من خريف الشعوب إلى ربيع الأنظمة

حجم الخط
1

لم يكن ليمر العقد الأول من الألفية الثانية، من دون أن يسجل أحداثا مهمة في تاريخ البشرية، من شأنها رهن مستقبل الشعوب والأنظمة السياسية القائمة، بما عرفته من تطورات إقليمية ودولية، وما خلفته من تداعيات سياسية واقتصادية واجتماعية، تجاوزت حيز النفوذ الترابي وحدوده الجغرافية والسياسية للبلدان المشمولة بهذه التحولات.
لقد ساهم الحراك الشعبي الذي اندلعت شرارته من شمال أفريقيا «المغرب العربي» ثم انتقل إلى دولة مصر، ليمتد بعدها إلى جمهوريات وإمارات الشرق الأوسط، في إحداث رجات بالأنظمة السياسية، تفاوتت درجتها بحسب طبيعة شكلها وهندسة كيانها القائم. مما أفضى إلى إنتاج مخاض قصري وولادة جنين مشوه، لكونه لم يبلغ بعد فترة تكوينه الطبيعي، ولم تتوفر له أسباب الولادة الطبيعية. فكيف تم الانتقال من مرحلة خريف الشعوب إلى محطة ربيع الأنظمة السياسية؟ وما هي رهانات انعكاسات هذه الثورة المضادة؟

أولا: سيناريو تجليات الثورة المضادة

بعدما عزمت الشعوب العربية على رفع سقف مطالبها الاجتماعية والسياسية إلى أرقى مستوياتها، وُّجِهَت حينها بعناد وتجاهل تامين من قبل الأنظمة السياسية القائمة، وبتجنيد كافة الأجهزة الأمنية والعسكرية، لرد حالة الاستنفار المُوَجَه بانفعالية المتضررين من مرحلة التدبير الماضية، ولوقف موجة تحركاتها واندفاعاتها الثورية المتحزمة بتغيير مظاهر إجحاف الماضي، بمعالم آمال ومتمنيات المستقبل المنتظر، وقناعتهم راسخة بأن إرادة الشعوب التواقة للتحرر من براثن القهر والاستبداد، لابد من بلوغ مآربها ولو بعد حين. وقد أفرزت هذه الوضعية تغيير أنظمة سياسية في كل من تونس، مصر، ليبيا، واليمن… ولا زالت بعض الأنظمة السياسية القائمة تتحسس عروشها فجر كل يوم، سواء تلك التي تعرف حراكا اجتماعيا وسياسيا يتذبذب بين العملية السلمية والمواجهة العنيفة، أو تلك التي تشهد تحركا صامتا لازال في فترة كُمون مرحلي.
عملت معظم الأنظمة السياسية الحاكمة على اعتماد العديد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية لمواجهة المطالب الشعبية، قصد توفير السبل التي من شأنها المساعدة في كبحها والحد من مظاهرها المتزايدة. من خلال العمل على تعديل الدساتير وصياغة نماذج تنموية بمقاربات تختلف عن سابقاتها، ما من شأنه وضع حد لمظاهر الفقر المنظم وشح الفرص الاجتماعية التي طبعت مدخلات ومخرجات الفترة الماضية.
غير أن هذه المقاربة لم تكن كافية لاحتواء الحراك المجتمعي، فقد عمدت الأنظمة السياسية الحاكمة في الدول العربية إلى طأطأة رؤوسها، بواسطة أساليب التدبير المعتادة «التعاطي السلمي أحيانا والعنف أحيانا أخرى» حتى مرت عاصفة «ثورات» شعوبها بمختلف مراحلها، ثم أخذت المبادرة العاكــسة لتلك التوجهات. لتلتف بعدها على رهانات الشعوب وآمالها في مستقبل ملؤه حماية الحقوق والحريات، وتحصين سيادة القانون، وتكريس العدالة الاجتماعية.
وإن أحدث هذا الحراك الشعبي تغييرات على مستوى هرم السلطة، إلا أنه لم يلامس في عمقه خرقا جذريا لجوهر المنظومة بقدر ملامسته لشكل النظام. من خلال تغيير هذا الرئيس أو ذاك، أو هذا المسؤول أو ذاك، مع الاحتفاظ بأساليب التدبير المعتادة في إدارة أنظمة الحكم، وتبني التوجهات الاقتصادية، وإرساء الدعامات السوسيوثقافية.
وتجد سيناريوهات الثورات المضادة أساسها من خلال التغيير الناعم لأنظمة الحكم، التي جاءت بناء على إرادات الشعوب ووفق قناعاتها، بحيث أن «الحكومات الشعبية» لم تدم فترة تدبيرها السياسي بما يتوافق مع الزمن السياسي الكافي، الذي يمكنها من الانخراط في إرساء إصلاحات حقيقية تقطع مع مخلفات التدبير السياسي والاقتصادي في العقود الماضية. مع العلم أن هذه المدة التي قضتها «حكومات الخريف العربي» (ولاية حكومية واحدة على الأكثر) لا تُقَدر سوى بالوقت الذي استرجع فيه الفاعلون الحقيقيون في الأنظمة السياسية قواهم وعزموا على العودة لسدة الحكم، وإن اختلفت الأساليب الفاعلة والآليات المعتمدة في ذلك.

ثانيا: انعكاسات ربيع
الأنظمة على واقع الشعوب

أصبحت أنظمة الحكم العربية تعمل على تأمين عروشها من كل خطر يهددها، ليس لمواجهة المخاطر الآتية من خارج الحدود، بل بتلك المرتبطة بالداخل، على اعتبار أن التحديات الداخلية – في نظر الحاكم – تمثل أكبر تهديد على النظام السياسي من تلك الخارجية. وإن كانت بعض الأنظمة السياسية تستعين بمن هم خارج حدود الدولة لتوفير سبل الأمان (من هذه التحديات) لحدود هذا البلد أو وذاك، ممن اعتادوا نمط التفكير الغربي في تدبير الأزمات، عوض الحلول المبتدعة من الذين تشبعوا بالخصوصيات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية نفسها، التي يترعرع فيها أبناء الشعب الواحد وتحكمها ضوابط المعتقد الفكري السائد.
إن من شأن منهجية ضبط الشعوب العربية أن تعرف تضييقا أكثر مما كانت عليه في المراحل السابقة، لأجل ردع أي تحرك استباقي من شأنه المطالبة بإقرار إصلاحات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، أو تعديل منظومات قائمة تضمن مزيدا من الحقوق والحريات، أو المطالبة بتشجيع وخلق مزيد من الفرص الاجتماعية خاصة للشباب.
على اعتبار أن المقاربة الأمنية والتضييق على الحريات، تشكل المرتكز الأساس الذي من شأنه توجيه المرحلة المقبلة بكل تمفصلاتها، لكونه يمثل في نظر بعض النخب السياسية والإدارية والأمنية، آلية موازية تضمن الانتقال التدريجي والسلس في إقرار الإصلاحات المطلوبة بين المراحل المتعاقبة من زمن التدبير السياسي والإداري، وكذا المساهمة في بلوغ أهدافها بالكيفية المطلوبة.
وإن كنا نرى أن هذه المقاربة لا تمثل ســـوى مزيد من تأزيم الأوضــــاع أكثر مما هي عليه، واحتدام الاحتقان الاجتماعي والسياسي بين الفئات الحاكمة والمحكومة إلى مستويات متقدمة من شأنها إعادة الأمور إلى مربع الصفر.
ويجد هذا المقترب أساسه، من خلال ضبط الأنظمة السياسية وتحديد سقف تحركات نخبها والفاعلين في صناعة وصياغة التوجهات والقرارات السياسية في الدولة، من قبل بعض مجموعات الضغط التي كانت فاعلا في ضمان انتقال نظام الحكم للنخب المعنية به، خلال فترة التمرين السياسي الذي واكب مرحلة الحراك العربي.. من دون أن يلامس ذلك تبني منهجيات حقيقة في إدارة منظومة الحكم بما يتوافق مع رهانات الشعوب، على اعتبار أن تغيير شخصيات الحكام لم يواكبه تغيير أنماط التدبير وعقليات التفكير السائدة.
وما تجدر الإشارة إليه، أن ارتباط «الثورات العربية» بحركات عنف قابلتها موجات عنف مضاد، فإن المشهد السياسي الغربي لم يسلم هو الآخر مما يعرفه محيطه الدولي سياسيا واقتصاديا، وإن كانت معالم المشاهد السياسية الغربية قد تميزت عن نظيرتها العربية بالانتقال الناعم للسلطة، الذي أثث الفضاء السياسي لنخب فكرية شابة من شأنها تولي مقاليد السلطة خلال العقود المقبلة، بعدما أصبحت النخب التقليدية عاجزة عن مسايرة الشرائع/ العقائد المعاصرة لعالم اليوم.

٭ باحث في جامعة محمد الخامس ـ المغرب

بجيجة العربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية