بغداد ـ «القدس العربي»: عرف التشكيل العراقي بتطوره الدائم، منذ بداياته وظهور عبد القادر الرسام (الذي كان ضابطاً في الجيش العثماني)، مروراً بجماعة الرواد، وصولاً إلى الفنانين الشباب.. المراحل التي مرَّ بها هذا التشكيل كثيرة، فلم يكن فائق حسن أول الأساتذة ولا جواد سليم، بل كانت هناك مخاضات كثيرة حتى وصلت لهذين الفنانين اللذين قدما الكثير للفن العراقي، هذان الفنانان بدورهما قدما نماذج جديدة بعد تأسيس فائق حسن لأكاديمية الفنون الجميلة في خمسينيات القرن الماضي، ومن طلابهما الذين ابتكروا نماذج جديدة في الفن العراقي شاكر حسن آل سعيد ومن ثمَّ محمد مهر الدين وصولاً إلى الفنانين الشباب الذين حاولوا تقديم فنون أكثر حداثة؛ مفهوماً وتقنية.
فكيف نقرأ سمات الحداثة في هذا الفن عراقياً؟ وكيف قدم الفنانون العراقيون مفاهيم الحداثة بأعمالهم التشكيلية؟
تقطير التجربة
الفنان والناقد خالد خضير الصالحي يرى أننا نؤرخ لبداية الحداثة بالتحول التقني والفكري من المنمنمة إلى اللوحة المسندية، وهو ما تحقق على يد عبد القادر الرسام وفق الروايات الموثوقة، إلا أن أهم الارتكاسات التي قيدت التطور الطبيعي نحو الحداثة كان الهيمنة الآيديولوجية التي استعيرت من خطاب عصر النهضة العربية، واتخذته «جماعة بغداد» منهاجاً لا تتحقق صفة (الفنية) أو (الجمالية) إلا به، لذلك يعتقد الصالحي أن الحداثة الفعلية تحققت حينما بدأت اللوحة تنفصل عملياً عن أسانيدها النظرية وتتجه إلى أسانيدها المادية (الشيئية) على يد بعض الطليعيين من الستينيين: صالح الجميعي، محمد مهر الدين، الذين وإن كانت أسانيدهم النظرية ظلت (خمسينية) ولكن هذه الأسانيد كانت بالنسبة لطليعيي الستينيين لا تشكل إلا وسيلة لإيجاد (حوار) مع المتلقين، فلم تشكل عائقاً إلا بدرجة ما، عائقاً سيتمكن الثمانينيون من تلاميذ شاكر حسن آل سعيد من الخلاص منه، وإن كان الخلاص لم يكن يخلو من تبريرة.
ويضيف الصالحي أن مفهوم الحداثة يتجسد الآن في تقطير التجربة الستينية والتجارب الشيئية لجيل الثمانينيات، وآخر الأجيال التي أنهكها القتل المجاني لما بعد التغيير، لتتحول اللوحة، إما إلى واقعة شيئية كما حول سويتين الجثث إلى ألوان، أو التخلي عن فعاليتي الـpainting) ) والـ(drawing) والتوجه إلى فن مفاهيمي ينغمس في مشكلات المصير الدموي المجهول.
تحولات جيلية
يشير الفنان ستار كاووش إلى أن مفهوم الحداثة يختلف من فترة أو مرحلة إلى أخرى، ويرى أن كل فن هو معاصر ضمن الفترة التي أنجز فيها، لأنه يمثل تلك الفترة بشكل أو آخر، معتقداً أن الحداثة هي غير أن تقدم أعمالاً إيهامية لا يفهمها أحد أو شطحات بعيدة عن الجمال والفن أو أفلام فيديو هي قريبة إلى الأفلام الوثائقية منها إلى الفن التشكيلي، الحداثة هي أن نسحب المشاهد من ياقته ونبهره بعملنا، لا أن نضع مجموعة من الحبال تتلى بشكل أبله من سقف الصالة ومعها همهمات موسيقية غريبة من جهاز وضع على كرسي مكسور يتدلى منه كمّ (مفرد أكمام) قميص. مضيفاً أن هناك مسألة أخرى، وهي أن الكثيرين يفهمون الحداثة أو التجديد في الرسم هو تقديم أعمال تجريدية، وطريقة التفكير هذه ساذجة ومضحكة، لأن الفن في أغلب مناطق العالم دائماً ما يعود إلى التشخيص، بل أن أعظم إنجازات الرسم كانت وما زالت في أطار الفن التشخيصي، لكن كل فنان قدم ذلك بطريقته ورؤيته الخاصة.
أما بالنسبة للعراق من وجهة نظر كاووش، فكما هو معروف أن الحداثة الحقيقية بدأت في الستينيات مع إنجاز نصب الحرية لجواد سليم، ومع عودة بعض الفنانين من الخارج مثل إسماعيل فتاح الترك، الذي قدم معرضاً أواسط الستينيات وأثر على الكثيرين ومازال تأثيره واضحاً، وكذلك كاظم حيدر الذي قدم معرضاً في الفترة نفسها وأثر على الكثيرين وفتح أمامهم أفاقاً جديدة. في الثمانينيات؛ أيضاً، خطا الفن العراقي خطوات إضافية نحو التجديد، قادها مجموعة من الشباب في معارض كثيرة، ابتدأت بالمعرض الكبير الذي أقيم في قاعة كولبنكيان سنة 1985 وكان إيذاناً واضحاً بظهور جيل جديد ومجدد. في السنوات العشر الأخيرة أثرت الحرب والأزمات التي يمر بها العراق والمنطقة على الفنانين الشباب وأصبحت أغلب أعمالهم يغطيها دخان الحروب ورماد الانفجارات وبقماشات واسعة يتطلبها هذا الموضوع الكبير والمؤثر.
حداثة مقيدة
في حين يحدد الدكتور جواد الزيدي أن سمات الحداثة الحقيقية في التشكيل العراقي بدأت بظهور الجماعات الفنية في النصف الثاني من القرن العشرين، وتحديداً مع جماعة بغداد للفن الحديث وعرابها جواد سليم، أما ما جاء به جيل الريادات من عبد القادر الرسام وزملائه فكان تأسيساً لمداخل نقلت تجربة عنيت بالطبيعة ومناخ الرسم، من دون الولوج إلى قيم الحداثة الفنية التي تكرست في ما بعد. وعلى الرغم من أن الحداثة الفنية (حداثة مقيدة) لا حداثة منفتحة مثلما هي الحداثة الأوروبية، إلا أنها استطاعت أن تقدم أنموذجاً مهماً تدين له المرحلة والجنس الفني باشتغالاته الأولى المبكرة وتوصلاته البصرية، تجاوز من خلالها محيطه الإقليمي في التعامل مع التراث الرافديني، كما فعل جواد سليم وأتباعه، أو العودة للتراث الإسلامي والشرقي والحروفي، كما تبناه شاكر حسن آل سعيد وأتباعه من الحروفيين العرب. ومن هنا يرى الزيدي أن هذا التعامل مع هذه المعطيات هو ما منح الفن العراقي خصوصيته وظلال هويته (لا هويته الكاملة)، وأن ما قدمه الفعل الفرداني لفنانين مثل كاظم حيدر ومحمود صبري وواقعية الكم التي قدمها وطروحات محمد مهر الدين وفيصل لعيبي تصب بالاتجاه ذاته، وهذا ما اصطبغت به التجربة التشكيلية العراقية وتعددت مناهلها المحلية والتراثية بتعدد الحركات والمذاهب الفنية التي أضحت اتجاهات لها هيمنتها على مجاوراتها الفنية، فلا أحد ينكر أبوة جواد أو آل سعيد أو حكمت والترك وصالح القرةغولي.
أما التجارب الشبابية منذ ثمانينيات القرن المنصرم فإنها تتحرك باتجاه الأسلوبية العراقية التي كونتها الجماعات الفنية، على الرغم من محاولات البعض تقديم تجارب جمالية تغاير السالف، ألا أنها لم تتجاوز حدود البحوث الجمالية المقدمة. ولكن متغير 2003 استطاع أن يخلخل الموازنة بعض الشيء نتيجة الانفتاح على تجارب الآخر، وبدأت ملامح اشتغالاته تتضح الآن، بما يفرضه الواقع ومعطاه المؤلم الذي اتخذه الفنان سبيلاً للتعبير بمباشرة الطرح أو بالإيحاء والرجوع إلى موضوعات الحلم والمتخيل وتمثلها في العمل الفني.
التطلع إلى الجديد
غير أن الفنان محمود فهمي عبود يبين أن التشكيل العراقي منذ نشأته الحديثة بعد تشكيل الدولة العراقية الحديثة، رافق التأثيرات الأوروبية وتجاربها بداية القرن الماضي وتأثر بها، محدداً فترة ضباط الدولة العثمانية وتجاوزهم بعد سقوطها وعودتهم إلى بغداد كمثال عبد القادر الرسام، وهؤلاء كانوا البذرة الأولى للتشكيل العراقي في تلك المرحلة ولكن كان تجاوزهم لابد منه للانتقال إلى مرحلة أكثر نضجاً وجديةً، خصوصاً بعد أن أرسلت البعثات الأولى للدراسة، فبرز فائق حسن وجواد سليم، ومن ثمَّ رافع الناصري كفنان غرافيك وغيرهم. غير أن القفزة الكبيرة بدأت تظهر في نهاية الخمسينيات وبداية حقبة الستينيات والسبعينيات التي أنتجت لنا عدداً كبيراً من الفنانين الكبار، وهم جيل ما بعد الرواد وتعددت اتجاهاتهم الفنية وتأثيراتهم حسب تأثرهم بأساتذتهم.
أما الاتجاهات التي تبناها جيل الشباب فقد تغيرت كثيراً، بعد الاطلاع على الأساليب الفنية العالمية الجديدة، فبرزت مجموعة رائعة من الفنانين الشباب ومواهب وقدرات هائلة استوعبت ونضجت وتجاوزت مرحلتها وبعضها من هم داخل العراق والآخر خارج العراق، ولكن في آن واحد انتشرت ظاهرة نقل أساليب لفنانين أوروبيين ونقل مفرداتهم بتقليد لا يخلو من السذاجة أحياناً! وللأسف، انجرف لهذه الموجة عدد من الفنانين الذين لهم اسم وأسلوب متفرد وجميل وتحولوا تحت مغريات هذه الأساليب الجديدة التي ابتعدت كثيراً عن مفهوم الحداثوية العراقية التي نطمح لها ومغرياتها وهو الوصول السريع للعالمية كما يضنون! هذا ناتج عن عدم إدراكهم أن العالمية لا يمكنها أن ترى النور إلا من خلال محلية الفنان وليس ما يقدمه من فن لا يمت لك بصلة مجرد أنه لغة يمكن النفوذ منها إلى أصحاب الغاليرهات، كما يضنون أو للمروجين ومن ثم لتوصلها إلى المقتنين، من دون الإدراك أنهم ليسوا بحاجة لمثل هذا الفن لأنهم يعانون من التخمة من فنهم ولمفرداتهم، فهم يتطلعون إلى الجديد وليس إلى تكرار لأعمال فنانيهم.
تجارب مكررة
الفنان خالد المبارك يرى أن البداية الجادة في التشكيل العراقي كانت منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، بغض النظر عن محاولات كانت خجولة لبعض الفنانين العراقيين المغتربين وبوقت مبكر، فكان لجواد سليم وفائق حسن وحافظ الدروبي وبعض ممن رافقهم بمسيرة البداية والتأسيس لفن عراقي معاصر خرج عن المألوف والسائد في الفن التشكيلي آنذاك… بعد ذلك توالت التجارب بعد جيل الستينيات الذي يعد الأكثر جرأة في تناول الموضوعات والتحولات السياسية والاقتصادية التي مر بها البلد، وهنا بدأت التقنيات والمعالجات الفنية تأخذ منحى آخر نحو التجريب واستثمار الخامة في العمل الفني بعداً آخر، غير أن الفنان العراقي بقي أسير انطباعاته للتجارب الفنية العالمية، بغض النظر عن بعض الفنانين القلائل الذين فكوا قيود الأسر والتبعية الفنية والحداثوية، من أمثال الراحل كاظم حيدر وصالح الجميعي وصالح القرةغولي وآخرين.
من جانب آخر، يلاحظ على الفنانين الشباب أنهم لم يأتوا بجديد سوى التعكز على التجارب السابقة وإعادة صياغتها، بل بدا التقليد والفبركة بالعمل الفني سمة غالبة، على الرغم من وجود الأيدي الماهرة، غير أن هذا لم يكن كافياً، بل هناك مكملات للفنان الصادق الباحث والمجدد.
صفاء ذياب