من شارب هتلر إلى لحية البغدادي… حفريات تاريخية

حجم الخط
3

إن موضوع الشوارب واللحى، شكلها إطلاقها حلاقتها، بات موضوعا مشتركا لأكثر من حقل كالأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والأديان المقارنة والموضة وحتى السياسة.
فإذا نظرنا إلى الرسوم الأثرية التي أرخت تاريخ الأمم، من البابليين والآشوريين إلى اليونان والفرس والمصريين والهنود، سنجد الفرق في أشكال وهيئات الرجال، فالملابس مختلفة وقصات الشعر واللحى والشوارب مختلفة، فالشعر واللحى الطويلة المجعدة ميزت أشكال الفرس والبابليين والآشوريين، بينما تشير آثار الحضارة المصرية بوضوح إلى الرؤوس الحليقة والوجوه اللامعة الخالية من الشارب واللحية، واعتبره المصريون القدماء قاعدة أساسية من قواعد النظافة، إذ كانوا يزيلون شعر رؤوسهم ولحاهم وشواربهم، كما تدلنا تماثيل ملوك الاسر المصرية على نوع من حلية ذهبية بديلة عن اللحية الحليقة هي عبارة عن لحية ذهبية صغيرة يلبسها الفرعون كأحد مكملات التزيين الملكي.
وللأديان مواقف مختلفة من الشعر، فنجد بعض الديانات تعتبر رأس الانسان مقدسا ولا يجوز المساس به، وبالتالي حرمت قص الشعر وحلاقة اللحية والشارب، أو حتى تقصيرها، كما هو الحال في الديانة السيخية، وفي بعض الطوائف الهندوسية، وكذلك الحال في الديانة الإيزيدية والمندائية في العراق، إذ يجب على الرجل الملتزم دينيا ترك شعر الرأس واللحية والشارب، سواء كان رجل دين أو انسانا عاديا متدينا. وقد كان أفراد الطائفة المندائية قبل قرن من الآن بشكل عام ملتزمون بهذا الأمر، وبالتالي فهم معروفون بلحاهم وشواربهم الكثة الطويلة غير المشذبة، والحال نفسه عند رجال الدين في الطائفة الايزيدية في العراق، الذين يمتنعون عن حلق لحاهم وشواربهم حتى الآن، ويبدو أن بعض طوائف اليهود كانت لها هذه العادات نفسها، بدليل حديث نبوي روي عن الرسول الكريم، يقول «خذوا من شعوركم واستاكوا، وتزينوا، وتنظفوا فإن بني إسرائيل لم يكونوا يفعلون ذلك فزنت نساؤهم». وكان موقف الإسلام من الأمر مختلفا إذ اعتبر تشذيب اللحية وتقصير الشوارب والشعر من الأمور المستحبة، في ما يخص نظافة الرجل، وكان العرب معروفين باهتمامهم وإكرامهم اللحى مع عدم الاهتمام بالشارب، وقد انتقل ذلك إلى الاسلام كما يروى في الحديث النبوي الذي يحض على اكرام اللحية وإطلاقها وإهانة الشارب وتقصيره.
وبقي حال الاهتمام باللحية والشوارب ابان العهد العثماني على ما كان عليه، كتقليد ديني واجتماعي حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما دخلت الدولة العثمانية عصر الحداثة، فاستبدلت السراويل الرجالية الواسعة والملابس المزركشة بالبدلة الاوروبية، وأصبح غطاء الرأس الرسمي هو الطربوش الأحمر بديلا للعمامة. وعمد الرجال إلى حلق لحاهم والاعتناء المبالغ بشواربهم التي اخذت شكل أو موضة ما عرف بشوارب الإمبراطور الالماني فيلهلم، الشوارب الطويلة المعقوفة إلى الاعلى والمثبتة باستعمال نوع من الشمع الذي يحافظ عليها بهذا الشكل، وقد كانت هذه الموضة لشوارب الرجال شائعة في جميع بقاع اوروبا في تلك الحقبة، ولأن الناس على دين ملوكهم، وبحسب القاعدة الاجتماعية التي تقول إن المغلوب يقلد الغالب، أصبحت طبقة الافندية في الولايات العثمانية تلبس بهذه الطريقة وتعتني بالشوارب بالطريقة نفسها، مقلدة أفندية عاصمة الامبراطورية اسطنبول، وفي هذه الفترة تحديدا اصبح لشارب الرجل قيمة جنسانية ودلالة رمزية على الفحولة، حيث كان الرجل يحلف بشاربه، أو يمسك شاربه اذا تعهد لاحد بالقيام بأمر ما، دلالة على عدم نكوثه بالعهد وإلا اصابته سبة تمس رجولته وهذه من الامور التي لا تغتفر.
بقيت موضة الشارب المفتول شائعة حتى فترة ما بين الحربين العالميتين، ومع فوز الحزب القومي الاشتراكي الالماني (النازي) في الانتخابات في ديسمبر 1929، سطع نجم زعيم المانيا الجديد أدولف هتلر، وقد كان ما يميز شكل هتلر شاربه الصغير المربع الشكل. واللافت أن شارب هتلر لم يصبح موضة في المانيا، رغم كاريزما هتلر وشعبيته الكاسحة، فإذا نظرت إلى صور هتلر مع افراد حزبه او مع جنرالاته وجنوده ستجد أن الكل حليقو اللحية والشارب، والمعروف أن اللحية والشارب كانا محظورين في الجيش الالماني، باستثناء الدرجات الخاصة، وكان هتلر احد الاستثناءات، فاذا نظرت إلى صور القادة الالمان ستجدهم كلهم حليقين باستثناء هاينرش هيملر قائد القوات الخاصة الألمانية والبوليس السري المعروف بالجيستابو، الذي كان يحتفظ بشارب خفيف شبيه بشارب هتلر.
المفارقة أن شكل الشارب الهتلري انتشر واصبح موضة في الدول العربية التي كانت تحت السيطرة البريطانية، فالدعاية الألمانية المؤثرة وجدت أرضا خصبة في بلدان المشرق العربي، نتيجة كراهية الإنكليز، وأصبح الشارب الهتلري يزين وجوه الساسة والعامة في الشارع العربي، فمثلا رؤساء الوزارات واغلب الوزراء العراقيين في حقبة الثلاثينيات وبداية الاربعينيات كانوا يشذبون شواربهم على الطريقة الهتلرية، ولم يقتصر الامر على الساسة ذوي الميول الألمانية مثل رشيد عالي الكيلاني وناجي شوكت والعقداء الاربعة الذين قاموا بانقلاب مايو 1941 ويونس السبعاوي وزير إعلام حكومة الانقلاب المدعوم من المانيا الهتلرية، إنما المفارقة كانت أن الساسة ذوي الميول البريطانية اصبحوا يشذبون شواربهم على الطريقة الهتلرية، مثل علي جودت الايوبي واحمد مختار بابان وغيرهما، وقد افلت موضة الشارب الهتلري بعد هزيمة المانيا في الحرب العالمية الثانية في النصف الثاني من الاربعينيات.
أثر انتشار السينما والصحافة والتلفزيون في حقبة الخمسينيات بشكل كبير على الموضة بشكل عام وعلى شكل الشوارب بشكل خاص، فشاع نمط الشارب المشذب بعناية على طراز نجوم السينما المشاهير مثل، كلارك غيبل وباول لوكاس ورونالد كولمان، او على نمط شوارب دونجوانات السينما المصرية مثل انور وجدي وعماد حمدي ومن بعدهما عمر الشريف ورشدي اباضة وكمال الشناوي، واصبح الشارب الرفيع المعتنى به موضة تتماشى مع شكل الملابس الرجالية، حيث اصبح البنطلون ضيقا وياقة الجاكيت صغيرة وربطة العنق رفيعة، فاصبح الشكل العام للرجل ينم عن مغالاة في التشذيب والتهذيب، ولاسباب عديدة كانت موضة الملابس والاشكال تستمر لفترات زمنية طويلة قد تمتد لعقد كامل، وهذا ما حدث في نهاية الستينيات مع ما عرف بظاهرة البيتلز وحركة الهيبيز الاحتجاجيةعلى الشكل الرجالي المتعارف عليه، التي تضمنت اطالة شعر الرجال واطلاق اللحى والشوارب في بدايات السبعينيات، وقد وصلت هذه الموجة بلداننا العربية في السبعينيات بشكل مفلتر، انعكس على شكل الملابس والشعر واللحية بدون تأثيراته كفلسفة احتجاج ورفض اجتماعية انتشرت في المجتمع الغربي الا بحدود ضيقة، وفي العراق شاع نمط الشارب الكبير المتهدل على طرفي الفم وقد امتاز به في حقبة السبعينيات البعثيون والمسؤولون فيما عرف بـ (شوارب 8 شباط) كناية عن الانقلاب البعثي الفاشل في عام 1963، بينما انشق اليسار العراقي (شواربيا) الى مدرستين، فالمدرسة التي تميل إلى التنظير والانضباط الماركسي التي كانت غاطسة في الكتب والنظريات ونقاش المقاهي، احتفظت بشكل الشوارب الانيقة او الحليقة، بينما المدرسة الثانية ذات الميول الثورية والحلول المسلحة مالت إلى الشكل الجيفاري في اطلاق اللحية والشارب الكث غير المشذب للدلالة على الانشغال الدائم بهموم الطبقات المسحوقة.
وبقيت للشارب مكانة مميزة في المجتمع العراقي حتى بعد موجة الحداثة التي مرت على المجتمع في عقدي الخمسينيات والستينيات التي أشاعت نوعا ما ثقافة حلاقة الشارب، لكن الشكل العام للشباب العراقي في حقب السبعينيات والثمانينيات بقي مميزا بالاحتفاظ بشارب كبير في الوجه، ومع عسكرة المجتمع التي امتدت طوال حكم الرئيس صدام حسين، وهو صاحب احد ابرز الشوارب (السياسية) في العراق والعالم، اصبحت للشارب قيمة معنوية اكبر، ففي لقاء للرئيس في نهايات التسعينيات مع مجموعة من قيادات الدولة، كان الرئيس يشكو من حالة تخاذل الحكومات العربية وعدم وقوفهم مع العراق لرفع العقوبات الاقتصادية عنه، فصرخ صرخته الشهيرة متسائلا (متى تهتز الشوارب؟) مخاطبا الحكام العرب، في دلالة على أن الرجل عندما يتعرض للضيم تهتز شواربه غضبا فيثور للمهانة التي تلحق به، وقد قيلت في حينها العديد من النكات في الشارع العراقي على تساؤل الرئيس عن عدم اهتزاز الشوارب، وفي هذه الحقبة ابتدأت بوادر ظهور التيارات السلفية في المجتمع العراقي المدعومة حينها من الحكومة وحملتها الايمانية التي اطلقها صدام حسين في منتصف التسعينيات، فظهرت اشكال الشارب المحفوف مع اللحية الطويلة، التي تشكل سمة الشباب السلفي بالاضافة إلى الجلباب القصير طبعا. ولا يتم الموضوع الا بذكر الشوارب المعدنية، نعم، فقد كانت اغلب سيارات المسؤولين العراقيين في سبعينيات القرن العشرين، مع الوفرة المالية التي فاضت على العراق نتيجة ارتفاع اسعار النفط العالمية من نوع (مرسيدس280S )، المعروفة في العراق بتسمية محلية هي (مرسيدس ابو شوارب) نتيجة للشكل المميز لمانع الصدمات الامامي ذو الخطين المعدنيين البراقين الشبيه بشوارب المسؤولين البعثيين، وربما اطلق الناس هذا الاسم على السيارة للسببين شوارب المسؤول وشوارب سيارته.
وبعد إطاحة الغزو الامريكي نظام صدام حسين عام 2003، تعرض الكثير من الحلاقين في بغداد وعدد من المدن العراقية إلى الاغتيال او التهديد بتفجير محالهم اذا هم مارسوا قص شعر الشباب على الموضة، أو حلقوا لحاهم او استعملوا الخيط لترتيب الحواجب أو ازالة الشعر من وجه الرجل، وبالطبع كان التهديد من جهات متشددة دينيا، وراح الكثير من الشباب ضحية هذا العنف (الشواربي). ألم اقل لكم أن للحية والشارب ابعادا سياسية، ومن يريد التأكد ليتتبع الامر من شارب هتلر حتى لحية الخليفة ابو بكر البغدادي.

٭ كاتب عراقي

صادق الطائي٭

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية