من دفتر أحوال مصر قبيل ساعات من ذكرى الثورة العظيمة!

مصر؛ كما هو معروف بلد محوري بين أقطار الوطن العربي وإقليم الشرق الأوسط وافريقيا. وذكرى ثورة 25 يناير الخامسة تحل بعد ثماني وأربعين ساعة من ظهور هذه السطور صباح السبت 23 يناير.. ويمكن أن ندعي أن أطراف المعادلة المتحكمة في الأوضاع الداخلية؛ تتشكل من قوى وكتل سياسية مفرزة من توابع زلازل ثورتي يناير 2011 ويونيو 2013.
وكانت قوى الثورة تتطلع إلى نظام أكثر حرية وعدلا، يكون ملزما، وتتوفر فيه مقومات المساواة والكرامة الإنسانية، وسرعان ما دخلت الثورة دوامة الصراعات. وكثير من القوى التي تطلعت إلى ذلك النظام المأمول أعطت الثورة ظهرها، وتركتها هائمة على وجهها؛ وذلك جرى بتأثير الطموحات الخاصة، ومغريات السياسة، ومغانم الحكم.
وصدم كثيرون من ظهور بعض موظفي المؤسسات الدولية والإقليمية.. وكأن الوضع الوظيفي الكبير يمكن أن يُحول الموظف إلى ثائر، وبدأ ذلك بمحمد البرادعي وعمرو موسى، ولم ينته بحازم الببلاوي..
والثابت الوحيد على مدى السنوات الخمس الماضية هو بقاء علاقات الحكم وفلسفته على ما هي عليه، وهذا أعاد إنتاج حكم عائلة مبارك، وجاءت الانتخابات النيابية فأكدت حضور ذلك الحكم البائد؛ بأصوله وفلوله وغبائه وأنانيته وانحرافاته وبطشه؛ وكل ما حدث أن مربع التوريث انكسرت أضلاعه الأربعة: مبارك الأب وولده.. والزوجة والأم وحصتها في وزارات الإعلام والثقافة والتعليم العام والعالي والمجلس الأعلى للمرأة.. ووزير الداخلية حبيب العادلي.. والضلع الأخير زكريا عزمي رئيس ديوان الرئاسة.
واختار مربع التوريث الليبرالية، بمبناها ومحتواها العقائدي (الأيديولوجي) في الثقافة والفكر والسياسة والاقتصاد والدين؛ دون آلياتها الملتحقة بها عنوة.. وهي آليات ديمقراطية بدأ تطورها في القرن الخامس قبل الميلاد؛ في المدن اليونانية مثل أثينا واسبرطة إلى أن وصلت إلى طورها الحالي، والليبرالية وإن أخذت بهذه الآليات لتحسين الصورة أهملت البعد الوطني والعمق الإنساني؛ ولم تقم وزنا للاستقلال، ولا للضمانات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية الكافية لحياة كريمة.
وجاء «التغريب» ليجعل منها عقيدة (أيديولوجية) سابقة التجهيز تعتمد على النقل والمحاكاة، ومنذ بداية الألفية الثالثة وجد الليبراليون المصريون خلاصهم في توريث الحكم، وفي ولوج عالم السياسة والمال.. واختير «الرئيس الموازي» جمال مبارك كوجه «مدني»؛ يقطع الطريق على العسكريين المتقاعدين، فيمنعهم من الوصول إلى منصب الرئيس.
ومع سقوط مشروع «التوريث»؛ سارعت قوى عربية وإقليمية وغربية بالرهان على «الإسلام السياسي»؛ بمكوناته الإخوانية والسلفية والجهادية (المسلحة)، وكانت كلها تعادي التغيير وترفض الثورات، واعتبارها خروجا على ولي الأمر ومنشأ الفتن ونشر الفوضى، وفجأة يتغير هذا الموقف العقائدي الثابت، في ظروف ثورة بدت بدون رأس وبلا صاحب، وهذا أغرى «الإسلام السياسي»، فقد وجد فيها فرصته لتحقيق حلمه في إقامة مشروعه المذهبي.. وتحت ضغط هذا الإغراء اختلط العنف بالثورة، والتجارة بالسياسة، والدين بالحكم.. وهو ما لا يتحمله الواقع التاريخي والاجتماعي والديني في مصر وفي غير مصر.
وبعد خمس سنوات من ثورة يناير الأم تفرقت القوى المتنافسة والمتنازعة، وتوزعت على أربع قوى رئيسية هي: قوى الموالاة.. وقوى المعارضة.. وقوى المناهضة.. وقوى الثورة.. وتتكون قوى المناهَضَة من جماعات وفرق العنف المسلح. وتستهدف إسقاط الدولة ونشر الفوضى، وتصعيد العنف الدموي، ورفع وتيرة التصفيات والاغتيالات!.
وإدارة مصر الحالية خليط من القوى الثلاث الأولى؛ فالموالاة والمعارضة والمناهضة؛ بدت متفقة على تصفية حسابها مع ثورة يناير، واستأثرت وحدها بثورة 30 يونيو، واعتمدت حملة تصفية الحساب على ضباط متقاعدين من القوات المسلحة ومن المخابرات العامة والمخابرات الحربية والشرطة، وظهير معاون من ذوي الصوت العالي ومحاميي و»فتوات» البرلمان، وكان ذلك واضحا في الخروج على القانون والدستور في جلسة أداء القسم، وفي إدانة «كبيرهم» لثورة يناير المنصوص عليها في ديباجة دستور 2014؛ والديباجة ملزمة كمواده تماما حسب النص الدستوري.
وما حدث الأربعاء الماضي من رفض مجلس النواب لـ»قانون الخدمة المدنية» بأغلبية 332 وموافقة 150 وامتناع 7 نواب عن التصويت؛ يقتضي الانتظار، حيث بدت القبضة على المجلس رخوة، والتحكم فيه محل شك، ويبدو أن عدد المستقلين، الذي فاق نواب الأحزاب وممثلي القوائم كان وراء مفاجأة إسقاط قانون «الخدمة المدنية»!!
وكل ذلك لم يمنع من وجود «كتلة تاريخية» كونتها قوى دينية مستنيرة.. وقومية عروبية.. ويسارية وطنية.. وبدأت بذرتها الأولى وقت كتابة الأهداف الأربعة الرئيسية لثورة يناير، وذلك في الساعات الأولى لها.. وحين تمت ملاحقة الثورة ومطاردة الثوار وازدياد القلق بعد اغتيال الصحافي الحسيني أبو ضيف؛ اُستنفرت هذه «الكتلة التاريخية»، وبادرت بالحشد للموجة الثانية من بدايات آذار/مارس حتى نهايات حزيران/يونيو 2013.. وعزز نجاح ثورة يونيو شعارات ثورة يناير وقد بدت عامة ومحلية، وبرزت قضية الاستقلال الوطني، وعاد هدف استعادة الدور العربي والإقليمي والافريقي المفتقد لمصر، وأضيف ذلك إلى أهداف ثورة يناير الأم.
وهذا لم يمنع كذلك من أن تطل الدولة البوليسية برأسها، ولا نقول الدولة العميقة كما يراها كتاب وصحافيون وسياسيون، فلم تشغلها المواجهات مع العنف المسلح عن إيذاء الناس، لتثبت أنها كيان بلا عقل؛ أعمته الجهالة، ومفاسد الزمن الرديء، واعتياد العمل تحت مظلة قانون الطوارئ لأكثر من أربعة عقود.. وكانت كلمتها قانونا غير قابل للمراجعة.. وفي وقت هي في أمس الحاجة لكسب ود الناس ورضاهم.. ويبدو أن الدافع وراء ذلك هو وجود وزير الداخلية مجدي عبد الغفار، الذي عمل في معية حبيب العادلي؛ مؤسس الدولة البوليسية، ومن تلاميذه المخلصين.. ومع وجود وزير عدل بخشونة أحمد الزند؛ أكثر عناصر «الثورة المضادة» تجبرا وقسوة!.
صب ذلك في قناة الفساد فزاده حصانة. وتسبب تصريح لهشام جنينة رئيس «الجهاز المركزي للمحاسبات»، وهو أعلى وأهم جهاز رقابي؛ عن حجم الفساد ووصوله إلى 600 مليار جنيه، وتسبب هذا التصريح في إحراج المسؤولين، واقتضى تشكيل لجنة من المفترض فيها أن تتقصى حقيقة ذلك الرقم، وهذا إجراء حميد، لكن اللجنة في تقريرها ركزت على نوايا رئيس جهاز المحاسبات وأثر تصريحه السلبي على الرأي العام قبيل الذكرى الخامسة للثورة، وكأنه يقدم حيثيات الإطاحة بجنينة ويُبقي على الفساد يُخرج لسانه للناس!!.
وفجأة تعلن الصحف ووكالات الأنباء عن أكبر عملية فساد في تاريخ وزارة الزراعة.. وإذا صحت التحريات؛ فمعنى هذا أن البلد غارق في بحر الفساد حتى أذنيه.. وقُبض على 6 مهندسين وأمرت النيابة بضبط 6 آخرين؛ تهمتهم تسهيل الاستيلاء على 85 ألف فدان من أراضي الدولة (تساوي 357 مليون متر مربع) مقابل 2 مليار جنيه.. وكشفت التحقيقات المبدئية، أن الاثني عشر متهما استبدلوا بيانات 37 شخصا استولوا على أراضي الدولة في الجيزة والإسماعيلية والبحيرة، بالمخالفة لقرار وزير الزراعة بوقف تقنين وضع اليد على الأراضى العامة، وصدر فى عام 2013.. واستبدلوهم بأشخاص آخرين من الحاصلين على أراضي قبل قرار وقف التقنين، وغيروا وزوروا وأدخلوا أسماء هؤلاء الأشخاص إلى قاعدة بيانات وزارة الزراعة الألكترونية، وعدلوا في المساحات ليتيحوا مساحات أكبر للذين استولوا على الأراضي. ووُضِعت أسماء جديدة على مستندات كانت موثقة قبل صدور قرار وقف التقنين، وتحولت إلى مستندات رسمية لصالح الأشخاص الجدد.
إنها صفحة من دفتر أحوال المحروسة قبيل ساعات من حلول الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير 2011 العظيمة!!.

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

محمد عبد الحكم دياب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية