الموهبة فطرة تولد مع الانسان، وقد تكون موروثة، كأن يكون المرء مُغنياً بالفطرة، أو موسيقياً أو شاعراً أو غير ذلك، كأن يكون الولد أو البنت مثل الأب أو الأم براعة في فن من الفنون، قد ينمو ويتطور، أو قد يخمد، لسبب أو آخر.
وفي مجال الشعر تكون موهبة الشاعر الفطرية أساساً في إبداعه، يُحسّن منها ما يتعلمه من محيطه بدءاً من طفولته فصاعداً، وهذه ما يمكن وصفها بالثقافة غير المباشرة، لأنها تأتي من الاختلاط بالآخرين، وقد يكون بينهم شاعر أو رسام أو موسيقي مما يحفز صاحب الموهبة أن يتطور في مجال بعينه. أما الثقافة المباشرة فهي التي يقصد اليها صاحب الموهبة الشعرية قصداً، يتعلم من شعر الآخرين أو يتجنب الغث منه.
يروي عن أبي نواس أنه قال: «ما نطقتُ بالشعر حتى حفظتُ لستين من شاعرات العرب، فما بالُك بالشعراء». ونحن لا نعرف كم من الشعراء قد حفظ امرؤ القيس، أم من الشاعرات. ولكن ثمة اشارة صغيرة إلى البيت الثاني من معلّقة طرفة بن العبد، الذي يشبه البيت الخامس من معلّقة امرئ القيس، وزناً ومعنى، باستثناء قافية طرفة «وتجلد» مثل قافية امرئ القيس «وتجمل». قال: «فاستحلفوه فحلف أنه لم يسمع بيت امرئ القيس» فأثبتوا البيت له. كانت معلقة امرئ القيس معروفة، مشهورة ولا يُعقل أن طرفة، الذي جاء بعد صاحب «وقوفاً بها صحبي عليّ مطيهّم/ يقولون لا تهلك أسى وتجمّل» لم يكن على معرفة بأول وأشهر المعلقات. معنى ذلك أن الشعر كان في الجو العام يتنفسه صاحب الموهبة الشعرية فيدخل إلى القلب «دون استئذان». ومن أمثلة الثقافة غير المباشرة كثير مما يدخل في ذه صاحب الموهبة، ويأتي اللاحقون ليتحدثوا عن «سرقات المتنبي».
ومن امثلة الموهبة الشعرية في زمان أقرب إلى زماننا قد تحسن الإشارة إلى الشاعر الأمريكي ـ البريطاني ت. س. إليوت (ت 1965) والشاعر العراقي بدر شاكر السياب (ت 1964). لم يكتفِ إليوت بما نهلَ من ثقافة من جامعة هارفرد، بل قصد إلى أوروبا بعد تخرجه فقضى ردحاً من الزمن في جامعة ماربرغ الألمانية العريقة، وجامعة باريس العريقة الأخرى، وجامعة اكسفورد، لكي يجمع مجد الثقافة من أطرافها، فقد كان يُحسن عدداً من اللغات الأوروبية يقرأ في آدابها ويستزيد، مما جعل شعره «صعباً على الفهم» حتى عند أبناء لغته.
ويحسن النظر هنا في مقالة إليوت الشهيرة بعنوان «التراث والموهبة الفردية». يرى إليوت أن من يريد أن يبقى شاعراً بعد الخامسة والعشرين من عمره عليه أن يكون مطلعاّ على أفضل الشعر من هوميروس حتى معاصريه من الشعراء، بمن فيهم أبناء لغته. هذه هي الثقافة المباشرة المقصودة لتكوين الشاعر المثالي، شريطة توافر الموهبة. ويزيد إليوت في القول إن صاحب موهبة مثل شكسبير أفاد من كتاب واحد ترجمه نورث بعنوان «مشاهير الإغريق والرومان» أكثر مما أفاد كثيرون من مكتبة المتحف البريطاني (المكتبة البريطانية) برمتها. وهذا يعني أن «الموهبة» هي التي تنتقي لتصهر في «موهبتها الفردية» ما هو جديد.
لقد كثر الحديث عن ثقافة السياب الشعرية بسبب دراسته في قسم اللغة الإنجليزية بدار المعلمين العالية ببغداد، سنتين بعد أول سنتين بقسم اللغة العربية، وكان ذلك ممكناً أيام بدر. ولكني أقول بمنتهى الاطمئنان أن موهبة السياب الشعرية كانت أكبر بكثير مما تعلمه من الشعر الإنكليزي في آخر سنتين من دراسته في «العالية». لم تكن مناهج الدراسة في القسم تصل إلى بواكير الشعر الحديث، وأنا شاهد من أهلها. لم نسمع بأسماء إليوت، سيتويل، أو بأي شاعر من القرن العشرين خلال دراستنا، ولا بأي شاعر أمريكي، أو فرنسي مترجم إلى الإنكليزية. ولما عدتُ للتدريس في «العالية» بعد حصولي على الدكتوراه في الأدب الإنكليزي جربتُ تقديم بعض الشعر «الحديث» فكان إليوت أول مغامرة أقدمت عليها، بدءاً بأسهل قصائده «مقدمات»، فوقعتُ في شر أعمالي، إذ كانت الأسئلة الأولى: هذا شعر؟ أين الوزن والقافية؟ ما معنى «الشعر الحر»؟ لم تكن «مقدمات» تخلو من إيقاع يشبه الوزن. لكن مغامرتي لم تتكرر إلا بكثير من الحذر. كان هذا وضع قسم اللغة الإنكليزية حتى بعد تخرج بدر بأكثر من عقد من الزمان. فما الذي أفاد بدر من القسم في آخر سنتين من دراسته؟
الواقع أنه تعرف على شيء من شكسبير، شعراً ومسرحية، وقليلاً من شعر الرومانسيين: كيتس على الأخص. مع ذلك، كان بدر، كما يبدو لي، باحثاً متطلعاً جهده، واستمر في جهوده الخاصة بالقليل مما تعلمه من اللغة الإنكليزية في آخر سنتين، وقد تخرج في العام 1948.
في ذلك العام جاءنا غلى «العالية» الأستاذ الفلسطيني، العراقي لاحقاً، المرحوم أستاذي جبرا إبراهيم جبرا: شاباً بثقافة أدبية فنية راقية من كمبرج، فالتفّ حوله عدد من شباب المثقفين في بغداد الخمسينات التي كانت تموج بالشعراء والأدباء والفنانين. وكانت مقهى «البرازيلية» في شارع الرشيد «الصالون الأدبي» الذي يقصده عدد من أدباء تلك الأيام الذهبية. كان بدر أحد أولئك الرواد. وبعدها كان يزور أستاذنا جبرا في داره، يستمع إليه ويسأله كثيراً، ويستعير منه كتباً في الشعر والنقد، يدرسها بشغف كبير، مستعيناً بشروح أستاذنا، وأستاذ جيل من الشعراء والأدباء في تلك الايام، حتى آخر ايامه.
كان من أبرز أحاديث جبرا كلاماً عن الأسطورة والرمز وأثرهما في الشعر الحديث. وقد تلقف بدر هذه الإشارات فأثرى بها شعره، بإفراط أحياناً، لكنه أضفى عليها مسحة «سيابية» وبخاصة استخدامه الأساطير المشرقية، والإغريقية، كما في قصيدة «المومس العمياء» (1954): «وتفتحت، كأزاهرِ الدفلى مصابيح الطريق/ كعيون ميدوزا، تُحجّر كل قلبٍ بالضغينة». في «تفتحت .. مصابيح الطريق» صدى مباشر من «مقدمات» إليوت. فبعد سلسلة من الصور في «المقدمة ـ 1» يأتي بيت الختام «ثم إضاءة المصابيح» في الشوارع الشتائية المعتمة، دون الإشارة إلى «الفاعل» في عملية الإضاءة. و»ميدوزا» في الاسطورة الإغريقية غولة شعر رأسها أفاع، إذا نظر المرء إلى عينيها تحجرت عيناه. لكن بدراً جعلها «تحجر كل قلبٍ بالضغينة» لتناسب الضغينة على عالم أنتج مومساً.. لكنها عمياء، اضطرها فقرها إلى «مهنة» بهذا القبح القاسي.
وفي «أنشودة المطر» كثير من أمثلة الثقافة غير المباشرة، في الإشارة إلى «العيون الخضر» في أغنية إسبانية أو إيطالية شاعت يومها، كما شاعت أغاني أسمهان في «أغنية تصف العيون، تنثال من مقهى» هي أغنية أسمهان من أسطوانة في «مقهى عرب» في العشّار: يا لعينيكِ ويالي/من تسابيح خيالي». ومن امثلة الثقافة المباشرة استعمال مشهد شرفة جولييت التي وقف روميو تحتها طول الليل يودع حبيبته قبل طلوع الفجر وصوت القبرة التي يصر روميو على أنه صوت البلبل، طائر الليل. وداع بدر لحبيبته «إقبال» أم «غيلان» وهربه من السلطة مثل هروب روميو قبل أن تصحو سلطة أهلها. لا أعرف إن كانت عينا إقبال خضراوين، لكن موهبة بدر جعلتهما كذلك، مثل خضرة «غابتا نخيل ساعة السحر» وهو تطويع الثقافة إلى صيغة محلية، وهنا أصالة الشاعر الموهوب. وعنوان «أنشودة المطر» هو كل ما أخذه بدر من قصيدةإبدث سيتويل صعبة الإشارات الثقافية، في «ما زال يهطل المطر» مطر الدم يهطل من السماء، في إشارة تمزج هطول القذائف الألمانية على لندن خلال الحرب العالمية الثانية مع صورة هطول الدم عند صلب المسيح. وهذا أكثر تعقيداً مما تتحمله قصيدة بالعربية، فجعلها بدر: مَطر، مَطر… ويهطل المطر.. وكانت السماء تغيم في الشتاء، ويهطل المطر… وحين يُعشِب الثرى نجوع… وهو تطويع الإشارة الثقافية إلى صيغ محلية، لا يقوى عليه سوى صاحب موهبة كبرى.
عبد الواحد لؤلؤة