من سيحمي العراق من خريطة تقسيم الشرق الأوسط؟

لم يعد سرا أن ما حدث للعراق من حروب وانقسامات إثنية وعرقية منظمة، ساعد في تثبيت مناطق نفوذ للدول الإقليمية المارقة، ومن ثم النجاح في تحقيق امتدادات ومصالح سياسية داخل البلد المستهدف، الذي أصبح يشكل الحلقة الضعيفة، من خلال الضغط على نقاط الضعف الطائفية التي ارتكز عليها الطامعون، والتي أجاد الغزو الأمريكي للعراق في توسيعها وتفعيلها، بتقسيم البلاد سياسيا واجتماعيا، والسماح لأحزاب الدين السياسي السنية واحزاب إيران في الاستحواذ على الحكم والثروات، وبالتالي التحرك وفق ما تمليه مصالح الدول الإقليمية، وفي غياب كامل للمصلحة الوطنية، بعد ان تم استغلال حالة «التشيّع والتسنن السياسي» ، لتحقيق مصالح خارجية ليس لها صلة بالعراق ولا ترتبط بتاريخ العراقيين.
كما لم يعد خافيا على أحد، ما حل بمنطقة الشرق الأوسط من تغيرات منذ احتلال العراق في 2003، وتغير طبيعة نظامه السياسي، عن طريق تسلط الدين السياسي الطائفي، الذي فرق العراقيين، وأوجد التربة الخصبة لظهور التيارات الدينية المتعصبة الداعية إلى خلط الثقافة الفئوية الجاهلة في عمل مؤسسات الدولة الوطنية الجامعة لكل مكوناتها ومعتقداتها الإثنية.
ناهيك عن حالة اتساع الصراع الحزبي والشخصي داخل مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية نتيجة للفساد المستشري، التي كان آخر حلقات مسلسلها، الصراع في البرلمان العراقي الذي دار بين وزيري الدفاع والمالية من جهة ورئيس البرلمان وفريقه من جهة أخرى وما حمله من اتهامات خطيرة، وتباعد في القيم الوطنية والإنسانية، إلى درجة لم يعد بالإمكان الحصول على إجماع وتوافق سياسي للدولة العراقية للدفاع عن المخاطر التي تهدد البلاد من دون اللجوء لتدخل دولي وإقليمي تسعى من خلاله هذه الأحزاب الحاكمة، للحفاظ على وجودها ومراعاة خطوط مصالحها التي تم رسمها على حساب سيادة العراق، ووجوده على الخريطة الإقليمية كدولة اقتصادية غنية، وإحدى أهم المناطق الاستراتيجية المهمة في منطقة الشرق الأوسط.
وفي الوقت الذي يعيش العراق وضعا خطيراً ومضطربا عن طريق تنفيذ الاحزاب العراقية للأجندات الخارجية، وخوض حرب بالوكالة عن هذه الدول، وفي الوقت الذي تشتد معركة الساسة العراقيين في تصفية حساباتهم الشخصية التي تتعلق بالفساد وسرقة المال العام، تتواصل جهود الدول الإقليمية في مساعيها للخروج بحلول نافعة مشتركة على حساب العراق المغلوب على أمره، جراء النظام السياسي الفاسد المنقسم على نفسه، تعمل هذه القوى الإقليمية التي تحيط بالعراق على تبادل مصالحها الاقتصادية المشتركة لبناء مؤسساتها السيادية والاقتصادية، ودعم وحدتها الداخلية المدافعة عن هيبة الدولة في المجتمع الدولي، ومواصلة تعنتها في التدخل في شؤون العراق الداخلية باستعمال عملائها وأحزابها كأدوات ضاغطة للدفع نحو استمرار تلك النزاعات الإثنية بين العراقيين. وكما ان التداعيات الأخيرة التي خلفتها الحرب ضد تنظيم «داعش» في سوريا تثير التساؤلات عن النوايا التي تخبأ للعراق المغلوب على أمره، بعد التقارب التركي ـ الإيراني ـ الروسي الأخير وانعكاساته المقبلة على الواقع المتغير لترتيب المنطقة.
التطورات بين كرد العراق الداعين إلى الانفصال وسياسة الأمر الواقع لتركيا وإيران في قمعهما للكرد، اللتين لم تسمحا بإعطاء الكرد الحقوق والمزايا التي يتمتع بها أشقاؤهم من كرد العراق، خصوصا أن رؤية مسعود بارزاني المطالب بانفصال كردستان العراق وصاحب عبارة «العراق بعد تنظيم داعش لن يكون قبل داعش» لا تتوافق مع رؤية الرئيس التركي رجب اردوغان الرافض لأي مشروع انفصالي لأكراد تركيا. فثمة شيء من التناقض في عداء تركيا وإيران للأحزاب الكردية الانفصالية في سوريا وبلديهما. في الوقت الذي تتمتع فيه أنقرة وطهران بعلاقات سياسية واقتصادية ممتازة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن اتفاق تركيا وإيران التجاري والسياسي الأخير الذي كللته زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، ما كان له ان يتبلور وان ينجح وان يقف، لولا نوايا الهيمنة والتوافق على مقدرات العراق وسوريا بين إيران التي هي (الحاضن الشيعي) وتركيا التي هي (الحاضن السُني)، في الوقت الذي ينحدر العراق إلى التقسيم بغياب المشروع الوطني العراقي العابر للطوائف، في هذه المرحلة التي تشهد الكثير من المساومات التي تنذر بقرب حدوث تغيرات في الخريطة الجغرافية.
من تابع وقائع استجواب وزيري الدفاع والمالية وسمع فصولها كاملة، لا يجد صعوبة في فهم الحالة البائسة التي وصلت إليها الدولة العراقية وعمليتها السياسية الفاشلة، التي ما هي في الحقيقة إلا عملية تصفية حسابات لأحزاب وشخصيات سمحت لها الظروف والأوضاع الجديدة، التي فرضت على الساحة السياسية العراقية وبوجود الثروات الوطنية التي كان من المفروض أن تذهب لمصلحة الإنسان العراقي وبناء منظومته الأمنية والاجتماعية والدفاع عن سيادة العراق ووحدته المستهدفة، في الظهور والوجود سياسيا.
لم يعد سرا ان إيران وتركيا وبمساعدة أمريكا وروسيا تعملان على إعادة مشروع تقسيم المنطقة وعلى حساب العراق وسوريا، حيث تتلخص استراتيجية هاتين الدولتين الإقليميتين في الحفاظ على مصالحهما ووحدة أراضيهما، من خلال التأثير على الأحزاب السياسية والإثنية في العراق ودعمها، لتكون في خدمة الدول التابعة لها والمساهمة في تنفيذ الإملاءات الخارجية وصولا إلى مرحلة تغييب دور الثقافة الوطنية المخلصة والشريفة من خلال دفع الأحزاب الاسلامية السنية والشيعية، لإنشاء دولة فدرالية قابلة للتقسيم، من دون ان يكون للعراق الحق في الدفاع عن وجوده التاريخي وحقوقه في دولة الأمة بعربه وكرده وأقلياته، شأنه شأن باقي الأمم.
٭كاتب عراقي

من سيحمي العراق من خريطة تقسيم الشرق الأوسط؟

أمير المفرجي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية