بمبادرة سعودية، زار مصر مبعوث لأمير قطر، وانتشر في الإعلام ما قيل إنه شروط مصر للمصالحة مع قطر. تأكدت المعلومات المتناثرة في الصحف والفضائيات سريعا، بعد أيام قليلة بعد أن أُغلقت «الجزيرة مباشر مصر». احتفت الفضائيات المصرية الموالية للعسكر بهذا الاغلاق احتفالا كبيرا، بعد أن كان البعض يدّعون ألا أحد في مصر يشاهد قنوات الجزيرة. المتصلون في برامج «التوك شو» المصرية كانوا، كما يقول المثل «إذا وقع الجمل كثرت السكاكين». كانوا يطالبون الجزيرة بالاعتذار للمصريين عن الأكاذيب وحملات التضليل التي مارستها ضد مصر، وطالبوا قطر بالتوقف عن «تسليح الإرهابيين»، يقصدون الإخوان، مع ان احدهم لم يقدم اي دليل على ان قطر قدمت ولو «فشكة» فارغة لأي مصري، سواء كان إخوانيا أو غيره، وطالبوا أيضا بطرد قيادات الإخوان من الدوحة، وكلهم أجمعوا على طردهم لتركيا. الطريف ما تناقلته بعض الصحف من أن مصر اشترطت أيضا أن تقوم قطر بدعم مصر اقتصاديا، أي ماليا، بالمليارات كما فعلت السعودية والإمارات والكويت، واذا صح هذا، فالأجدر ألا تسمى مصالحة، بل أنها ابتزاز، أو بالمصري الفصيح «بلطجة».
الصلح خير، كما تقول الاغنية الشهيرة، ولكن الصلح العربي العربي ليس بالضرورة كذلك دائما. شروط الاتفاق المصري القطري، كما تسرّب للاعلام ببساطة ينقل قطر من جبهة المقاومة، ونصرة الثورات والشعوب، والديمقراطية، إلى المعسكر الآخر، المصري الخليجي، المعادي للمقاومة والشعوب والثورات والحريات، وتكريس القمع وكبت للحريات وهيمنة العسكر على القرار السياسي. فهل قطر فعلا مقبلة على ذلك، أشك في هذا،
فليس هناك خاسر واحد من مثل هذه المصالحة، بل خاسرون كثر. الخاسر الأكبر شبكات الجزيرة الإعلامية، سواء في مصر أو خارجها. المعروف عن الجزيرة مصداقيتها وموضوعيتها ومهنيتها، ولهذه الأسباب حظيت بأعلى نسبة مشاهدة عربية، أكثر من القنوات المنافسة مجتمعة. لا أحد يتوقع من الجزيرة أن تبدأ بالتطبيل والتزمير للسيسي وزمرته الحاكمة في مصر، التي تملأ السجون بالأحرار والحرائر. فإن هي فعلت فسينبذها المشاهد العربي، كما نبذ كل الفضائيات الأخرى التي تتفوه بلسان الحكام، أو العسكر، أو أمريكا أو إسرائيل، أو بأجندة طائفية بقناع وطني مقاوم، ومن غير ما نذكر أسماء الفضائيات المقصودة، فهي معروفة، وباختصار هذه الفضائيات لا تتكلم بالضمير العربي الحي، ولا تدافع عن الشعوب المهضومة حقوقها، باختصار معظم الفضائيات الأخرى لا تتكلم بلسان عربي.. مرة أخرى لا أظن أن الجزيرة فاعلة.
الخاسر الآخر هو القضية الفلسطينية، ولسنا بحاجة للتذكير بتغطية القنوات المصرية للحرب الأخيرة على غزة، التي رفع بعضها شعار «تسلم الايادي»، أيادي نتنياهو، وسمت المقاومة إرهابا، وحمّلت الضحية مسؤولية إراقة دمه، وباركت الحصار الظالم المحكم – وما تزال – على أهالي غزة الصامدين بحجة مساعدة حماس عسكريا للإخوان، وهي تهمة كلاهما منها براء، براءة الذئب من دم يوسف، ولكن الإعلام والحكومة المصرية يتقنان ببراعة ادوار إخوان يوسف الذين حاولوا الضحك على يعقوب الحكيم، ولكنه كان يعلم كذبهم، وكذا المشاهد العربي الواعي يعرف كبد الحقيقة. هل ستتخلى قطر والجزيرة عن مناصرة الشعب الفلسطيني، خاصة المحاصر منه في غزة، شِعب بني هاشم؟ لا أعتقد هذا أيضا.
الخاسر الآخر هو الإخوان. ليس سرا ان الكثير من قيادات الإخوان استجارت بقطر فأجارتهم (وهذا لا يقارن بإجارة السعودية لزين العابدين بن علي وملايينه التي هي ملك اهل تونس). الحكومة المصرية تطالب بتسليمهم لمحاكمتهم، أو طردهم من قطر. قطر لا تدافع عنهم لأنها تتبنى منهجهم، ولكنها تعرف أنهم مظلومون. ربما الأكثر منطقية ان تشمل المصالحة المصرية القطرية، مصالحة حكومة العسكر مع الإخوان ورفع تهمة الإرهاب عنهم، وإعادة أموالهم المصادرة، وإطلاق سراح المعتقلين وإلغاء الأحكام الجائرة، مثل الغرامات الباهظة والمؤبدات والإعدام، وزيادة مساحة الحريات في مصر. هل بقي من المنطق ذرة في هذا الزمن الرديء؟ الخاسر الآخر هو الثورتان السورية والليبية. المعروف ان الجزيرة وقطر تساندان ثورة الشعب السوري ضد النظام القاتل، ومصر، أقرب للنظام منها للشعب السوري. الأمر مشابه في ليبيا. مصر تساند صراحة اللواء المتقاعد (الذي ما زال يحارب) خليفة حفتر، وتسمي القوى الثورية قوى الإرهاب، لأنهم إسلاميون، فعند العسكر في مصر كل إسلامي إرهابي، حتى لو ثبت العكس، مثل الاخوان وحماس وثوار سوريا وليبيا والنهضة التونسية، وكأن الإسلام السياسي بعبع للعسكر يؤرق مضاجعهم، فلا بد من رميهم بتهم الإرهاب والتخلص منهم.
الخاسر الأكبر هو المواطن العربي الذي تعود أن يسمع ويشاهد المعلومة الدقيقة الموثقة من الجزيرة، ووقوفها في الجانب الصحيح من الصراعات القائمة بين الشعوب والطغاة. قطر ليست دولة ديمقراطية، وليس فيها حاكم منتخب ولا برلمان منتخب، ولكن يكفيها فخرا أنها نصيرة للحق، وأنها سمت بالإعلام العربي إلى مرتبة عليا بعد ان كان في الحضيض. قطر دولة صغيرة جدا، مساحة وسكانا، ولكنها كبيرة بمواقفها المشرّفة، وقد انتبذت لها مكانا شرقيا بعيدا عن مواقف باقي الخليج، ولذا سنجزم بأنها لن تخذل المواطن العربي، وأن ما تتناقله وسائل الإعلام المصرية عن شروط مصر للمصالحة مع قطر هي مجرد أحلام وأوهام وأمنيات، والأولى بقطر أن تضع شروطها في صلح كهذا.
وخزة: اغلاق «الجزيرة مباشر مصر» هدف مصري مبكّر في مرمى قطر، ولكن المباراة لم تنته بعد.
على المستوى الشخصي، أنا عملت في قطر لسنوات قليلة، قبل انطلاق الجزيرة، فإلى الدوحة كل التحية، لا تخيّبي آمالنا
٭كاتب فلسطيني
د. خليل قطاطو