من دفتر الشعر الفلسطيني: أسمى طوبي ومزمور «حبي الكبير»

حجم الخط
2

أسمى رزق طوبي (1905- 1983) ابنة الناصرة، من قباطنة الأصوات الأدبية النسوية الرائدة في فلسطين قبل النكبة، وصوت النهضة والتحرر الفكري والاجتماعي للمرأة . كتبت المقالة الصحافية والمسرحية والشعر، وحررت الصفحة النسائية في جريدة «فلسطين» قبل عام 1948. أرغمتها النكبة على النزوح إلى لبنان عام 1948، وهناك أشرفت على تحرير الصفحة النسائية في جريدة «كل شيء» ومجلة «الأحد»، وهي من طلائع النهضة ورأس الزاوية في بنيان الجمعيات والحركات النسائية العربية الرائدة.
حملت رسالة الأدب الهادف الملتزم بالوطن وقضايا الإنسان، فالأدب في قاموسها عجلة النهضة والتغيير وركيزته الحرية والجرأة. في مقالة لها بعنوان «أدب الميوعة والإفساد» («العربي»، أكتوبر/تشرين الأول 1961) كتبت «آمنت بالأدب الخالي من المخدرات.. اللازم لكل عصر، خاصة لعصر النهضات كعصرنا هذا.. أدب نهدهد به أطفالنا ليناموا. أدب يذود عن الحمى المستباح. أدب هو رسالة الحرية الفكرية والغيرة الوطنية والجرأة الأدبية. نعم بالأدب قوة ووحيا، لأن أنشودة واحدة حطمت الباستيل.. وخطبة من أنطونيوس جعلت الشعب الثائر على قيصر القتيل شعبا ثائرا له».
من مؤلفاتها النثرية «أحاديث قلب» (1955)، و«عبير ومجد» (1966)، و«نفحات عطر» (1967).
حبي الكبير» (بيروت، 1972 ) يشكل سفرها الشعري الوحيد وهو بمثابة مزامير وصلوات في محراب شعري هامس، يتألف من 38 قصيدة تسفح حروفها المترعة بجراح النكبة على 120 صفحة بغلاف الفنان إسماعيل شموط، وتبث حرقتها في ثالوث أتون الغربة والهزيمة والعودة، لكن بضم الديوان إضمامة من رحيق شعر المرأة الجريء العابق بالحب والأزاهير والطفولة، احتفاء بالفرح المسروق.
تتلمس الشاعرة اللفتة والاعتراف بكيان المرأة ومشاعرها ولو بأشياء صغيرة، إنها في (هدية) لا تطلب من حبيبها قارورة عطر أو خاتم ذهب، بل تبادر وتطلب منه ولو هدية صغيرة لإنعاش قلبها، وهذه الهدية مطرزة بحاستي الشم والسمع، فإما وردة عطرة تعبق بها أنفاسها، أو بلبلا صادحا يشنف أذنيها، وتستشرف معه وبقلبيهما الكبيرين الغد الأجمل بالحب والتعاون والوحدة:
وردة عاطرة في يوم عيد
بلبلا يصدح في الفجر السعيد
إهدنيها
لا تقل… تلك هدايا؟
إنها شيء صغير
إنما ينعش حبي
ذلك الشيء الصغير
*
وتعال.. يا حبيبي
نرقب العام الجديد
باسما حلوا تغذيه الأماني
قد مزجناها معا
من فؤادينا وعزمينا
أماني غوالي
لا تبالي الغد يا أروع حلم
سنلاقيه معا عزما لعزم
نحن قلبان كبيران اتحدنا
بوركت من وحدة تجمع قلبينا على
أسمى نضال
***
كما حمل شعرها نزعة إنسانية ووجعا وصرخة في وجه امتهان الإنسان، خاصة الأطفال الذين يستغلون في سوق العمل والشقاء. ففي «صغير حامل سل» تقول بمشاعر مرهفة وتساؤل جارح وأسلوب قصصي:
في مقلتيه سنا الطفولة وعلى الجبين شقا الرجوله
وثيابه مزق وتحكي قصة الألم الطويله
البؤس والحرمان والدمع الذي يجتاح ليله
ما باله حمل الشقاء من اليفاع وذاق ويله؟
في قصيدة «عام جديد» يورقها ويقلقها هروب العمر ومروره، وتتشابك فيها ثنائية الحنين إلى الشباب والخوف من الغد المجهول:
ووقفنا نحتسي الخمر سرورا
بمروره
ويهني بعضنا بعضا بماذا؟
بعبوره؟
بانسلاخ العمر شلوا
إثر شلو
كلما أسرع عام بمسيره
إن هاجس العودة يؤرق الشاعرة فهي تستشرف العودة إلى الوطن فلسطين بحس مرهف وشوق وحنين كاو. في قصيدة «إلى يافا» تتماهى الشاعرة والواقع المر، وتصور في مخيالها عودة أبناء يافا من المنافي إلى مدينتهم، بعد عشرين عاما، فيتلمسون بيوتهم، ويقبلون أعتابها، ويلثمون التراب:
هرعوا بحبهم المشوق
حب تمرس بالعذاب
يتفقدون بيوتهم
ليقبلوا أعتابها
وليلثموا ذاك التراب
هذه الازدواجية من التقبيل واللثم، تضفي القداسة والعبادة على المكان المتخيل. كما أن سمفونية العودة تتكرر في قصيدة «أمل» و«حبي الكبير»، لكنها تأخذ بعدا أعمق في قصيدة « بلادي»، فبعد تصوير شقاء الغربة الكاوية، وأنين التمني والضياع تصمم الشاعرة على العودة، بعد أن تصبغ الأرض بهالة من القداسة:
ويا أمنا
وأقدس ما في الوجود
وأغلى من الأم يا أرضنا
غدا سنعود
فالوطن هو الألق الشعري المشع في الديوان، إنه الإله الثاني في القداسة وهو الأغنية والحب الكبير:
وتبقى بلادي
إلهي بعد إلهي
وتبقى بلادي
على الدهر أغنيتي
وحبي الكبير (قصيدة «حبي الكبير»)
وفي قصيدة «ليلة الميلاد» التي هي مزمور حزين مترع بالغضب والعتاب، تلجأ الشاعرة إلى توظيف الباروديا – المحاكاة الساخرة، فهي تتساءل لماذا تضاء الشموع، ومهد السيد المسيح
مظلم ومبلل بالدموع! إنها تعارض أو تعطي صورة عكسية لمدلولات الرموز الدينية، أي أنها تخرجها من سياقها في النص الديني، وتوظفها في سياقات سياسية واجتماعية.
هذه الظاهرة تتكرر في القصيدة نفسها، في توظيف ترنيمة الميلاد «وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة»:
ويعلو النشيد
سلام: مسرة
وأين السلام: وأين المسرة
ومهدك في الأمسيات الحزينة
تبل ثراه الدموع
تغني النواقيس عبر البحار
وتنشج في القدس
في بيت لحم
فيا مهزلة
كما تتكرر هذه النغمة في قصيدة «أحد الشعانين»، حيث تقول:
أنت لن تأتي هذا العام
للقدس الحزينة
أنت لن تأتي فمن نلقى
ولن نذهب
للقدس الحزينة
إن الشاعرة تعتمد التوكيد اللفظي «انت لن تأتي» والرفض «لن نذهب» لفرض موقفها الغاضب والحزين، النابع من حزن على فقدان وطنها. تستخدم الشاعرة في هذه القصائد القافية المقيدة – الساكنة، للتعبير عن المناخ الحزين، كما أن بعض القصائد كتبت بأسلوب المزامير والصلوات الواردة في الكتاب المقدس مثل قصيدة
«ابتهال» و«أحبوا» إذ تقول في دعاء:
أنا ضائع إن أنت لم
ترصد خطاي
لم تهدني سبل الصلاح
لأدفن البغضاء فيّ
وأزرع الحب الكبير
يلف دنياي الشقية
كالوشاح.
هذه القصيدة من حيث الأسلوب والمعنى متأثرة بالأسلوب التوراتي، خاصة المزمور الخامس من مزامير داود. إن استخدام الرموز الدينية في الشعر العربي الحديث هي ظاهرة معروفة برزت في أشعار بدر شاكر السياب وأصحاب مجلة «شعر». كما أشرنا، في ديوان أسمى طوبي «حبي الكبير» تبرز سطوة التناص أو التناصص الديني
(تقارب نصين لفظيا أو دلاليا). ويعزو بعض النقاد هذه الظاهرة إلى الأزمات والكوارث التي يعيشها الكاتب، وهل هناك تشظيات ونكبات، أكبر مما مر به وطن الشاعرة؟ ما يميز أسمى طوبي هو توظيف الرموز الدينية المسيحية في شعرها، مثل قصة يهوذا رمزا للخيانة، إذ تقول في «ألف يهوذا» :
لم يعد ألا المعلم
ويحه… خان المعلم؟
فلتمت نفس يهوذا
— —–
يا يهوذا
لست وحدك
بيننا ألف يهوذا
يضمرون الحقد… يبدون المودة
في طمى أرواحهم
مكر يهوذا
إن توظيف خيانة يهوذا الإسخريوطي الذي أسلم السيد المسيح بقبلة غاشة مقابل ثلاثين من الفضة، جاءت لتصوير الواقع العربي المر وإدانته لكثرة الخائنين أشباه يهوذا. والشاعرة تلعن يهوذا وتطلب موت نفسه الخائنة الماكرة من خلال استخدام «لام الأمر»، لكنها تخفف النبرة، حين تصور بأسلوب تقريري كثرة الخائنين. كما أن عناوين القصائد لها مدلولات دينية مسيحية، وهي مستقاة من «العهد الجديد» مثل: «ليلة الميلاد»، «أحبوا»، «أحد الشعانين» و«ألف يهوذا». شارة أخرى ترتسم في ديوانها «حبي الكبير»، هي الغربة عن المكان، أو ما يسمى بلغة الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة، «الغربة الروحية»، إذ تعيش الشاعرة تمزقا نفسيا يشل حركية القصيدة ويلفها بالسكينة عن طريق استخدام القافية المقيدة، والكلمات ذات الجرس الموسيقي الهادئ. هذه الشاعرة المجددة مبنى ومعنى، والملتزمة بالهم الإنساني بشكل عام، والفلسطيني بشكل خاص، هي من جيل الرائدات في الثقافة الفلسطينية كتبت في زمن ولا أصعب، زمن البدايات حين كانت الكتابة حفرا في الصخور والجبال. فلا يمكن تناول كتابات أسمى طوبي بالمعايير والقواعد الفنية الرائجة اليوم، لكونها رائدة ومجددة وصاحبة رسالة وتشكل صوتا نسويا نهضويا مسكونا بالوعي والتحرر.

٭ كاتب فلسطيني

6shr

من دفتر الشعر الفلسطيني: أسمى طوبي ومزمور «حبي الكبير»

سمير حاج

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية