لندن ـ «القدس العربي»: مسرحان يعرضان هذه الأيام عرضين مختلفين فيما يخص ثورة 25 يناير/كانون الثاني المصرية، أبطال العرض الأول هم المناصرون للشعارات الثلاثة لثورة 25 يناير 2011 (عيش ـ حرية ـ كرامة إنسانية) بينما على المسرح الآخر يجري عرض حي لمسرح الواقع لما بعد 30 يونيو/حزيران و3 يوليو/تموز 2013 الذي يعلو صوت بعض داعميه عبر وسائل الإعلام المصرية بترديد اتهامات هدم الدولة لعناصر شبابية لعبت دورا أساسيا خلال الثمانية عشر يوما من عمر الثورة، وما تلاها من أحداث احتجاجية لعام كامل ضد الإخوان وصولا إلى إسقاط حكم الإخوان المسلمين بقيادة الرئيس السابق د. محمد مرسي في 30 يونيو 2013، ولكن سرعان ما لاحقتهم سياط وسجون النظام الجديد عند أول تظاهرة احتجاجية على صدور قانون التظاهر.
ففي الوقت الذي كانت محكمة شمال القاهرة في العباسية تبرئ الإعلامي أحمد موسى المناصر لـ30 يونيو وما بعدها، وهو الأعلى صوتا في اتهامات التخوين ضد تيار يناير، من تهمة سب وقذف اسامة الغزالي حرب، وهو الداعم والمتمسك بشعارات25 يناير، في الوقت ذاته، كانت الحلقة السادسة من مسلسل «استاذ ورئيس قسم» تختتم حلقتها السادسة مساء الثلاثاء الماضي، وقد خرج موسى وسط أنصاره، محتفلا بحكم البراءة، ومحتفيا بكونه لم يقدم أي اعتذارا عن اتهاماته المتواصلة لشباب الثورة باللاوطنية، فإن المسلسل، بطولة الزعيم عادل إمام، لايزال يناقش قضية ثورة 25 يناير، وفقا لسيناريو المسلسل الذي قام بتأليفه يوسف معاطي وأخرجه وائل حسان.
ومع أن المسلسل حتى حلقته السابعة، التي بثت مساء الأربعاء، لم يصل بعد إلى أحداث ما بعد تنحي الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك عن الحكم، إلا أنه لا يزال يعرض مختلف وجهات الموقف السياسي داخل ميدان التحرير وقتها، متضمنا إبراز وجود كافة التيارات السياسية، بما فيها الإخوان المسلمون، إلا أن الكثيرين اطلقوا سؤالا موضوعيا، هل يمضي المسلسل ووفقا للتسلسل التاريخي لما بعد مرحلة يناير، وصولا إلى 30 يونيو و3 يوليو 2013 أم لا؟ وهل أن تناولها سينجح في عرض ما لحق بشباب ثورة يناير من تهم ومحاكمات ألقت بهم خلف الأسوار؟ أم سيركن إلى سياسة الاصطفاف الغالبة الآن على المشهد الإعلامي والإبداعي المصري، أي سيادة سياسة الصوت الواحد، وصحيح أن المسلسل حتى الآن يقدم نماذج شبابية تشابه شخصيات، كعلاء عبد الفتاح وأحمد دومة وأحمد ماهر، وغيرهم من شباب يناير، إلا أن ثمة من يرى أنه، من باب الأمانة في السرد الدرامي التاريخي للثورة، ملامسة تداعيات ما بعد الثورة ومصير شبابها في السجون، ورغم ذلك لا ينجوون من لسان التخوين واتهامات التمويل الخارجي، بل وضعهم في خانة الداعمين للإخوان المسلمين، فقط لكونهم تظاهروا ضد سياسات هي صنيعة حالة سياسية، هم كانوا طرفا اساسيا افي إيجادها على أرض الواقع السياسي المصري.
كما ان المهتمين بمآلات الثورة المصرية يترقبون بقلق كيف سيتعاطي هذا العمل الدرامي مع كثير من رموز الثورة في سياق السيناريو الدرامي، خاصة أن بطل المسلسل الدكتور فوزي اليساري المعروف ووفقا لبعض ما نشر عن المسلسل، سيتولي وزارة في مرحلة ما بعد الثورة .. فهل يعني ذلك اشارة ما نحو رمز بعينه؟ أم سيلعب المؤلف والمخرج على المسارات الدرامية ذاتها الآمنة تاريخيا، ابتعادا عن الجدل السياسي الدائر الآن في مصر؟ بمعني عدم التشخيص والتوصيف الدقيق لمواقف التيارات السياسة لما بعد الثورة، لاسيما وأن ما عرض حتى الحلقة السابعة من المسلسل يمثل حالة إطلاق مسميات للحراك السياسي الذي سبق الثورة، تبين ما جرى من عمل سياسي احتجاجي، من دون أن تطلق عليه الاسم الحقيقي، ربما منعا للسقوط في دائرة الاستقطاب السياسي الحاد، وفقا للراهن المصري، ولعل أبرز تدليل هنا هو حركة «أيه» في المسلسل، وهي تاريخ غير بعيد، تمثل رمزية لحركة «كفاية» اليسارية، التي رغم مرور أربع سنوات على الثورة، لايزال بعض قياداتها التاريخية يقومون بأدوار سياسية وحقوقية أوقعت بعضهم مثل جورج اسحاق تحت نيران وتخوين من بعض إعلام ما بعد 3 يوليو.
ولعل هذا يبين أن فريق العمل الدرامي كما يبدو سعى للسير بالمسلسل على أرض ملغومة، ما بين المبدئية الثورية ومآلات الثورة، وهو مسعى يهدف إلى تجنب مزالق وفخاخ حالة الاستقطاب السياسي تلك.
عليه فإن كان عرض مسرح صراع تيار الثورة وما بعدها قد حسم قضائيا لصالح أحمد موسى في قضيته مع الدكتور أسامة الغزالي حرب، فإن الأعين تتابع حلقات مسلسل «استاذ ورئيس قسم» لتقرأ العمل الدرامي الكبير للزعيم عادل إمام، تماما كما تحلل كيفية تناول القضايا والمواقف، في مناخ يفرض حتما أن تصنف كشخص أو عمل ضمن أحد تيارين. فلننتظر ونرى إلى أين سيمضي المسلسل؟
أنور علي