من المسارات إلى الممرات

حجم الخط
2

■ الحوار الثقافي، أشكل علينا وما يزال والأمر مرشح أن يطول، أن يطول وفي الوقت نفسه لا نبالي.
يعد الحوار الثقافي مشكلة عالم مرفه أسندت له مرتبة أدنى في سلم الأولويات على نحو أقرب منه إلى المسلمات التي تعلو ولا يعلى عليها. والإشكال هنا قائم على أن مصائب العالم ناجمة عن سوء «مقاربة أمنية» قصّرت في قطع الطريق أمام «الأشرار» لإقامة حصن منيع بينهم وبين»الطيبين»، وبالكاد نتنازل عن إلحاق العامل الاجتماعي في التفسير للظاهرة، لتعود عند ذاك «المفهومية»، وفق التعبير المصري البليغ، إلى عملها ويومياتها وديدنها. «مصائب العالم، أسبابها معروفة، والعبرة بقرار صناع القرار دون سواهم». وبذا تتلخص الفكرة وبذا أيضا يكون الانتقال من استعراض سريع لـ»مصائب العالم» إلى «مصائب قوم عند قوم فوائد»… أنانية من الطراز الرفيع إذن وفي الوقت ذاته رضا بالنفس رخيص الثمن. ونعلم كيف مهّد الاثنان في التاريخ السبيل أمام هيمنة ثقافية قديما، وصراع للحضارات اليوم، ذلك الصراع الذي هو خير سليل في منطقة الشرق الأوسط لتبعات اتفاقية سايكس بيكو و»معجزات» المقص السحري لـ»لقوى العظمى» التي تسابقت على فرض مفهومها هي للهوية والحرية، بينما كان عالم آخر ممكنا.
كان عالم آخر ممكنا لو جرت العبرة بالتواصل بدل البتر، والتلاقح بدل التعقيم، والتناصف بدل التظليم. كان عالم آخر ممكنا لو جرت العبرة بالممرات لا المسارات، أو بالأحرى لو تلاقت المسارات فصارت ممرات.
عالمنا ملؤه رغبات في التألق، في استعراض العضلات وفرض السيطرة، وكلما امتلأت الأجواء سمات تكرس السباق إلى التفوق على الآخر انعدمت أصول الحوار.تبدأ إعادة اعتبار قواعد الحوار بالثقافة، لكن الثقافة مجالها واسع، ولا بد في هذه الحالة أن تنحو منحى الانتقائية، لكن ليس الانتقائية النخبوية وإنما نقيضها تماما. وهذا مكمن الشيطان الذي يقف في التفاصيل. وهنا يطرح سؤال: كيف الإفلات من طبيعة الانتقائية العميقة التي تقيم معيارا بين ما تراه مناسبا لحفنة من الناجين (من الجهل) ومن ليس أهلا للوصول إلى العلم، رغم أن طلب العلم فرض عين»حتى ولو في الصين»؟
كلا، ليست هذه بالانتقائية ولا بالنخبوية التي ندعو إليها، بل ندعو إلى انتقائية ونخبوية بديلة. والبديل في زعمنا ليس إسقاطا للنخبوية والانتقائية، بل فرضهما فرض عين أيضا لكن على الجميع، لأن هناك انتقائية يمكن وصفها بالانتقائية الإيجابية، مثلما جيء، في سياق غيره، بمفهوم التمييز الإيجابي. والانتقائية الإيجابية هي التي تحول المسارات إلى الممرات.
يمكن التعريف بالمسارات على أنها سير مبنية على معلومات تقدم زادا معرفيا بأفراد، بظواهر، بأعمال فكرية، ولكنها أشبه بجزر معرفية معزولة لا يدخلها إلا الراسخون في العلم، متى استثنينا سيرا وظواهر يتقاسمها الملأ بحكم اقتحامها الساحة الإعلامية بقوة ذات وزن… في السراء والضراء.
أما الممرات، فهي تشكل المنطقة المنسية من مخطط معرفي سليم يقوم على تشارك المعرفة بدل الاستئثار بها.أما الانتقائية التي ندعو إليها هنا، فهي انتقائية تشاركية، وتتلخص في إتاحة الفرصة لأكبر عدد منا لتقاسم دائرة المعارف اللامحدودة انطلاقا من أيسرها منالا وانتهاء بأكثرها دقّة عن الوصف واستجابة للجهد الذهني. وهذا ينطبق أكثر من أي وقت مضى على معرفة الغرب بتاريخ الحضارة العربية والحضارة الإسلامية. كيف يعقل مثلا أن ضاق علنا رئيس سابق للجمهورية الفرنسية عن معرفة إن كانت الأكثرية الحاكمة في العراق شيعية أم سنية؟ كيف نقبل أن يخلط كثير من زملائنا وأصدقائنا الإعلاميين بين الإسلامي والإسلامي المتطرف. وماذا عن ضرورة التذكر بأن التفكير الإسلامي – مثله مثل التفكير المسيحي مثلا- إنما هو تيارات وتوجهات روحية لاهوتية تنتسب لما يسمى بفلسفة الدين، ما يكرس التفكير في أن إطار الدين يحتمل بل يستوجب رسم إطار للمحاججة، التي تمثل بدورها القيمة الأسمى للديمقراطية.
فأين المعتزلة من الحنابلة مثلا؟ وأين الكنيسة التابعة لروما من المنشقّين اللوفيبريين؟ متى تصبح المعرفة تشاركية نتوسّل بها لإقامة الممرات بين الشعوب؟ ومتى تكون المسارات الحضارية والفلسفية والدينية والسياسية روافد تصب في انهار التقاسم المعرفي، لتغدو مادة خصبة لنخبوية جادة تيسّر سبل الإقبال على المعرفة بتفعيل عنصر تفتقده مجتمعاتنا بشكل صريح وهو تكافؤ الفرص؟
كيفيات الانتقال من المسارات إلى الممرات عديدة، ويلعب الإعلام فيها دورا أساسيا. لقد دخلنا فترة لم تعد فيها القنوات الإخبارية تلبي فيها الطلب على النحو الذي لبته في غمرة غزوها للمجال الإعلامي، والسبب أن الشعوب يئست من تلبّد سمواتها بغيوم مآسي كوكبنا فأخذت تفر من التعاطي مع المادة الإخبارية على النحو الذي كانت تتعاطى به زمن دخول بعض مناطق العالم في منعطفات حاسمة من تاريخها ، مثل «الربيع العربي». مجال الإعلام صار مطالبا إذن بتكثيف التنقيب في أحد أكثر الأدوات التي يثبت بها مهنيته، وهو الطابع الموضوعاتي لقنواته، بعد أن دخلت وسائل الإعلام ثورة الأقمار الصناعية لتصبح فيها طرفا فاعلا. متى سترى النور قنوات مكرسة للحوار الثقافي المبسط والمسلي ورفيع المحتوى معا؟ وحتى تنطلق طموحاتنا المشروعة من البداية، لنا مقترح، من شأنه أن يثري هذا الحوار فعلا. فالعناية بالترجمة من أنفع سبل تكثيف الإثراء المتبادل الخصب. الترجمة… كثيرا ما يمر المرء على منافعها مرور الكرام، وعندما يأتي إليها يقف في أحسن الأحوال عند مكاسبها الوظيفية لا أكثر، فلم نشحذ بما فيه الكفاية حسّنا الفني حتى يصبح ارتباطنا بالترجمة محكوما بمجانية الذوق قبل أن تسيّره حتميات ضرورة الفهم الوظيفي… من هنا إغفالنا البوابة الضامنة للتواصل الأساسي : الترجمة كناقلة للثقافة: ثقافة بلد، ثقافة منطقة، ثقافة جماعات إنسانية، توجهات فكرية ودينية، توجهات روحية…
هنا، إن لامسنا هذه النقطة، سنعود لإدراك أن الترجمة أمر بالغ الأهمية في كونها، في نهاية المطاف، ممرا لاحترام الناس والتذكر بالإنسان الذي في كل منا.

٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

بيير لوي ريمون

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية