقالية في الاستقلال عن حلفائهم الاقليميين، فإن عمل الهيئة سيُخفق بدوره. ذلك أن مسائل وقف إطلاق النار، وتأليف حكومة وطنية جامعة، والاتفاق على أحكام الدستور الجديد، وإجراء الانتخابات في مدى 18 شهراً من بدء المحادثات سيتعثر حلها ما لم يتوصل الأطراف السوريون إلى اقتناع متين بضرورة العمل بمعزل عن أي ضغوط، أو تدخلات خارجية.
ثامناً، حتى لو تمكّن الأطراف السوريون من المحافظة على مستوى معقول من الاستقلالية والتعاون، فإنهم قد يتجادلون طويلاً حول قضايا أساسية تتعلق بتركيبة حكومة الوحدة الوطنية، ومضمون الدستور الجديد، وأحكام قانون الانتخابات. هذه الخلافات المحتملة ستحول دون إنجاز العملية السياسية خلال18 شهراً.
تاسعاً، قد يتعثر عمل الهيئة الانتقالية، إذا ما أثيرت مجدداً مسألة إقصاء الرئيس بشار الاسد عن ممارسة أي دور في مستقبل سوريا، بمحاولة منعه من الترشح لولاية رئاسية جديدة، إذا كان راغباً في ذلك.
عاشراً، قد تأتي الانتخابات الأمريكية برئيس جديد قبل إنجاز الهيئة الانتقالية المهام المسندة إليها، وقد يكون للرئيس الجديد سياسة متعارضة مع سياسة سلفه، الأمر الذي ينعكس سلباً على المفاوضات. كما قد يفشل التحالف الدولي الجديد ضد «داعش» و»النصرة» في إجلائهما عن كل المناطق السورية والعراقية التي يسيطران عليها، ولاسيما الحدودية منها، ما يؤدي إلى تمديد الأزمة السورية وتداعياتها السلبية على الجهود الأممية ويربك إجراءات الحل السياسي.
يتحصّل من هذه الملاحظات وجود صعوبات وعوائق جمّة تعترض طريق الحل السياسي. ومع ذلك فإن توصّل الأطراف السوريين إلى توحيد قاطع لإرادتهم في الخروج من الازمة، كفيل بإنجاح المساعي الرامية إلى استعادة «وحدة سوريا واستقلالها وسلامتها الإقليمية وطابعها غير الطائفي، واستمرارية مؤسساتها الحكومية، وحماية حقوق جميع السوريين بغض النظر عن العرق أو المذهب الديني»، كما جاء في حيثيات القرار الأممي 2254.
٭ كاتب لبناني
د. عصام نعمان