من الخلافة إلى الصحراء: استعادة الموصل نهاية حقبة وبداية معركة جديدة على مستقبل العراق

حجم الخط
0

عام 2014 اجتاح مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية معظم مناطق العراق واحتلوا بعد سلسلة من المواجهات مع حكومة نوري المالكي عددا من المراكز الحضرية كانت مدينة الموصل أكبرها. وهربت القطاعات العراقية المرابطة بالمدينة وارتاح السكان قليلا من ممارسات حكومة بغداد الطائفية التي استهدفت السنة ورحب بعضهم بعهد جديد لم يعرفوا طبيعته رغم ان أشكاله ظلت حاضرة في مدينتهم التي عانت طوال الغزو الأمريكي منذ عام 2003 وبعد انسحاب القوات الأمريكية عام 2011. إلا أن طبيعة الحلم لم تكن واضحة والكابوس الذي سيخيم على صدورهم ستتحدد معالمه أكثر في الأيام المقبلة. وبعد أيام من دخول المقاتلين بأعلامهم السود المدينة وتوسعهم في محافظة نينوى وسيطرتهم على سد الموصل الذي يعد من أكبر مشاريع تجميع المياه وتوليد الطاقة في منطقة الشرق الأوسط، وقف رجل على منبر الجامع النوري، وأعلن «الخلافة» ودعا المسلمين من كل أنحاء العالم الرحيل إلى «أرض الخلافة» الجديدة. اسمه أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق وسوريا. وكان اختيار الجامع النوري مهما فهو معروف بمئذنته الحدباء والموصل معروفة أيضا بالحدباء. ويرتبط اسمه بنور الدين زنكي المولود نفسه في المدينة عام 1118ميلادية. وذكر المؤرخ إبن الأثير أن نور الدين تفقد نفسه موقع المسجد وصادر الأراضي حوله بعد تعويض أصحابها بأموال مجزية. ونور الدين هو إبن عماد الدين زنكي، مؤسسة الدولة الزنكية وورث عن والده هم التخلص من الصليبيين الذين احتلوا الأرض المقدسة.

شكوك

وبعد حوالي ثلاثة أعوام يبدو مشروع «الخلافة» نفسه محل شك، فقد خسر البغدادي معظم مدن العراق ولم يبق من الموصل إلى منطقتها الغربية حيث تقترب القوات العراقية المدعومة من المقاتلين الشيعة «الحشد الشعبي» من الجامع النوري، ولا يعرف مكان «الخليفة» حيث تقول تقارير عسكرية أمريكية انه غادر المدينة إلى الصحراء لإعادة التفكير بالمرحلة المقبلة من الحرب. وهناك من يقول إنه يتحرك قرب الحدود السورية ـ العراقية التي الغاها بعد إعلان الرقة عاصمة لما أطلق عليها «الخلافة». وتواجه الرقة المصير نفسه خاصة أن الولايات المتحدة عززت وجودها العسكري في سوريا في الأيام الماضية. وربما كان عام 2017 هو نهاية المشروع سواء حدث اليوم أو في نهايته. ويتوقع الأمريكيون حربا طويلة في الموصل حيث يرون أن المقاتلين الذين يواجهون الجيوش في المدينتين هم من الأجانب الذين لن يجدوا ملجأ لهم في بلادهم التي هربوا منها أو في المجتمعين العراقي والسوري والدول العربية الأخرى.
ووصف مايك غيغلو مراسل موقع «بادفيز»(9/3/2017) المعركة في الموصل بأنها تشبه أسلوب «ماد ماكس» (ماكس المجنون) في الفيلم المعروف بهذا الإسم. وقال إن التنظيم حول ساحة المعركة إلى ساحة جهنمية مستخدما القنابل الإنتحارية والطائرات بدون طيار المحملة بالمتفجرات، بالإضافة لقنابل الهاون ونار القناصة والمواجهات القريبة مع القوات العراقية. ووصف الكاتب المعركة بالشرسة وان المقاتلين المحاصرين من كل الجهات يقومون بهجمات مضادة تكلف القوات العراقية خسائر كبيرة مع أن الحكومة في بغداد لا تنشر معلومات عن الجنود الذين سقطوا في المعركة. وكانت هذه قد أوقفت العمليات في شرق الموصل بعد الخسائر الفادحة التي تكبدتها قوات النخبة «الفرقة الذهبية» وقوات مكافحة الإرهاب بانتظار التعزيزات. ولم تعلن الحكومة العراقية عن استعادة شرق الموصل بالكامل إلا بعد مئة يوم. ووصف غيغلو يوما من المعارك الجارية «فقد أرسل تنظيم الدولة أربع سيارات انتحارية الواحدة تلو الأخرى، فيما أمطرت الطائرات بدون طيار الجنود بالقنابل وأطلق القناصة الرصاص من بنادقهم وأدت قنبلة هاون لجرح جنديين عراقيين نقلوا سريعا من ساحة المعركة». وقال إن التغير في تكتيكات المقاتلين الجهاديين تكبد القوات العراقية خسائر فادحة وهي تتقدم في داخل المدينة. ولا يقلل الكاتب من صعوبة المعركة بسبب الشوارع الضيقة وحقيقة وجود أكثر من 650.000 مدني في بيوتهم يعانون من نقص الطعام والشراب والحصار والخوف. وبقطع كل الخطوط التي تربط المنطقة خاصة الطريق المؤدي إلى سوريا يخوض المقاتلون معركتهم الأخيرة. وتبدو معركة الموصل على خلاف المعارك الأخرى مختلفة. فالتنظيم ليس لديه أي خيار بل القتال. وفي المعارك على المدن الأخرى كان يترك قوة رمزية لإشغال العدو حتى ينسحب المقاتلون إلى المناطق الواقعة تحت سيطرته. كما أن المعركة تميزت هذه المرة بمشاركة واضحة للقوات الأمريكية الخاصة على الأرض بالإضافة للطيران الأمريكي الذي بدأ غاراته قبل أسبوع من الإعلان رسميا عن بدء المرحلة الثانية من المعركة. ومن هنا فالجهاديون في غرب الموصل «محاصرون ولا خيار أمامهم إلا القتال» حسب ضابط عراقي نقل عنه غيغلو. ولكنه اعترف أيضا بمقاومتهم الشديدة «وقتالهم وجها لوجه» العراقيين. كما أن الجهاديين يتكيفيون مع أساليب القوات المتقدمة. واستخدموا الطائرات المفخخة أكثر من سبعين مرة على منطقة واحدة وفي يومين فقط. وقال ضابط عراقي «أستطيع التعامل مع إطلاق النار لكن مع الأشياء التي تسقط من الجو فالأمر صعب».
وأشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» (16/3/2017) إلى أن المقاتلين المحليين في صفوف التنظيم بدأوا يتركون المعركة تاركين المقاتلين الأجانب لمواجهة مصيرهم المحتوم حيث سيخوضون المعركة النهائية. وعلق في هذا السياق أندرو إكسوم، النائب المساعد لوزير الدفاع الأمريكي سابقا في سياسة الشرق الأوسط بمجلة «ذا أتلانتك» (7/3/2017) قائلا إن الخروج من الموصل سيكون صعبا على المقاتلين الذين اختاروا القتال حتى النهاية وتعلموا من دروس الهزيمة في منبج وسرت والفلوجة. وتوقع والحالة هذه أن تطول مدة الحرب مما سيزيد من إجهاد الجيش العراقي المتعب من حربه في شرق الموصل. ويعتقد أن الجهاديين لن يستطيعوا الهرب لأنهم لم يعرفوا أو تجاهلوا أنهم محاصرون وصاروا محشورين في الزاوية. مشيرا إلى أن عام 2017 مختلف عن بقية الأعوام منذ ظهور الجهاديين على الساحة في أنه لم تعد هناك مناطق يلجأ إليها المقاتلون الهاربون من الموصل. فبعيدا عن بعض المناطق الصغيرة في وادي الفرات ودير الزور والرقة لم يعد هناك أمام المقاتلين خيارات للهرب. ويشير الكاتب هنا للصحراء كملجأ أخير للمقاتلين والمناطق السورية في الرقة ودير الزور. وهناك اتفاق أن الأيام التي كان يتحكم بها التنظيم بمناطق واسعة باتت معدودة، فمنذ عام 2015 يعاني من حالة تراجع وخسائر متتالية ولم ينتصر ولا في أي معركة. مع أن خروجه من الموصل أو الرقة لاحقا لن ينهي عملياته الحربية ولا إرهابية إلا أن السؤال المعلق بالهواء ويعرفه الكثير من العراقيين لا يتعلق بمصير الجهاديين الذين لم يكونوا ليظهروا لو كان العراق في حالة صحية جيدة بل بمستقبل البلد. فهل سينجو العراق من سنوات الجهاديين أم أنه سيتفكك بشكل فعلي؟

مصير العراق

وفي مقالة كتبتها سوزان غليسر المحررة لمجلة «بولتيكو» (13/3/2017) وحللت الموضوع من خلال نهاية القيادة الأمريكية للشرق الأوسط، في ضوء مؤتمر عقد بمدينة السليمانية، شمال العراق بداية الشهر الحالي. وقالت إن منطقة كردستان هي أكثر المناطق ولاء للأمريكيين في العالم ولم تكن لتوجد لولا تدخل عدد من الرؤساء الأمريكيين منذ جورج بوش الأب والإبن وبيل كلينتون وباراك أوباما. أما ترامب فلم يذكر في المؤتمر نظرا لأنه لم يفعل شيئا للعراق باستثناء ضمه إلى قائمة الدول المحظور على أبنائها دخول الولايات المتحدة قبل أن يحذفه في أمره الرئاسي المعدل. ومن هنا ترى غليسر أن مستقبل العراق ومعه استقلال كردستان محل شك، مع أن الأكراد يحضرون في مرحلة ما بعد تنظيم «الدولة» لخطوات تفصلهم عن العراق. وبناء على النقاشات التي استمعت إليها في المؤتمر فسيناريوهات المستقبل العراقي تتراوح بين التفكك إلى إمارات حرب واندلاع حرب أهلية وعودة نموذج الرجل القوي- مثل صدام حسين. وتشير إلى أن التفاؤل عملة صعبة في العراق. ورغم الكلمات الواثقة لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في المؤتمر إلا أن الأكراد الذي يواجهون مشكلة مع بغداد وفيما بينهم دستورية الطابع يعتقدون أن الدولة العراقية بشكلها الحالي والسابق قد فشلت. ويرى قباد طالباني، نائب رئيس وزراء الإقليم أن التحالفات العسكرية سهلة وأن مشكلة العراق لم تكن أبدا مشكلة أمنية مع تنظيم «الدولة»، بل يمثل هذا تهديدا سياسيا وأيديولوجيا ودوليا «ولو اعتقدنا أننا بتحرير الموصل نكون سحقنا تنظيم الدولة في العراق، فسنكون مخطئين، فهناك الكثير الواجب عمله على المستويات السياسية والاقتصادية حتى نشعر بالأمن ولا تعود النسخة الثالثة من تنظيم الدولة لتعيث فسادا في البلاد». وتقول غليسر إن الذين شاركوا في المؤتمر اتفقوا على أمر واحد وهو الدور الأمريكي في مرحلة ما بعد تنظيم «الدولة»، فالأكراد يريدون دعما من واشنطن لاستقلالهم وهناك مخاوف من انتشار عمليات تصفية الحسابات في المناطق السنية التي خرج منها التنظيم. وفي ظل أنشغال العبادي بالانتخابات العام المقبل والمشاكل التي يواجهها من داخل منطقته الشيعية خاصة نوري المالكي فإن المنظور يظل غير واضح المعالم.

ماذا بعد؟

ولأن التنظيم في طريقه للخروج من الساحة العراقية إلا أن المسألة متعلقة بماذا بعد؟ ومن هنا تقول «إيكونوميست» (8/3/2017) إن سكان الموصل بعد 3 أشهر من خروج مقاتلي التنظيم من الجزء الشرقي يشعرون بالقلق والملل، فالحكومة المركزية غائبة ولا ماء ولا كهرباء إلا من خلال المولدات الخاصة. وعلق أحد المواطنين «لا توجد حكومة هنا»، أما الشوارع التي حرثها التنظيم فلم يتم ترميمها بعد. وتركت الحكومة على ما يبدو الخدمات الطارئة للجيش والسلطات المحلية التي لا أثر لها. ويقارن سكان الوضع الحالي بما كان عليه في ظل تنظيم «الدولة» حيث استمرت الطاقة الكهربائية بالعمل على مدار الساعة. وحسب جنرال «ماذا يمكننا عمله، ليس لدى الحكومة الإمكانيات لإصلاح كل هذا. وسيتستغرق 12 عاما ونحن بحاجة للمساعدة الخارجية». وستعاني الموصل، على المدى البعيد مشاكل أخرى غير توفر الخدمات الرئيسية وإعادة الإعمار، مشاكل تتعلق بالسلم الاجتماعي، فتعاون بعض سكانها مع الجهاديين يعني تصفية الحسابات، كما يريد السنة وهم الغالبية الحصول على حصتهم من إدارة مدينتهم ومحافظة نينوى. أما الأكراد الذين ساعدوا على طرد الجهاديين فيريدون جائزة. والأهم من ذلك يحتاج السكان لماء الشرب الصحي والطاقة الكهربائية فالصيف الحار يقترب. فهل تحقق لهم الحكومة ما يريدون؟ والمؤكد أن الرمال الصحراوية ستبتلع ما تبقى من مقاتلي التنظيم وسيبدأ البغدادي رحلة التيه فهل سيعثر على الألواح المقدسة، أم ستقتله الطائرات الأمريكية؟

من الخلافة إلى الصحراء: استعادة الموصل نهاية حقبة وبداية معركة جديدة على مستقبل العراق

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية