شعرت أوروبا ان لا قِبل لها بمنظومتنا الأخلاقيه و الأسرية عن طريق فرض القوانين أو العولمة لأنه بالرغم من التدهور والتغييرات الأخلاقية التي نشهدها في الدول العربية الا أنها لم تحمل لواء المجاهرة او التشجيع على الفاحشة علنا و ما زال في المجتمع بقية باقية تعض على الفضيلة بالنواجذ و كلما كان الضغط مباشرا و سافرا كلما كانت المقاومة أكبر و كأن الشعوب ترجع بذاكرتها إلى أيام مقاومة المستعمر و أدواته و لا ترضى بالتسليم او الرضوخ.
و لما كانت هذه الحالة فقد عمد الغرب إلى وسائل أكثر نجاعة و أدوم أثرا بالرغم انها تستغرق وقتا طويلا لتؤتي أكلها و هي الوسائل التعليمية و الإعلامية، يتسللون إلى المناهج و آداب الشعوب لأن التعليم كما قال الشاعر الاردي «هو الحامض الذي يذيب شخصية الكائن الحي ثم يكونها كيف يشاء، ان هذا الحامض هو أشد قوة و تأثيرا من اي مادة كيميائية فهو الذي يستطيع ان يحول جبلا شامخا إلى كومة تراب» و يخترقون و سائل الإعلام فالتلفزة و السينما من وسائل الهيمنة الناعمة على العقول، و بسياسة النفس الطويل «يفسخون» الأخلاق واحدا تلو الآخر دون معارضة و لا مقاومة فالمشاهدون يتوهون في القصة و ينجذبون في دوامة الحبكة و لا بأس بلمسة من هنا و قبلة من هناك و مشهد ساخن هنا و هناك و أول مرة ننتفض ثم نعود للمتابعة ثم نغض البصر ثم لا بد من فهم التفاصيل ثم لا نعود نبالي بمن اقترف الفاحشة، بل يصبح بطلا و تصبح بطلة نتمنى لهم نهاية سعيدة، فهل ينتهي الأثر بعد الكلمة الاخيرة في الكتاب او اللقطة الاخيرة في العمل التلفزيوني ثم ننسى كل شيء و كأن أسماعنا و أبصارنا و افئدتنا ليست موادا حية تتأثر بكل ما سبق؟!
في التسويق الغربي للأدب و الفن هناك قاعدة معروفة تقول « الحب و الجنس يبيعان love and sex sell» و بهذا يجب حشر هذين العنصرين حتى في قصص الأطفال! و بما أننا دول مستوردة للإنتاج الإعلامي فنحن نأخذ ما يفد إلينا دون تنقيح و في زمن غابر كانت بعض الدول تقطع المشاهد و الآن اختفى هذا «الحياء التلفزيوني» و لم يعد هناك تقطيع او ارشادات أسرية أو فترات برامجية، كله مفتوح و على عينك يا تاجر!
الغريب أن الانجذاب لعمل أدبي او تلفزيوني معين أصبح موضة و ليس خيارا شخصيا مبنيا على التقييم و المعاينة و المبادىء! فتجد أصحابك يقرأون العمل الفلاني فتقرأه و تستحي ان تقول انه لم يعجبك مثلا في ظل طوفان من الإشادة و الإقبال، تستحي أن تغرد خارج سرب المشدوهين بهذا «الابداع الفذ» المنقطع النظير!
تستحي من ضغط الأقران و رأيهم «بتطورك» العقلي و الذهني و «عُقدك» فتقول كما قالوا او تكتفي بالصمت البليد!
نجد هذه الظاهرة في مسلسل انتشر مؤخرا بين الشباب مبني على رواية شبابية من الروايات الأكثر مبيعا بعنوان لعبة العروش Game of Thrones و حتى لا نختلف على مضمونه فإن الموقع الفني المشهور IMDB يصفه كالتالي «دليل إلى الآباء» المسلسل يحفل بمشاهد الجنس بكل أنواعه و العري و اللغة الفاضحة و مشاهد العنف و التعذيب و الاغتصاب و السِفاح! مما أدى إلى أن تقوم بعض الدول بحسب الموقع الرسمي للمسلسل بمنع بث بعض الحلقات لما فيها من شطط يفوق حتى المقبول في دولة أجنبية!
ثم يأتي بعض شبابنا ليتابعوه و يشجعوا على متابعته و يناقشوه و يتشدقوا ان لا حلال و لا حرام في الأمر و ان المُشاهد يجب ان يركز على القصة و يفلتر ما دونها! و أي فلترة ممكنة لمسلسل مبني في كل مفاصله على ما سبق ذكره؟! ألم تعد هناك حدود حقا فيما يمكن مشاهدته من الأفلام و لم يعد هناك حد أدنى من المقبول و المرفوض؟ هل أصبحنا أتباعا لمدرسة الفن للفن و لتذهب الأخلاق إلى الجحيم؟ هل انتكست فطرتنا إلى هذه الحد حتى ما عدنا نستطيع أن نرى الحرام و نميز الحلال؟ ماذا قد يشجع شابا مثقفا قد تربى تربية عربية و يعتبر نفسه مميزا و ملتزما، «مودرن أو دقة قديمة»، أن يتابع هكذا مواضيع؟ ام قد صدق من قال « ان الشباب و الفراغ و الجدة مفسدة للمرء أي مفسدة»؟ ثم ما هذا التناقض يسمح لنفسه أن يتابع هذه الحثالة التي لن تضيف له شيئا ثم يصبح مستشيخا على أهل بيته و محارمه؟ أليست فواحش الخلوات مأساة أدوم أثرا لا تلبث ان تغير في القلب و الاعتقادات و العبادات؟ أليس ما تراه بعينك مدخلا لما تعقله بقلبك؟ و حتى المتابعون بعين الفضول لا يلبثوا ان يتحولوا إلى متابعين و لا ينجون من الشرك او الصنارة الا من اجتنب مزالق هو أدرى بنهايتها!
نعم لقد نجحوا في معركتهم بقبولنا و اقبالنا و رأينا المتذبذب الذي لا يستطيع ان يقول «للحرام حرام في عينه» بل يناور حول الشبهات حتى يقع في الحرام دون دراية او بدراية و اصرار و تجاهل للخطورة!
إنها ليست لعبة و ان كنت انت الملعوب بك إنها جريمة و انت الضحية الذي تجلس فاغرا فاهك تائها في الحبكة مطالبا بالمزيد ، إنها الحرب على عروش قلوبنا و عقولنا و قد انتصروا فيها أيما انتصار!
يقول جاك فالنتي أحد خبراء الإعلام «ان واشنطن و هوليوود انبثقتا من النواة نفسها» فالإعلام صنو السياسة و ما تعجز عنه حروب السياسة ينجزه الإعلام و أنتَ و أنتِ المُستعمَرون و الأسرى من حيث تدرون أو لا تدرون.
د. ديمة طارق طهبوب