خطاب الفوز لنير بركات في 2008 والذي أصبح رئيساً لبلدية القدس، يتم تذكره بسبب المقولة البائسة عن الحاجة إلى تفكيك الجسر الذي يوجد في مدخل المدينة. بعد عشر سنوات ما زال هذا الجسر موجوداً، لكن القدس برئاسته تغيرت بدرجة كبيرة. رغم كل الانتقادات على سلوكه الشخصي والسياسي فإن قدس بركات سارت بصورة جيدة، وبمعان كثيرة فإن عاصمة 2018 هي مدينة أفضل لسكانها، وضمن أمور أخرى، بفضله. القدس 2018 هي مدينة وسطها صحي أكثر وتوجد فيها ثقافة أكثر ومصالح تجارية أكثر، وجهاز التعليم فيها جيد جداً والفضاءات العامة فيها، على الأقل في غربي المدينة، تسير نحو التحسن. في صالح بركات لعبت عدة عوامل، وهي غير مرتبطة به لكنها ساعدت في نجاحه: العامل الاول هو أنه باستثناء سنتي 2014 ـ 2015، على مدى العشر سنوات، كانت القدس هادئة جداً من الناحية الامنية. وهذا الامر مكّن من زيادة عدد السياح الذين وصلوا إلى المدينة، وصحوة بطيئة لوسطها. في عهده القدس حظيت أيضاً باستثمارات حكومية غير مسبوقة في العاصمة، سواء في مجال التعليم أو المواصلات وشرقي القدس. وقد قطف ثمار انتهاء الاعمال وبداية تشغيل الخط الاول للقطار الخفيف.
بركات الذي أعلن في يوم الاحد الماضي أنه لن يتنافس مرة أخرى على رئاسة البلدية، ظهر بصورة خاصة على خلفية رئيسي البلدية قبله، إيهود أولمرت وأوري لوبليانسكي، اللذين أُدينا في فترة ولايتهما، لكن العقاب الحقيقي بخصوص إدارتهما للمدينة ما زال يعاني منه سكان المدينة. ورغم اعتقال نائب رئيس البلدية مئير ترجمان قبل أسبوعين، إلا أنه منعت تحت ولاية بركات الرشوة في مجال تطوير المدينة. في عدد من الحالات نجح عدد من السكان في منع مشاريع عقارية ضارة وترويج مبادرات محدثة في الفضاء المحيط ببيته وتم انشاء متنزه السكة ووادي الغزلان.
وقد وُجّه لبركات إنتقاد، في المقابل، بأنه فضّل الاستثمار في مشاريع كبيرة مثل سباق السيارات والماراثون والاحتفالات، التي ربما وفرت له فرصاً ممتازة لالتقاط الصور كرئيس للبلدية، لكن إسهامها بالنسبة للمقدسيين لم تكن دائما واضحة. كما وجهت له الانتقادات لأن الاستثمارات الكبيرة بقيت على الأغلب في مركز المدينة ولم تصل إلى الأحياء. موضوع النظافة أيضاً، وبالدرجة الاولى نظافة المدينة، بقيت مسألة غير محلولة بالنسبة لرئيس البلدية القادم.
بركات سيتم تذكره باعتباره الشخص الذي فضل في الغالب السياسة على ما هو جيد للمدينة وسكانها. وهكذا وجد نفسه ملزماً بمؤيديه من اليمين، وهو مؤيد متحمس لكل مشروع استيطاني مهما كان ضاراً ومرفوضاً. أحد الأمثلة هو رفضه لاخلاء المستوطنة غير القانونية في بيت يونتان، وامثلة أخرى تشمل التشجيع بتحمس للقطار العلوي في البلدة القديمة، وطريق الحجاج التحت أرضي وعدداً لا يحصى من المشاريع السياحية والاستيطانية لجمعية العاد وعطيرت كوهانيم.
مشكلة أخرى ظهرت لدى بركات في كل ما يتعلق بالعلاقة بين المتدينين والعلمانيين في المدينة. فمن جهة سيتم تذكره كمن أنشأ التحالف السياسي بين العلمانيين والمتدينين، وهو التحالف الذي بفضله فاز في الحملتين الانتخابيتين الاخيرتين. من الجهة الاخرى، مؤيدوه العلمانيون شعروا أحيانا، لا سيما في فترة ولايته الاخيرة، بأنه يتعامل معهم كأمر مفهوم ضمنا. هكذا كان عندما وافق على إبداء المرونة مقابل المتدينين في كل ما يتعلق بتوزيع الميزانيات، طابع يوم السبت وإدارة الاحياء المختلطة. قبل تسعة أشهر توصل إلى اتفاق دراماتيكي مع الحاخامات الليطائيين «الحريديين» في ما يتعلق بإدارة الأحياء التي يعيش فيها علمانيون ومتدينون معاً. وحسب النشطاء العلمانيين فإن هذا الاتفاق أضر بالجمهور غير المتدين في المدينة وهو سيمكن من استمرار «زيادة تدين» الاحياء العلمانية. على خلفية هذه الانتقادات، انسحبت القائمة التعددية الكبرى من الائتلاف برئاسة بركات، الأمر الذي أبقاه مع غالبية متدينة كبيرة.
على الرغم من الانتقاد المحق للمعسكر التعددي، فإن القدس في نهاية عقد ولاية بركات، هي مدينة أكثر وداً للعلمانيين وأكثر انفتاحاً في أيام السبت مما كانت في بداية ولايته. ومن أراد رؤية فيلم أو الجلوس في مقهى في يوم السبت في القدس، توجد له الآن خيارات أكثر مما كان في العام 2008. المشكلة الحقيقية الوحيدة في العلاقة بين العلمانيين والحريديين في المدينة هي «زيادة تدين» الاحياء العلمانية، لكن ليس من المنطق إلقاء المسؤولية عن أزمة السكن للجمهور الحريدي في المدينة على بركات. هذه المهمة أكبر مما يتحمله أي رئيس بلدية.
إن من يتفحص بركات عن قرب يجد صعوبة في التقرير أحياناً هل سلوكه السياسي هو سلوك منطقي أو بدافع مشاعر قوية غير قابلة للتحكم بها. هذا الشعور وصل إلى الذروة في مواجهاته الشديدة مع وزير المالية. موشيه كحلون، الذي شقيقه كوبي كان رقم 2 في قائمة بركات خلال سنوات كثيرة، تحول بين عشية وضحاها إلى الخصم اللدود للقدس، تيتوس الحديث، بسبب رفضه الاستجابة لطلبات مالية كبيرة لبركات. هذه المواجهة تطورت إلى حملة دعائية شخصية وإلقاء القمامة على مدخل وزارة المالية. هل هذا الصراع هدف إلى مساعدة القدس؟ تثبيت مكانة بركات في الليكود؟ أو أنه نبع من الشعور بالغضب الحقيقي وغير المسيطر عليه من قبل بركات.
مثال آخر: قبل ثلاثة أسابيع ورّط بركات إسرائيل في أزمة مع الكنائس، الذي أدى إلى إغلاق كنيسة القيامة. خلفية ذلك كانت إجراءات لمصادرة أملاك الكنيسة بسبب عدم دفع ضريبة المسقفات. في هذه العملية تم طرح سؤال هل بدأت حملة محقة لصالح المدينة؟ هل عمل لمصلحته الشخصية؟ أم أنه لم يدرك تعقيد وحساسية الكنيسة في القدس؟ قليلون، إذا وجدوا، يستطيعون الإجابة على هذه الأسئلة.
بركات فاجأ في مرات كثيرة بقدرته على العفو عن خصومه والتوصل معهم إلى تحالف. هكذا كان مع رئيس المعارضة السابق ترجمان ونفس الشيء مع خصمه في الانتخابات السابقة موشيه ليئون الذي تحول إلى شريك في الائتلاف. مؤيدو بركات يعتبرون هذه الصفة عاملاً سياسياً حقيقياً وسليماً، وخصومه يعتبرونها طموحاً شخصياً وضعفاً للعمود الفقري الايديولوجي.
بركات سيتم تذكره أيضاً باعتباره الشخص الذي حاول وفشل في حل المشكلة الكبرى في القدس وهي الفارق بين شرقي المدينة وغربها. ورغم جهوده إلا أنه لم يتم حل مشكلة البناء غير القانوني، النقص في الصفوف في المدارس، الفقر والإهمال للأحياء في شرقي القدس والفوضى في الأحياء التي تقع خلف جدار الفصل. يبدو أن بركات لم يفهم أو أنه لا يريد أن يفهم عمق المشكلة السياسية للفلسطينيين في القدس. وبدل ذلك حاول تقليصها إلى حدود مشكلة مالية وتخطيطية، لكنه فشل.
وأخطر من ذلك أنه في فترة موجة الإرهاب استخدم أجهزة المدينة كأداة لعقاب السكان في شرقي القدس وتفاخر بذلك. وخلال هذه الفترة تم كشف الجوانب السيئة لبركات: صورته مع مسدس في شوارع بيت حنينا وقرار إغلاق الأحياء الفلسطينية بمكعبات إسمنتية، هي قرارات سيئة من القرارات التي اتخذها.
ورغم أن المشاكل الكبيرة حقا للمدينة لم يتم حلها، ومنها شرقي القدس، مشكلة المواصلات ومشكلة «زيادة التدين»، فإن بركات يخلف وراءه مدينة أفضل من التي تسلمها.
في العقد القادم ستكون القدس هي المدينة الإسرائيلية الاولى التي تخترق خط المليون ساكن، ولا شك أن هذه التركيبة لا يأمل بها أي رئيس بلدية: 40 في المئة من السكان فلسطينيون بدون حقوق مواطنة، 30 في المئة منهم حريديون يوجدون في إجراءات تغيير سريعة، 1 في المئة منهم هم خليط من الطوائف الدينية والقومية الضئيلة، لكنها ذات قوة سياسية وتراث ديني. والباقي؟
هنا يوجد يهود، متدينون قوميون وعلمانيون، يتساءلون عن مكانتهم في هذه المدينة. بركات سيتم تذكره، كما يبدو، كرئيس بلدية جيد، لكن في الداخل يسود شعور بأنه لم يدرك جيداً رتم المدينة، وأن القدس كانت بالنسبة له خشبة قفز للمنصب القادم.
هآرتس 27/3/2018