من الخمار إلى الانفجار هكذا يتألق الكومبارس الإسلاموي في معارك الغد 

حجم الخط
0

هل باغتت سرعة وضخامة حركة انتقال الأفكار، كما باتت تنتقل المعلومة والبضائع جغرافية المكان عبر الفضاء الافتراضي الموسع بغير حدود، الغرب والعرب معا، بحيث لم يتوقعوا أن يغدو من إشكالاتهم المجتمعية الاسلاموية بشتى تأثيرات جدلها السوسيولوجية والأمنية؟ أم ثمة توظيف للظاهرة في معترك المصالح بين قوى الصراع القطبي الاقتصادي المتنوع والمتعدد في العالم؟
الظاهر أنه ثمة شيء من هذا وذاك معا، هذا الذي حدث بانصرام معطى ظرفي من إستراتجية الاستباق الغربي والتنظير الإسلامي لمسألة الاستيطان الدعوي في ديار غير إسلامية، ما أفرز هذا الاشتباك التاريخي في غربة الزمان والمكان معا، ما يعني أن الإشكال أعقد مما يتصوره البعض، وأعمق في أبعاده الفكرية والفقهية والإستراتيجية. فالراصد بشيء من الارتجاع المعرفي والتحليلي لخطاب الإعلام الغربي وحالته التصعيدية، تجاه التحولات السوسيو- ثقافية التي شرعت تنتقل إليه من المد الأيديولوجي الاسلامي الذي «سمي بالصحوة» منذ أزيد من عقدين عبر الجاليات المسلمة لديه، يدرك أن المسألة تتعدى كونها لحظة مأزق أمني، تسبب فيه هذا المدي الايديولوجي المتصاعد مكانا من الجنوب المتأزم هوياتيا، منذ أن سقط تحت هيمنة الفكر والآلة الاستعماريين التي دمرت بناه التحتية منها والفوقية، فلم تكن لا في ستينيات ولا سبعينيات القرن الماضي حتى، المسألة الاسلامية طبقا في مآدب الفكر والسياسة على بلاتوهات الإعلام، قبل أن تتحول إلى الطبق الأهم والأدسم منذ نهاية الثمانينيات إلى يومنا هذا، ولعل هذا التحديد الزمني المتلازم مع أكبر زلزال جيوستراتيجي عرفه العالم، منذ الحرب العالمية الثانية، والمتمثل في انكسار جغرافية الحرب الباردة وعودة الشرق إلى الغرب، وبروز القطبية الاحادية، قد يؤشر ويشير إلى شيء من علامات بداية التحول في فضاء الصراع الانساني، وهو ما كرسته نظرية صدام الحضارات التي أسس لها صامويل هنتنغتون في كتابه الشهير الذي يحمل عنوانه العبارة ذاتها.
إذ بدأت أسئلة قلق التعايش في جغرافيا الغرب تطفو على السطح، من خلال إثارة الزوايا الهامشية والمهمشة في سوسيولوجيا الغربة، مثل بعد المسلمين عن بعض مرتكزات الثقافة الحياتية الغربية، كالجنس المطلق وشرب الخمر وأكل الخنزير، ووصلت إلى حد التدخل في القضايا الشخصية، حين أعلنت حربا على الخمار وراحت كرة الثلج تتدحرج وتتدرج وتكبر لتشمل النقاب، لتنتهي في ذروة تعاظمها إلى الحالة الأمنية من خلال التفجير والترويع.
هذا التساوق في تطور حالة التداعي لشرط التغير التاريخي العولمي، من سعي غربي لاستحضار شبح الخصم الوجودي (الإسلام) ورفض مسلميه للهوية الكونية الجديدة، بدا غريبا مع بروز مؤشرات أخرى لم تكن في حسابات الاستراتيجية الغربية في ما هو ظاهر، لعل ابرزها الانكماش الحاصل في الاقتصاد العالمي، ما رفع من حدة التنافس على رقع الاستثمار الكبرى، والتمرد على خيارات الصين والقوى الاستثمارية غير الاستعمارية، كالصين وروسيا التي لجأت إليها الدولة المتحررة من ربقة الاستعمار لأسباب مرتبطة أساسا بتواضع المطلب الاستثماري لتلكم القوة الجديدة والمتجددة، واستفادة رجال السلطة في الدول مجال الاستثمار من عطايا وامتيازات شخصية، نظرا لضعف إعلام التحقيق لا التعليق، وانعدام كلي وأحيانا شبه كلي لجهاز الرقابة على أموال وخيرات الشعب وضبط الفساد بسبب ضعف الحالة الديمقراطية لدى الطرفين أي المستثمر والمستثمر لديه.
فأدوات التمرد تطورت وازدادت سرعة دواليبها بشكل جهنمي وسريع، فبعد أن عجز خطاب حقوق الإنسان وحقوق الأقليات عن لعب هذا الدور، ففتح عنف مواجهة الإرهاب بشكل دراماتيكي مع أحداث 11 سبتمبر التي أعطت ذريعة التدخل بقوة للهيمنة على مصادر الثروة في استرجاع غير منتظر للرؤية الاستعمارية الأولى بآلياتها، مع تغير العنوان من منطق الحماية والتأهيل الحضاري إلى تصدير الديمقراطية، ومواجهة الإرهاب الكوني.
فليس الأمر في نظرنا يتوقف عند حد سعي الغرب الكلاسيكي بمرجعيته الاستعمارية، لترويض خصوم الهوية العولمية التي وضع جزافا الإسلام الأيديولوجي على رأسها، بقدر ما هو شامل لبقايا الاعتراض على إرادته الهيمنية المتجددة، وعلى رأسها إيقاف لحاق الأمم غير الاستعمارية التي بنت قوتها الاقتصادية بسواعدها وأدمغتها وليس بمدافعها وعساكرها، بمحفل الكبار.
ويتجلى الأمر هذا بشكل أكثر حدة في المواجهة الغربية الروسية التي تتوالى وتتضاعف في لعبة ملفات جيو إستراتجية بدأت بأوكرانيا وانتهت حاليا في سوريا، بعدما فشلت كل نوايا الاستفزاز للعملاق الصيني، الذي تمسك بحكمة الصبر الذي يميز عقله الاستراتيجي والسياسي منذ القدم، مثلما سقط مشروع الغرب في دأبه لاستدراج إيران للتهور العسكري عبر عقوبات ومفاوضات استنزافية استفزازية قبلها العقل الدبلوماسي الفارسي بطول نفسه المعهود.
لكن ضعف الانتلجنسيا الإسلامية (على فرض أنها موجودة) مقابل بقاء احتكار الكاريزما الخطابية الكلاسيكية للقيادة التنظيمية والروحية والعسكرية حتى للحركة، أضعف من قدرة هذا التيار الإسلامي على إحباط الاستغلال والتوظيف الغربي له في مخططه الانبعاثي الاستعماري، فكل التنظيمات ذات المرجع الاسلامي، سواء تلك التي يصعب اختراقها تنظيما أو التي اخترقت، عجزت عن إيجاد مبررات موضوعية تقفز عن الخلاصات التراثية التي تأسست وفق أوضاع تاريخية وفق راهنها الزماني والمكاني، وظلت ناقدة للبعد الكوني الحالي وفق مساطير أخلاقية هوياتية بحتة، دونما قوة على طرح بديل مقابل المطالبة بحق الغيرية الهوياتية التي لا تعدو نطاق الرمز في كثير من أبعادها، في زمن تخطى صراع الوجود فيه نطاقات الرمز بمراحل كثيرة، ولا أدل على ذلك من غزوة الروس الحالية لسوريا في انزياح كلي عن الأصول اللا استعمارية لروسيا.
فالفكر الاستعماري الذي أسس لحضوره الدائم في قلق الجغرافيا الشرقية، التي ستظل عبر التاريخ بؤرة الصراع الدولي في مختلف أوجهه وأشيائه، من خلال إقدامه على خلق كيان متغرب مخرب لكل فرص توطين وتوطيد السلام العالمي، ونعني به الكيان الصهيوني، ها هو يسير بالعقلية ذاتها بعد قرن كامل على مشـــروعه ذاك، بأن أرســــى قاعدة قلق دولي أخرى ذات بعد «فزاعتي» وهي تنظم الدولة أو ما يسمى «بداعش» كأداة تمرد واضح على خصوم من الشرق في معترك العصر، إذ أسهم استدراج هذا التنظيم لعــــديد الشــــباب المسلم في خلط الأوراق التصارعية بالمنطقة، وصار أداة ضبط لسيرورة الصراع، يتم عبرها توزيع الأخبار المتعلقة بالارهاب وتسويق النوايا الظاهرة لقوى التمرد الرأسمالي القديمة بمناطق النماء الجديدة، وصار الجميع يترقب ظهور حركة إرهابية في فوق كل شــــبر يُكتشـــــف فيه النفط أو الذهب ولو كان ذلك في المنعرج القاصي من الكرة الأرضية!
وهنا يتضح جليا ضعف الناتج الفكري، على مستوييه الكيفي مثل الكمي في ببليوغرافية التيار الاسلامي، الانتاج الذي بمقدوره التصدي لإستراتيجية الاستدراج الخارجي وحركة تجييش الشباب الاسلامي وعسكرة الدعوة، بتجديد الوعي بالوجود القائم على قراءات راهنية مؤسسة على معطيات الوقع الدولي والانساني، غير تلك المرتهنة لسرديات الماضي، أو المعيدة لإنتاجه، أو المستغرقة في تأويل نصوص مصادره، ولعل السبب في ذلك يكمن في ضعف قوة دفع روح التجديد الناشئة عن محاذير واسترابة معرفية ومذهبية لحتميات الاندراج في العصر.
خلاصة ذلك كله هو أننا بصدد متابعة فصل جديد من مسرحية الصراع الكوني المتعدد القطبية مؤسس على غائية اقتصادية ينبعث منها تابل أيديولوجي، الأضعف حضورا على ركحه، إلا ما خلا من أدوار شكلها وجسدها إسلاميون مصطنعون أو موجهون عن غباء وعن بعد بالريموت كنترول للعب دور الكومبارس، وسط موجة من الهالة الإعلامية التي يراد لها أن تسلط الضوء على أماكن «اللمس» الارهابي كباريس، لندن ومدريد، وتطفئه تماما على أماكن «المص» للنفط والدم المخضب لرمال الشرق المشتعلة.

٭ كاتب صحافي جزائري

بشير عمري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية