من الهزيمة إلى العزيمة…

حجم الخط
1

■ لم تكن فترة إجازة أسبوعين باعدت بيني وبين الكتابة لهنيهات مدعاة للإحجام عن متابعة شؤون عالمنا وشجونه، لكن «على المقلب الآخر»، كما يقال، يمنح بُعد المسافة عن أدوات المتابعة المعتادة البعد نفسه لإلقاء نظرة جانبية تكون بها بؤرة الانكسار – كما يقول خبراء علم الأبصار – مختلفة الإضاءة والحدة وربما النوعية عن مثيلاتها المألوفة.
كنت أفكر في مسعانا الراهن وتحدينا المحتوم للنهوض بقيم العدالة والاحترام، وضمان تكافؤ الفرص ونزع الظلم والاستبداد وشتى ضروب الاسترقاق الحديث، جيوبا وبقاعا، والأجدر القول أنهارا وبحارا، فكان يلاقي تفكيري تفكيرا آخر، يعود بنا إلى أعمال الأدباء من جهة ويضرب جذوره في التاريخ من جهة أخرى.
كنت أفكر فيما أسالته هزيمة 1967 من حبر ليس لدى الصحافيين وكتاب الأعمدة والمقالات ورواد المناظرات التلفزيونية وحدهم، بل عند أقلام الأدباء من روائيين وشعراء وكتاب قصص طويلة وقصيرة، فكانت لغة هؤلاء السائدة لغة رفض «مغادرة الشعراء من متردم»، وأضع هنا تحت مسمى «الشعراء» آل الآداب بأصنافها.
لقد كانت لغة الأدب بعد هزيمة 67 لغة إصلاح ونضال، أي بعبارة أخرى لغة رفض لم تقف عند حد الرفض وإلا لكانت تسليما، بل لغة تدعو إلى إعادة النظر في طريقة التعبير في ما يختاره المبدع من ألفاظ، وما يضعه نصب عينيه من موضوعات، هي بنت ساعتها، يصوغها في قالب يجعلها في متناول الجماهير.
أجل… لقد دعا كتّاب «جيل الهزيمة» إلى «كتابة عزيمة»، وهي نقطة لم يشر إليها بما يكفي في وسائل التواصل غير المتخصصة. وما لم يشر إليه بما يكفي أصلا هو قدرة توصيل المفكرين رسالة مضادة لتلك التي تسوقها تيارات الخوف في مسعاها لاختزال الأديان في الصورة التي يقدمها من يوظفونها لتحقيق مرادهم الذي تحرّمه كل الأديان.
كنت أفكر في سرعة رغبة انتقال «كتاب الهزيمة» إلى «كتاب عزيمة» تتناسب مع رسالة الإبداع القائمة على النقل والتحول، وأعني بـ»النقل» و»التحول» القدرة على الاعتماد على أكثر الحالات دعوة إلى التآسي، لتحويلها إلى مواقف استثنائية تفتح أبواب الأمل ولو على شكل بارقة خافتة متسللة عبر فتحة كوة.
فتح أدباؤنا باب الأمل بالدعوة إلى العمل عبر الإصلاح، وهو ما يضيق به ساستنا ذرعا. ويضيق به ساستنا ذرعا لأنهم ضحية التاريخ، تاريخ دولي معاصر ثمّن، كما طرح الباحث الفرنسي بيار جان لويزار في كتابه الأخير، تواطؤ أنظمة دولية وعربية تعاقدت ضمنا على تقسيم الكعكة، وليدة اتفاقية سايكس بيكو، على مصالح طائفية ضربت بالقومية عرض الحائط فخلقت الثغرات الكفيلة بتسهيل المرور لمن لم يأل جهدا في الإغراء بأقليات مضطهدة، ليزيد اضطهادا على اضطهاد. وهكذا اكتملت الدورة كما يقول المثل الفرنسي.
وكرس الوضع غلبة فئات على فئات، مثلها مثل الإنسان الذي يكون ذئبا للإنسان، كما يقول الفيلسوف هوبس… فإلى متى ستزيد مسؤوليتنا الجماعية، وهي الحليفة الموضوعية لتدبير الدول على أساس التشرذم الفئوي، لا المواطنة، تكريسا على تكريس؟ ألم يحن الوقت للهزيمة السياسية بأن تتحول إلى عزيمة بنّاءة؟

٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

بيار لوي ريمون٭

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية